الأربعاء 8 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالباري طاهر.. مخضرم الثقافة والسياسة وأستاذية الفكر والصحافة

عبدالباري طاهر.. مخضرم الثقافة والسياسة وأستاذية الفكر والصحافة

عبدالباري طاهر.. مخضرم الثقافة والسياسة وأستاذية الفكر والصحافة

ما أصعب أن يكتب المرء عن قامة فكرية وثقافية يدرك، قبل أن يشرع في الكتابة، أن تجربتها أوسع من أن تحيط بها الكلمات، وأن معرفتها أعمق من أن تستوعبها العبارات. فثمة شخصيات لا تمثل مجرد سيرة ذاتية، وإنما تختزل مرحلة كاملة من الوعي الوطني والثقافي، وتغدو الكتابة عنها أقرب إلى محاولة الاقتراب من جبل شامخ، لا إلى الإحاطة به.

ولا يكمن هذا الشعور في تواضع الكاتب فحسب، وإنما في إدراكه أنه يقف أمام تجربة إنسانية وفكرية نضجت عبر عقود من الكفاح، وصقلتها المدارس الفكرية المتعددة، وهذبتها تجارب السياسة والثقافة والصحافة، حتى غدت نموذجًا نادرًا للمثقف الموسوعي الذي جمع بين عمق الفكر، ورحابة الأفق، وأخلاق الحوار، وصدق الانتماء للوطن.

ذلك هو الأستاذ الكبير عبدالباري محمد طاهر؛ أحد أبرز أعلام الفكر والثقافة والصحافة في اليمن المعاصر، والنقيب التاريخي للصحفيين اليمنيين لعقود طويلة، وصاحب الحضور الوازن في المشهد الثقافي والسياسي اليمني والعربي.

إن أول ما يلفت النظر في شخصية عبدالباري طاهر ليس غزارة إنتاجه الفكري فحسب، وإنما ذلك الاتزان الذي يطبع شخصيته، والهدوء الذي يميز حضوره، والقدرة الفائقة على الجمع بين صلابة الموقف، ورقي الخطاب، وسعة المعرفة، وتواضع العالم الحقيقي. فهو كبير العقل، واسع الأفق، رزين الطبع، مثقل بهموم المعرفة، ومهجوس بقضايا الوطن الكبرى، حتى لتبدو سيرته انعكاسًا لصورة اليمن الواحد، وتبدو ثقافته تجسيدًا لهوية اليمن الجامعة، بينما يعكس فكره إيمانًا راسخًا بثقافة السلم، والتعدد، والتعايش، والدولة الوطنية الحديثة.

وليس من المبالغة القول إن الأستاذ عبدالباري يمثل اليوم واحدًا من آخر أعمدة الجيل المؤسس للحركة الثقافية اليمنية الحديثة، وامتدادًا طبيعيًا لمدرسة الرواد الكبار الذين أنجبتهم اليمن، أمثال عبدالله البردوني، وعبدالعزيز المقالح، وأبو بكر السقاف، وجار الله عمر، وأحمد محمد نعمان، وعبدالله عبدالوهاب نعمان، وعمر الجاوي وغيرهم من أعلام الفكر والثقافة.

عرفته أولًا من خلال كتاباته الفكرية والثقافية والسياسية، قبل أن ألتقيه شخصيًا. فشدتني لغته الرصينة، ومنهجه العقلاني، وأسلوبه الهادئ، ورؤيته العميقة التي تجعل من المقالة مساحة للتفكير لا ساحة للخصومة، ومن الاختلاف وسيلة لإنتاج المعرفة لا سببًا للقطيعة.

ثم شاءت الظروف أن تجمعني به أكثر من مرة في مركز الدراسات والبحوث، ومؤسسة العفيف الثقافية، أثناء إعدادي لرسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه، كما حضرت له عددًا من الندوات والمحاضرات الفكرية. ولمست عن قرب ذلك التواضع الذي يزين العلماء، وذلك الهدوء الذي لا يفارق حديثه، فكنت أغبطه على رصانة طرحه، وغزارة معارفه، وسعة اطلاعه، وتأثرت كثيرًا بشخصيته، رغم أنه لم يكن يعرفني المعرفة التي كنت أعرفه بها من خلال سمعته الواسعة وكتاباته المؤثرة.

ولا أنسى لقاءً عابرًا جمعني به، وبرفقة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح، دار فيه نقاش حول دلالة تسمية صحيفة "صوت اليمن" التي أصدرها الأحرار اليمنيون. كنت أميل إلى أن اختيار الاسم كان استنهاضًا للهوية اليمنية التي شعر الأحرار أن الإمامة صادرتها أو همشتها، غير أن الأستاذ عبدالباري، والدكتور المقالح، قدما قراءة أكثر اتزانًا وعمقًا، انطلقت من حساسية المرحلة التي كانت تعيشها اليمن، ومن الحاجة إلى تجنب كل ما يمكن أن يوسع دائرة الانقسام أو يغذي التشظي الفكري والسياسي.

وفي ذلك اللقاء أيضًا، طرح الأستاذ عبدالباري رؤية لافتة حول إشكالية الدولة في الفكرين العربي والإسلامي، مفادها أن الأزمة لا تكمن فقط في احتكار الدولة داخل إطار فئوي ضيق، بل في تأصيل مشروعيتها على أساس العصبية القبلية، وهو طرح يعكس عمق قراءته للتاريخ السياسي العربي، وقدرته على النفاذ إلى جذور الإشكال، لا الاكتفاء بوصف مظاهره.

وخلال سنوات معرفتي به، لم أره يومًا منفعلًا في حوار فكري، ولا صاخبًا في نقاش سياسي، مهما بلغت حدته. بل ظل هادئًا، متزنًا، مؤدبًا مع الجميع، يستمع أكثر مما يتحدث، ويحاور أكثر مما يجادل، ليقدم نموذجًا نادرًا للمثقف الذي ينتصر للفكرة دون أن يخسر الإنسان.

ولعل هذه السمات لم تأت من فراغ، وإنما كانت ثمرة تكوين علمي وثقافي مبكر، جمع بين أصالة التعليم الديني التقليدي، وحداثة التعليم الأكاديمي، وبين معايشة التحولات السياسية الكبرى التي شهدها اليمن خلال العقود الماضية، فخرج من ذلك كله بعقل منفتح، وشخصية متوازنة، ورؤية تتجاوز الانغلاق الأيديولوجي إلى رحابة الفكر الإنساني.

أما منجزه الفكري، فقد توّج بعدد من المؤلفات التي تعكس اتساع اهتماماته وتنوع حقوله المعرفية، ومن أبرزها: "اليمن.. الإرث وأفق الحرية"، و"اليمن في عيون ناقدة"، و"فضاءات القول"، و"أنات ونبوءات في رسائل الأستاذ النعمان، و"الحصاد"، و"الأخضر الشغوف"، إلى جانب عشرات الدراسات والمقالات الفكرية والسياسية والأدبية التي نشرتها الصحف والمجلات اليمنية والعربية، وشكلت رصيدًا معرفيًا مهمًا في المكتبة اليمنية المعاصرة.

ولعل سر هذا الثراء الفكري يعود إلى طبيعة التكوين الذي نشأ فيه الأستاذ عبدالباري طاهر؛ فقد ولد في مدينة المراوعة عام 1941م، في أسرة عرفت بالعلم والفقه، وجمعت بين الاشتغال بالزراعة والانتماء إلى المدرسة العلمية التقليدية. وكان والده الشيخ محمد طاهر أول معلميه، فتلقى عنه حفظ القرآن الكريم، ودرس متن "الزُّبَد" في الفقه، و"ألفية ابن مالك"، وعددًا من المتون العلمية والأحاديث النبوية، في وقت كانت أسرته تمتلك مكتبة عامرة بكتب الفقه والتفسير والتاريخ وعلوم العربية والتصوف، الأمر الذي هيأ له منذ طفولته بيئة معرفية خصبة.

وبعد وفاة والده، واصل رحلته العلمية متنقلًا بين عدد من المدارس والهجر العلمية في تهامة، فدرس في المراوعة، والحديدة، وبيت الفقيه، وريمة، وبرع، وهي مراكز علمية ارتبطت بتراث مدرسة الأشاعرة في زبيد، قبل أن يتوسع في دراسة أمهات كتب الفقه وعلوم العربية، ويولي اهتمامًا خاصًا بالأدب العربي والتصوف، وهو ما انعكس لاحقًا في لغته الهادئة، ونزعته الإنسانية، ورؤيته الفكرية المنفتحة.

ومع بدايات التحولات السياسية في اليمن والعالم العربي، انخرط مبكرًا في العمل الوطني، فالتحق عام 1963 بالاتحاد الشعبي الديمقراطي، متأثرًا بأفكار الأستاذ عبدالله عبدالرزاق باذيب، ثم واصل حضوره في الأوساط اليسارية والفكرية، مدفوعًا بقناعته بأن اليمن، بما كانت تعيشه من تخلف وتعقيدات تاريخية، تحتاج إلى مشروع وطني تنويري يتجاوز الانقسامات الضيقة.

ولم يكن حضوره السياسي حضورًا حزبيًا تقليديًا، بقدر ما كان حضور المثقف الذي يقرأ الواقع بوعي، ويستشرف المستقبل بعقل ناقد. فقد أسهم في اللجان الثقافية التي تشكلت في صنعاء وتعز والحديدة وعدن، وامتدت إلى القاهرة وبغداد ودمشق وموسكو، وأسهم في النقاشات الفكرية التي مهدت لتأسيس حزب العمل والفلاحين، قبل أن يشارك في إعداد الدراسات الفكرية للمؤتمر العام الأول، للحزب الاشتراكي اليمني، الذي يعد أحد مؤسسيه، فضلًا عن العديد من الدراسات المتعلقة بالأحزاب السياسية والثورة اليمنية في السادس والعشرين من سبتمبر.

وهكذا تبلورت شخصية عبدالباري طاهر من روافد متعددة؛ تعليم ديني رصين، وثقافة عربية واسعة، ووعي سياسي مبكر، وتجربة صحفية ونقابية طويلة، وانفتاح دائم على الفكر الإنساني. لذلك لم يكن مجرد صحفي أو سياسي أو كاتب، بل أصبح مدرسة قائمة بذاتها، وعصارةً لتجربة يمنية ثرية، جمعت بين المعرفة والموقف، وبين الثقافة والعمل العام، وبين الحكمة والاتزان.

ولعل هذه السمات مجتمعة هي التي جعلت الأستاذ عبدالباري طاهر يحتل مكانته المستحقة في الذاكرة الثقافية اليمنية، بوصفه واحدًا من أبرز حراس الكلمة الحرة، وأحد أهم الأصوات التي دافعت عن قيم الحرية، والدولة الوطنية، والتعدد، والتعايش، وظل، على امتداد مسيرته، مثالًا للمثقف الذي لم تغره السلطة، ولم تستدرجه الخصومة، بل بقي وفيًا للكلمة المسؤولة، وللوطن الذي آمن به، وحمل قضاياه في فكره وقلمه، حتى غدا بحق أحد أعمدة الثقافة اليمنية المعاصرة.