حركة ١٣ من يونيو ١٩٧٤
يصعب قراءة طبيعة حركة ١٣ من يونيو بدون قراءة الأوضاع العامة في ال ج ع. ي، وفي عموم اليمن. كان مآل الخامس من نوفمبر ١٩٦٧ تحويل ال ج ع. ي إلى مقاطعات؛ سنان في الحديدة، ومجاهد أبو شوارب في حجة، ويمتد نفوذ الشيخ عبدالله الأحمر إلى أكثر من محافظة كرئيس لمجلس الشورى، وكان نفوذ المشائخ في تعز وإب يضعف السلطة المركزية في صنعاء ويهمشها.
ونفوذ العربية السعودية فاعل لصالح كبار المشائخ وكبار الضباط، ومشائخ الضمان يجمعون بين الأختين: علاقات علنية حد التبعية مع السعودية، وعلاقات سرية مع العراق كبعثيين.
انكسار جيش الشمال في مواجهة الجنوب عام ١٩٧٢، التي دفعت بها السعودية وكبار المشائخ كانتقام وثأر قبلي ضد الجنوب بعد مقتل الغادر والهيال، وما يقرب من سبعين من المقاتلين ضد ال ج ع. ي، مثل هزيمة لقادة الحرب أتباع السعودية. وكان موقف القاضي عبدالرحمن الإرياني، رئيس الجمهورية، ضد الحرب، وبدأت السعودية تدفع للانقلابات ضد القاضي الإرياني.

وهو ما تكشفه مذكرات كبار الضباط، والعميد حسين المسوري رئيس الأركان، والعميد محمد عبدالله الإرياني القائد العام للقوات المسلحة. وكان العقيد إبراهيم محمد الحمدي قائد قوات الاحتياط، نائب القائد العام، على صلة وثيقة بالرئيس الإرياني وناشطاً في لقاءات الضباط المعدين للانقلاب، ومنهم محمد عبدالله أبو لحوم قائد اللواء السادس مدرع، وعلي أبو لحوم قائد العاصفة. كان آل أبو لحوم هم الطرف الأقوى في المعادلة، ولكن العقيد إبراهيم الحمدي تغلب عليهم بذكائه المدهش، وبصلاته القوية مع القاضي عبدالرحمن الإرياني، وبتنسيقه مع السعودية كمستقبل، ونشاطه المدني الواسع في العمل التعاوني، ودعوته لمكافحة الفساد الإداري والمالي حينها، وصلات خفية بواسطة أخيه الشهيد عبدالله مع الرئيس سالم ربيع علي.

كانت السعودية حريصة على عدم استقرار اليمن، وعلى استمرار الصراع اليمني اليمني، وعدم انتصار طرف على طرف (صراع الضعف). وما يهم المشائخ وكبار الضباط الارتزاق والصعود. وربما مالت السعودية إلى تحجيم دور الشيوخ لصالح دولة عسكرية تقمع اليسار والحركة القومية في الشمال، وتحد من نفوذ النظام التقدمي في الجنوب، مستلهمة أنموذج عبدالعزيز آل سعود الذي حد من نفوذ زعماء العشائر (والإخوان الوهابيين)، وهو ما تشير إليه مذكرات الشيخ عبدالله الأحمر.
ربما شجع الهديان، الملحق العسكري السعودي صاحب النفوذ، هذا الاتجاه.
الشهيد إبراهيم الحمدي، قائد حركة ١٣ يونيو، حسبه ونسبه في المدنية والثقافة أكثر من انتسابه إلى الجيش أو القبيلة؛ فهو ابن القاضي محمد الحمدي المقرب للإمام أحمد، وقد ناب عن أبيه في القضاء، وتولى مسؤوليات مهمة في الجيش الحديث بعد الثورة، وشارك في أحداث أغسطس ضد اليسار.
وحقيقة الأمر، فإن سر نجاح الحمدي هو إدراكه خطورة هيمنة كبار المشائخ وكبار الضباط ذوي الولاء المزدوج السعودي العراقي على ال ج ع. ي، واستمرار عزل مناطق النفوذ القبلي عن جسد الدولة: مأرب، الجوف، صعدة، وحجة، وحتى محيط صنعاء القبلي، ومحاولات الاستيلاء على المحافظات.

دراساته القديمة، أصول الفقه والفرائض وعلاقاتها متينة بالرياضيات والمواريث والمساحات، ودراسته الاجتماع والأدب، ثم ممارسة أعمال القضاء.
العمل وكيلاً للداخلية، وجندياً في صفوف الثورة، وقائداً للمحور الغربي الشمالي، ثم قائداً للمنطقة المركزية، وسكرتيراً للقائد العام، وقائد قوات الاحتياط وقوات العاصفة، ونائباً لمجلس رئيس الوزراء في العام ١٩٧٣، أي عقب حرب ١٩٧٢ بين الشمال والجنوب. ارتبط صعوده بالانخراط في العمل المدني من خلال التعاونيات ودعوات الإصلاح المالي والإداري.
أنشأ هيئة تعاونية لتطوير المنطقة الغربية الشمالية، وكان رئيساً لها، وكرس نشاطه للعمل على مد التعاونيات إلى مختلف مناطق اليمن. صعوده المتسارع لم يكن مؤامرة أو تعبيراً عن ذكاء فحسب، وإنما مؤشر مهم لقراءته للواقع وأهمية التغيير، ورفع الشعارات الرئيسية الأكثر أهمية وإلحاحاً حينها واليوم.

بناء دولة عصرية حديثة، دولة للنظام والقانون، وسحب البساط من تحت أقدام المشائخ والنافذين في المدن، وتحجيم دور كبار الضباط الذين أزاحهم من مواقعهم وخفض رتبهم ورتبته أيضاً، وقوفاً بها عند رتبة (المقدم).
لدي كتابان مهمان؛ الأول للعزيز الأستاذ عبدالعزيز المنصوب عن حركة ١٣ من يونيو ودور الشهيد إبراهيم محمد الحمدي، والثاني للعزيز الصحفي القدير أنور العنسي (زمن إبراهيم). والكتابان جديران بالقراءة. وأثناء تفتيشي في أوراقي القديمة عثرت على افتتاحية كتبتها لمجلة اليمن الجديد، عدد سبتمبر ١٩٧٥، وأذكر أن الدكتور عبدالعزيز المقالح والأستاذ الكبير محمد عبدالله الفسيل قرآ العدد حينها في القاهرة، وجرى النقاش حول جوانب معينة في الافتتاحية.
