الإثنين 22 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • بين "المهجم" والقضاء.. قضية هشام الضبيبي تختبر حدود العرف القبلي في اليمن

بين "المهجم" والقضاء.. قضية هشام الضبيبي تختبر حدود العرف القبلي في اليمن

بين "المهجم" والقضاء.. قضية هشام الضبيبي تختبر حدود العرف القبلي في اليمن

عادت قضية مقتل المواطن هشام حميد علي الكيال "الضبيبي" وزوجته أسماء عبده محمد الضبيبي إلى صدارة الاهتمام الشعبي في اليمن، عقب وصول مجاميع قبلية من منطقة خولان إلى منزل أسرة الضحيتين في العاصمة صنعاء، في خطوة هدفت إلى طلب العفو وفتح باب التحكيم وفق الأعراف القبلية المتوارثة.

المشهد الذي حمل مظاهر قبلية تقليدية، من خلال ترديد الزوامل والأهازيج والتخييم أمام منزل أسرة الضبيبي، وهو ما يُعرف قبلياً بـ"المهجم"، إلى جانب تقديم رؤوس الأبقار وبنادق الهجر، جاء في وقت لا تزال فيه القضية منظورة أمام القضاء، وبعد أن تحولت إلى قضية رأي عام بسبب ملابسات الجريمة التي أثارت صدمة واسعة في المجتمع اليمني.

وتفيد أوراق القضية بأن هشام الضبيبي وزوجته قُتلا داخل سيارتهما في أحد شوارع العاصمة صنعاء نهاية العام الماضي، إثر تعرضهما لإطلاق نار من مسلحين، في واقعة كان طفلَا الضحيتين شاهدين عليها، الأمر الذي ضاعف من حالة الغضب والاستنكار الشعبي.

القتيل وزوجته وأطفاله
القتيل وزوجته وأطفاله

ووفقاً لقرار الاتهام الصادر عن النيابة العامة، وُجهت إلى ستة متهمين تهمة "القتل العمد بالتمالؤ"، وهم: محمد أحمد علي مجلي، ومطيع محمد أحمد مجلي، وأنور قائد علي محسن مجلي، وردمان علي أحمد مجلي، وأحمد محمد علي محسن الخضري، وعلي محمد علي محسن الخضري. وقد باشرت المحكمة المختصة إجراءات النظر في القضية بعد استكمال التحقيقات وإحالة المتهمين إليها.

المهجم القبلي.. عرف اجتماعي أم بديل عن العدالة؟

يُعد "المهجم" من الأعراف القبلية المعروفة في عدد من المناطق اليمنية، حيث تتوجه جماعة من أقارب المتهم أو أبناء منطقته إلى منزل أسرة القتيل للتخييم أمامه وطلب العفو، وإظهار الاستعداد لتحمل التبعات القبلية المترتبة على الواقعة، وقد يرتبط ذلك بتقديم ضمانات أو ديات وفق الأعراف السائدة.

ويرى مؤيدو هذه الأعراف أنها لعبت تاريخياً دوراً في احتواء النزاعات والحد من اتساع دائرة الثأر، وأنها تمثل جزءاً من النسيج الاجتماعي اليمني وآليات معالجة الخلافات في المجتمع.

في المقابل، يرى منتقدون أن الأعراف القبلية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتجاوز القضاء أو إغلاق قضايا الدماء بعيداً عن مؤسسات العدالة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجريمة قتل عمد منظورة أمام المحاكم، مؤكدين أن الصلح الاجتماعي لا يجب أن يكون بديلاً عن تطبيق القانون.

أسرة الضبيبي: متمسكون بالقضاء

وبحسب ما أُعلن، رفضت أسرة الضبيبي طلب العفو، وأكدت تمسكها بمسار القضاء، معتبرة أن القضية لا يمكن اختزالها في إطار قبلي، وأن ما حدث يمثل جريمة خطيرة بدأت، بحسب رواية الأسرة، بالترصد للضحية وإطلاق النار عليه أثناء وجوده في طريق عام داخل سيارته، وانتهت بمقتل زوجته أمام طفليها.

طفلا القتيل أثناء مطالبتهما بالقصاص
طفلا القتيل أثناء مطالبتهما بالقصاص

وترى الأسرة أن ما جرى يتجاوز حدود الخلافات العادية، وأن اللجوء إلى القضاء هو الطريق الذي اختارته منذ البداية، بعيداً عن تحويل القضية إلى ثأر أو مواجهة قبلية.

كما أثارت القضية موجة تضامن من أبناء محافظة ريمة وعدد من الناشطين، الذين اعتبروا أن لجوء الأسرة إلى القانون يعكس احتراماً لمؤسسات الدولة، وأن العدالة يجب أن تأخذ مجراها بعيداً عن الضغوط الاجتماعية أو الاعتبارات غير القانونية.

بين العرف القبلي والشرع والقانون

من الناحية الشرعية، فإن الأصل في جرائم القتل أن تُنظر أمام القضاء المختص، ولا يحق للأفراد أو الجماعات تنفيذ العقوبات أو أخذ الحقوق بأيديهم، لأن إقامة القصاص والعقوبات من اختصاص القضاء وولي الأمر بعد ثبوت الجريمة واستكمال الإجراءات القانونية.

كما شددت الشريعة الإسلامية على حرمة الدماء، قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، وجعلت القصاص وسيلة لتحقيق العدل وحفظ الأمن ومنع الفوضى، مع إتاحة باب العفو والصلح لأولياء الدم ضمن إطار منظم لا يؤدي إلى ضياع الحقوق.

أما القضاء اليمني، فيتعامل مع جرائم القتل باعتبارها من الجرائم الجسيمة التي تستوجب التحقيق والمحاكمة، ولا تكون الإدانة أو تحديد المسؤولية إلا عبر الجهات القضائية المختصة، وفقاً لما يثبت من أدلة وإجراءات قانونية.

هل كان "الخطأ في الهدف" مبرراً؟

أثار الحديث عن أن الجريمة وقعت نتيجة "خطأ في الهدف" جدلاً واسعاً، إذ يرى كثيرون أن الخطأ في تحديد الشخص المستهدف لا يلغي مسؤولية الفعل ولا يمحو آثار الجريمة، خصوصاً عندما يؤدي استخدام السلاح إلى إزهاق أرواح أشخاص آخرين.

فالقضية، وفق هذا الرأي، لا تتعلق فقط بمن كان المقصود بالفعل، بل بخطورة اللجوء إلى العنف المسلح وتعريض حياة المدنيين للخطر، وما خلفته الواقعة من مأساة إنسانية تمثلت في فقدان طفلين لوالديهما في لحظات واحدة.

اختبار حقيقي لمعنى القبيلة

تضع هذه القضية مفهوم القبيلة أمام سؤال جوهري: هل تكون القبيلة غطاءً لحماية المخطئ، أم سنداً لإقامة الحق وإنصاف المظلوم؟

فالقبيلة في جوهرها قامت على قيم النصرة والنجدة وحفظ الكرامة، ومن هذه القيم أيضاً رفض الظلم وصيانة الدماء. ولذلك يرى كثيرون أن قوة العرف لا تتجلى في تجاوز القانون، بل في دعم العدالة وتعزيز السلم الاجتماعي ومنع تكرار الجرائم.

التخييم امام منزل والد القتيل
التخييم امام منزل والد القتيل

وفي هذا السياق، كتب الشيخ منصور أبو الفضل منصور، أحد مشايخ ريمة والناشطين الحقوقيين، منتقداً محاولة نقل القضية إلى مسار قبلي، قائلاً إن جوهر المأساة لا يكمن فقط في وقوع القتل، بل في الظروف التي أحاطت بالجريمة، وفي أن الضحية وزوجته فقدا حياتهما أمام طفليهما، مؤكداً أن مثل هذه القضايا تتطلب تحقيق العدالة، لا الاكتفاء بالمظاهر القبلية أو المعالجات الاجتماعية.

القضية أكبر من تسوية اجتماعية

اليوم لا تقف قضية هشام الضبيبي وزوجته عند حدود أسرة فقدت اثنين من أفرادها، بل تحولت إلى قضية رأي عام تطرح أسئلة أوسع حول قيمة الإنسان، وحدود العرف، ودور القانون في حماية المجتمع وضمان الحقوق.

وبينما تستمر إجراءات التقاضي، يبقى المطلب الأساسي الذي يرفعه كثيرون هو أن تكون العدالة هي الفيصل، وألا تضيع دماء الضحايا بين ضغوط العادات ومتطلبات القانون.

فالصلح قيمة اجتماعية، والعفو فضيلة إنسانية ودينية، لكنهما لا يفقدان العدالة معناها، ولا يلغيان حق المجتمع في معرفة الحقيقة وتحقيق الإنصاف وفق الأطر القانونية والقضائية المعتمدة.