عمر الجاوي الحالم الواقعي
عمر الجاوي كان شخص ظريف، ولاذع في تعليقاته ويجمع بين الكاتب السياسي والاديب، ويحمل أحلام اليساري وعناده، ولا شك ان تجربته الطويلة في النظامين شمالا وجنوبا بما في ذلك العهد الامامي قبل ثورة 26 سبتمبر في الشمال او الاستقلال في الجنوب اعطته ثراء في الثقافة والمعرفة بالاحوال والاشخاص وصار لديه قدره على التقييم ومعرفة طبيعة الشخص الذي امامه، وبعد ان دخلت قائمته وصرت معروفا لديه، أطلق نحوي تقييم وحكم مضمونه " أنت يا جمال مكانك عندنا في التجمع الوحدوي اليمني، وليس عند الناصريين، مكانك عندهم غلط" في فترة لاحقة قال لي علي حسن الحريبي، رحمة الله عليه، " أنت محظوظ يا جمال، لديك دون غيرك وصية من عمر الجاوي لتكون عضو في التجمع الوحدوي اليمني" يومها كان علي حسن الحربي- ابن اول ضحية في بداية الوحدة وهو الشهيد حسن الحريبي، رفيق عمر الجاوي الذي تلقى رصاص الغدر بدلا عنه- هو الصديق الاقرب لي وكان له الفضل في الاقتراب من عمر الجاوي ومعرفته عن قرب حتى وفاته.

ومن دائرة عمر الجاوي اقتربت من العديد من مثقفي اليسار المميزين، وتوليت في مراحل لاحقة مهمة الدفاع عنهم أمام القضاء بسبب ما نشروه في صحيفة " التجمع" الصادرة عن التجمع الوحدوي اليمني الذي يرأس عمر الجاوي أمانته العامة، وصحف أخرى مثل الثوري او الشورى.
بعد الحرب التي انتهت في 7/7/ 1994 والتي ٱلت الى هزيمة القوات الجنوبية وما اتبعها من اجراءات مست الحزب الاشتراكي اليمني وحملته نتيجة الهزيمة، بدأت سلطات المنتصرين المؤتمر والاصلاح بترتيب الامور في الدولة بما يناسب ايقاع انتصاراتهم، وفي المقابل نهضت القوى التي حسبت على الحزب الاشتراكي بلملمة اوضاعها وكونت مجلس تنسيق المعارضة وتكون من خمسة أحزاب هي الحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري وحزب البعث، وحزب الحق و التجمع الوحدوي اليمني، وكان لعمر الجاوي ود. عبدالقدوس المضواحي رئيس الدائرة السياسية للتنظيم الناصري دور كبير في خروج المجلس الى النور.
عند انتهاء حرب 1994 م اعلنت السلطة في صنعاء تشكيل لجنة للمصالحة ومعالجة آثار الحرب، واسندت المهمة لعمر الجاوي، الذي سارع لنفي علاقته باللحمة او قبوله بها، وعندما سنحت لي الفرصة لسؤاله بعدها عن سبب رفضه رغم ما يمكن ان يساعد به المتأثرين بالحرب، نظر لي وقال " أنت لا تعرف هذه السلطة وكيف تفكر، قبولي باللجنة كان سينظف اوساخهم ويحملني الاوساخ".
كنت أحد سكرتارية المجلس ممثلا عن التنظيم الناصري، وكانت هذه بداية خوض التجربة الحزبية من موقع عملي، وكانت هذه الفترة التي عرفت عمر الجاوي عن قرب، ومن المواقف التي تحضرني، النقاشات التي كانت تدور في اجتماعات المجلس، ومنها الاعلان الذي اصدرته اللجنة العليا لشئون الأحزاب ودعت التنظيمات والاحزاب السياسية لتقديم ملفاتها وفقا لقانون الأحزاب والتنظيمات السياسية، المنظم للتعددية السياسية، وطلبت اللجنة تقديم قوائم بالاعضاء المؤسسين بما لا يقل عن العضوية في عشر محافظات.يومها كان رأي عمر الجاوي رافض للاستجابة لطلب اللجنة، وأيده الآخرين وبالذات الحزب الاشتراكي اليمني الذي عانى من اجراءات السلطة ومصادرة امواله ومقراته وملاحقة أعضاءه، ولكن الهيئات القيادية للاحزاب في المجلس رأت أن التنظيم القانوني والدستوري مهم ووجوب تقديم الملفات بحسب طلب لجنة شؤون الأحزاب، بغض النظر عن الممارسات ضد الحزب الاشتراكي او غيره. ويومها قام التنظيم الناصري بتقديم قوائم اعضاءه وفقا القانون، ومثله أحزاب أخرى، وكانت مفاجأة لعمر الجاوي رآى فيها غدر غير مقبول، وعقد مجلس التنسيق اجتماع عاصف، كنت شاهدا عليه، وشاهدت الجاوي في قمة الانفعال، والعتب. كان يقول أن الأحزاب بهذا الشكل تسلم للمنتصرين في الحرب وتستجيب لإملاءاتها دون أي ضمانات تحمى الحياة الحزبية التعددية. لم تلقى وجهة نظر التجمع الوحدوي اليمني التي عبر عنها عمر الجاوي أي استجابة، وبدأت صحيفة الثورة والصحف الحزبية تنشر قوائم الاسماء وبقي التجمع الوحدوي اليمني وحيدا، لكن الجاوي أستمر في عضوية مجلس التنسيق، حتى وفاته عام 1997، وانتهت علاقة التجمع بمجلس التنسيق عندما بدأ العمل على توسيع المجلس وإنضمام التجمع اليمني للاصلاح في العام 2002.
لم يكن عمر الجاوي من النوع الذي لا يفهم الواقع ويخطئ في التقدير، ولكنه كان من النوع الذي يذهب وراء ما يرى انه الصواب والمفترض ان يكون، وهذا شأن أصحاب المواقف الصادقة، حيث لا تحركهم الرغبات والمصالح، وانما تقودهم القيم والمبادئ مهما كانت صعبة او بعيدة المنال.
