الثلاثاء 7 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الشـ ـ ـهيد الحاج سعيد علي الأصبحي رجل المقاولات.. في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (١-٣)

الشـ ـ ـهيد الحاج سعيد علي الأصبحي رجل المقاولات.. في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (١-٣)

الشـ ـ ـهيد الحاج سعيد علي الأصبحي رجل المقاولات.. في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (١-٣)

تحية تقدير واعتزاز

بصرف النظر عن الدوافع التي قادت المناضل ورجل الأعمال (المقاولات) الحاج سعيد علي الأصبحي لتدوين محطات من مسيرة حياته، فإن مجرد امتلاكه الشجاعة والقناعة لإصدار مذكراته المعنونة بـ"قصة يتيم في ذكريات 40 عامًا" يعد عملًا جميلًا وجديرًا بالاحترام الشديد. إنها مبادرة تجسد ثقافة تكاد تكون نادرة في عالمنا العربي؛ إذ تفتقر ساحاتنا المعرفية، والسياسية، والاقتصادية لتقليد كتابة المذكرات الشخصية. ومع غياب هذا السلوك لدى المفكرين، والسياسيين، ورجال المال والأعمال، يرحل الكثير من الرموز الذين أثروا حياتنا العامة دون أن يتركوا خلفهم أثرًا مدونًا يوثق شهاداتهم على العصر، ويضيء مسيرتهم للأجيال القادمة.

المذكرات كرافد للتاريخ الاجتماعي

إن كتابة السيرة الذاتية، على أي مستوى من الكتابة، ليست مجرد سرد شخصي، بل هي مساهمة حقيقية في تدوين التاريخ السياسي والاجتماعي من منظور صناعه وعايشيه. هي كتابة تميط اللثام عن تفاصيل إنسانية وحياتية دقيقة قد يغفل عنها المؤرخ الأكاديمي، لتصبح هذه المذكرات مادة وثائقية مساعدة تكشف عن خفايا الحياة والناس في الزمان والمكان.

وفي هذا السياق، تكتسب "قصة يتيم..." الموجزة والمكثفة للشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي أهمية خاصة؛ كونها تفتح نافذة غير مألوفة على تفاصيل حياة اليمنيين في المهجر السعودي. ورغم أن بعض تلك التفاصيل قد تبدو للقارئ العادي، غير المهتم بالكتابة التاريخية، بسيطة أو عابرة، إلا أنها في العمق تمثل خيوطًا أساسية تشكل النسيج السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي لليمنيين في مناطق هجرتهم، وتوضح طبيعة علاقتهم بذواتهم، وبناسهم، وبالآخرين في بلدان الاغتراب.

إن إدراك أهمية تدوين السيرة الذاتية يعكس وعيًا وثقافة حضارية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوعي حركة التاريخ.

سد الفجوة في الذاكرة الوطنية

لا يتشكل التاريخ الاجتماعي للشعوب من فراغ، بل تصنعه الكلمات والتدوين، وهنا تبرز المذكرات الشخصية كأحد أهم الروافد لتوثيق التحولات التاريخية والحضارية.

واليوم، نجد أن المذكرات القليلة التي تركها بعض الساسة والقادة العسكريين في اليمن قد تحولت إلى مراجع أساسية لا غنى عنها لفهم تاريخ البلاد السياسي والعسكري والوطني.

وفي المقابل، يبرز غياب التدوين كخسارة فادحة في مجالات أخرى؛ فمثلًا، يكاد "أدب السجون" في اليمن يكون منعدمًا بتفاصيله الإنسانية والاجتماعية، رغم أنه يرتبط بنخبة من أهل الفكر والرأي. وفي حين تعج المكتبات الغربية والعربية (والمصرية على وجه الخصوص) بمؤلفات تكشف الوجه البشع للتعذيب والقمع داخل السجون بتفاصيلها الصادمة، يظل هذا الجانب من تاريخنا السياسي والاجتماعي اليمني منسيًا؛ لأن الضحايا لم يدونوا فصول معاناتهم.

وهنا أقدم الشكر والتحية للأستاذ الفقيد أحمد عبدالرحمن المعلمي، الذي يكاد يكون الوحيد بين المثقفين الأحرار اليمنيين الذي قدم شهادة/ مذكرات جميلة، فكرية وسياسية واجتماعية، عن حال السجون في ظل الإمامة، من خلال كتاب "مذابح وأغلال: مذكرات من سجون حجة".

كما أوجه تحية إجلال وتقدير لروح الشهيد ورجل الأعمال (المقاول) الحاج سعيد علي الأصبحي على هذا المنجز.

ونأمل أن تكون خطوته المبكرة هذه تحفيزًا لرجال الأعمال، ودعوة ملهمة للجميع لفتح هذا الباب على مصراعيه، والمبادرة بتدوين سيرهم، إسهامًا في حفظ ذاكرتنا الوطنية وتاريخنا المشترك بمختلف أبعاده ومجالاته.

حول "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا"

وقع هذا المؤلف الصغير في حجمه والاستثنائي في قيمته التاريخية بين يديَّ في مرحلة مبكرة من العمر، وتحديدًا خلال سنوات دراستي في مرحلة الثانوية العامة. أتذكر جيدًا كيف جلبه والدي إلى المنزل، وكم كنت أرقبه وهو يقلب صفحاته بعناية واهتمام بين الحين والآخر. واليوم، وبعد مرور ما يزيد على نصف قرن من الزمان، يعود هذا الكتاب ليتصدر واجهة قراءاتي ثانية، ولكن هذه المرة من خلال إهداء كريم تلقيته من الأستاذ جميل حيدر الأصبحي.

قصة يتيم
قصة يتيم

ومن قبيل المصادفة البحتة التي تحمل في طياتها الكثير من الشجن، اكتشفت أن الأخ الأكبر للأستاذ جميل ليس سوى الصديق الراحل، والمثقف الموسوعي، والأستاذ القدير أحمد حيدر؛ ذلك الرجل الذي أعتبره بحق واحدًا من أجمل وأرقى الشخصيات التي تشرفت بمعرفتها في حياتي، لما كان يجمعه في شخصه النبيل من غزارة في الثقافة، وعمق في السياسة، وسمو في الأخلاق.

دلالة اللقب: لماذا "الحاج" وليس "الشيخ"؟

حين أشرع في الحديث عن هذا العَلَم البارز والإنسان الجسور، ورجل الأعمال والمقاول العصامي الحاج سعيد علي الأصبحي، صاحب كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا"، فإنني أتعمد بوعي كامل أن أستهل حديثي بوصفه بلقب "الحاج" بدلًا من لقب "الشيخ". يأتي هذا الاختيار بعد أن تعرضت مفردة "الشيخ" لابتذال شديد وتشويه دلالي في واقعنا المعاصر؛ إذ باتت تنصرف إما إلى صورة شيخ القبيلة المسلح والمحارب تحت لافتة "المجاهد"، أو إلى صورة شيخ الدين المسيس الذي يحول الفتاوى والشرع إلى أدوات لخدمة المصالح السياسية الحزبية الضيقة، أو إلى صورة "شيخ الأرض" شبه الإقطاعي، وهي صفات لم يكن الشهيد سعيد علي الأصبحي يمت إليها بصلة طوال حياته.

وفي هذا المسلك الصياغي، أقتفي أثر الأستاذ الكبير أحمد محمد نعمان في طريقته ووصفه لرفيق دربه وصديق عمره عبد الله عثمان، حيث كان يناديه دائمًا بـ"الحاج" ترفعًا عن لقب الشيخ. إن تسمية "الحاج" تحمل في الوجدان اليمني دلالات روحية وإنسانية عميقة؛ فهي تذكرك فورًا بزيارة بيت الله الحرام، وبالرجل الطيب، والمصلح الاجتماعي، برجل القلم والفكر والبناء لا برجل السيف والبطش. ومن هنا، فإن هذه التسمية هي الأليق والأكثر إنصافًا لمسيرة المناضل والشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي.

الأبعاد القومية والوطنية في وعي سعيد علي الأصبحي

أما الأمر الثاني الذي يستوقفني في قراءتي لهذه السيرة، فهو أنني سأبدأ تفكيك مضامينها من الخاتمة التي سطرها المؤلف بنفسه. لقد أشار في أواخر كتابه إلى مفارقة زمنية لافتة، حيث ربط بين شهر يوليو الذي شهد ميلاد ابنه الأكبر المهندس علي سعيد، وبين ذكرى العيد الثامن عشر لثورة 23 يوليو 1952م في مصر؛ هذه الثورة التي وصفها الأصبحي في قصته بـ"الثورة العربية الأم".

تكمن أهمية هذا الربط في كونه يثبت وعيًا تحرريًا وتقدميًا مغايرًا؛ فالمتعارف عليه أن الكثير من رموز المال والأعمال ورجال التجارة لا يميلون بطبعهم إلى الثورات التحررية، بل إن بعضهم يكن عداءً وموقفًا سلبيًا صريحًا لثورة 23 يوليو المصرية العظيمة لما أحدثته من تحولات اقتصادية واجتماعية.

غير أن الحاج سعيد علي الأصبحي يشذ عن هذه القاعدة السائدة ليعلن انحيازه التام لهذه الثورة بوصفها الثورة الأم.

ويتجلى هذا الوعي القومي والتحرري بشكل أكثر وضوحًا في الصفحة رقم 4 من الكتاب، حيث نلاحظ أنه حين يتحدث عن الوطن، فإنه يعمد فورًا إلى ربطه العضوي بمفهومي "الشعب" و"الأمة". فالوطن في قاموسه هو الشعب اليمني بكل تطلعاته وآلامه، والأمة هي الأمة العربية بأبعادها التاريخية والمصيرية. هذا التعبير الدقيق والمحكم لم يأتِ فلتة لسان أو من قبيل المصادفة الجزافية، بل هو انعكاس أصيل لبنية فكرية كامنة، ووعي قومي راسخ مستقر في أعماق عقل هذا الرجل، وهو في الحقيقة ملمح استثنائي بارز في تكوينه المعرفي لم أكن على دراية كاملة به قبل قراءتي المتعمقة لكتابه/ قصته.

الامتداد الإنساني والمعرفي في الأبناء

على الصعيد الإنساني، يجمعني تواصل مستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع ابنه الأكبر المهندس علي سعيد، وهو رجل خلوق، معطاء، ويمتلك خلفية معرفية وثقافية متميزة خاصة به، وأكاد أرى أنه استمد الكثير من ملامحها وجوهرها من روح والده الراحل، وتحديدًا في سمات البساطة، والتواضع الجم، والشغف الدائم بالمعرفة.

أما من عرفته عن قرب في بعض اللقاءات، وبشكل أكثر عمقًا، فهو ابنه الثاني عبد الرحمن. ولن أقول عنه الابن "الأصغر" تفاديًا للتقليل من شأنه، فهو رجل كبير وعملاق في فكره، وسلوكه الحياتي، وممارساته الإنسانية اليومية، والاثنين في سلوكهما الاجتماعي من أبناء الشعب في تواضعهما وبساطتهما، ولم تتح لي فرصة كافية للتعرف على ابنه الثالث عبد المولى، الذي قطعًا أن يشذ عن السياق. ومن يتأمل في شخصية الأبناء سيجد دليلًا قاطعًا على أنهم نهلوا وغرفوا من ذلك المعين القيمي الزاخر والعطاء الأخلاقي الذي لا ينضب، الذي تركه هذا الوالد الإنسان في قلوب أبنائه.

فاجعة الاستشهاد المبكر في "مجزرة الحجرية"

منذ سنوات طويلة، تختمر في داخلي رغبة جارفة ورسالة ملحة لتدوين قراءة تنصف الوالد الحاج سعيد علي الأصبحي، وتحديدًا منذ لحظة سماعي الصادمة لخبر استشهاده النبيل والمأساوي في تلك الحادثة الدموية المعروفة بـ "مجزرة الحجرية". تلك المجزرة التي أرى، من وجهة نظري التحليلية، أن الوصف الدقيق والتسمية التاريخية المصيبة لها هي أنها مثلت "أول عملية اغتيال سياسي جماعي ومنظم" يستهدف قادة ورموزًا يمثلون قطاعات اجتماعية واقتصادية ووجاهية واسعة لمختلف أبناء تعز والحجرية.

لقد كانت مجزرة غادرة التهمت نخبة من أعيان ووجهاء منطقة تعز والحجرية، وكان على رأس هؤلاء الضحايا والشهداء الحاج سعيد علي الأصبحي، والشيخ النبيل أحمد سيف الشرجبي.

وهو حدث جلل ومحطة مفصلية سأعود للتعليق عليها سريعًا وبإيجاز في خاتمة هذه القراءة التي أقدمها كتحية إجلال لهذا الإنسان الجميل والكبير.

ومما يلفت الانتباه في شخصية الإنسان سعيد علي الأصبحي تواضعه الفكري الشديد؛ إذ كان يصر دائمًا في تعريفه لنفسه على أنه مجرد "مستمع" وليس عالمًا أو متعلمًا، بالرغم من أنه في واقع الأمر أجاد القراءة والكتابة بطلاقة، وحفظ القرآن الكريم وختمه بالكامل في سن مبكرة. وفي ذلك العصر البائس، كان هذا المستوى الفكري والتعليمي يعتبر إنجازًا كبيرًا يؤهل صاحبه مباشرة لمواصلة التعليم الثانوي بل والجامعي، تمامًا كما حدث مع الكثير من أقرانه في تلك المرحلة والذين تحولوا لاحقًا إلى مهندسين، وأطباء، واقتصاديين، وأساتذة يشار إليهم بالبنان في مجالات تخصصهم العلمية.

الهجرة إلى عدن واكتشاف سجن "الإمامة" الكبير

يبدو أن الحاج سعيد علي الأصبحي قد حدد مسار حياته المهنية بدقة منذ البداية، ميممًا وجهه شطر قطاع البناء، والعمران، والمقاولات في مستهل حياته العملية، وهو ما وثقه بنفسه في كتيبه الصغير -مذكراته- حين قال بعباراته المؤثرة: "مكثت في عدن سنتين استطعت أن أتعلم خلالها الفن المعماري واستطعت أن أسدد الديون التي لحقت بي وبوالدتي قبل سفري، وكذا حاولت في أوقات الفراغ، وفي ذهني الكثير ووجدت نفسي غير الشخص الذي كان في القرية وبدأت أشعر بأن الشخص المواطن باليمن بكامله يعيش عيشة السجين يصبح ويمسي وهو لا يعرف إلا جدران سجنه".

في هذه المحطة التاريخية بالذات، ووفقًا لتقديري التحليلي، نجح الحاج سعيد علي الأصبحي في اكتشاف جوهر ذاته، وتجاوز وعيه الفردي، القروي، ليدرك حقيقة الوجع الجماعي؛ لقد وعى أن الشعب اليمني بأكمله كان يقبع في تلك الفترة داخل زنزانة كبرى وسجن مظلم ومحكم، يصبح الناس فيه ويمسون وهم لا يرون سوى الجدران الصماء لذلك السجن الكبير الذي كان يسمى "بلاد الإمامة".

وهذه اللحظة من الدهشة المصيرية، والسؤال الوجودي الصادم، هي ذاتها اللحظة المعرفية التي واجهت كل يمني غادر جحيم الحكم الإمامي متوجهًا صوب عدن، سواء من أعضاء البعثة العسكرية الأولى إلى العراق عام 1936م، أو البعثات الدراسية اللاحقة إلى لبنان ومصر، أو للهجرة إلى مناطق العالم المختلفة، طلبًا الرزق/ العمل.

لقد مثلت مدينة عدن في ذلك الوقت صدمة الوعي الأولى، والنافذة التي أبصروا من خلالها أنفسهم من جديد، حيث أعادوا تقييم واقعهم بمنظار ومعايير إنسانية وحضارية مغايرة تمامًا بمجرد أن وطئت أقدامهم ثرى تلك المدينة الحرة. وهذا هو جوهر ما أشار إليه بذكاء وإنصاف الحاج سعيد علي الأصبحي؛ ذلك اليتيم الذي عانى يتم الأب ويتم الوطن الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية الكريمة في النصف الأول من القرن العشرين.

ولم يكن الحاج سعيد في هذه التغريبة هو اليتيم بمفرده، بل إننا كنا –ولا نزال تاريخيًا– أمام شعب كامل ولد يتيمًا، فقيرًا، جائعًا، ومهاجرًا بلا وطن حقيقي يحميه، وبلا دولة ترعاه، يعيش في عزلة مطبقة وشبه كاملة عن حركة العالم الخارجي. ومن هنا، نفهم حجم الصدمة الحضارية والحداثية العنيفة المتمثلة في الانتقال المفاجئ من أجواء "القرن الثالث الهجري" -وفقًا للتوصيف الشهير للرحالة والمفكر أمين الريحاني- إلى فضاء القرن العشرين خارج أسوار مملكة الإمام.

الدراما الإنسانية ومأساة "الزواج المكره"

إن الفصل الأكثر إيلامًا وشجنًا في حكاية "قصة يتيم" يتبلور في مدى تعلقه الجارف بأمه، وطاعته المطلقة لها، والتي وصلت إلى حد قبوله بالتضحية بمشاعره والإقدام على الزواج مكرهًا من ابنة عمه. ورغم أن الأصبحي لم يستطرد في سرد التفاصيل الحياتية والإنسانية الدقيقة والمؤثرة لهذه التجربة الاجتماعية والإنسانية القاسية مقتفيًا عادات عصره في التحفظ، ومكتفيًا بعرض الخطوط العريضة لقضية الزواج بالإكراه ممن لا يهوى القلب، إلا أن هذه القصة بحد ذاتها تحمل بذور رواية أدبية إنسانية واجتماعية بالغة التعقيد والعمق.

وتكمن التراجيدية والمأساوية الساخرة في هذه الزيجة في الفارق العمري المذهل؛ إذ وجد هذا الشاب الصغير نفسه مقترنًا بامرأة تكبره بنصف عمره تقريبًا، فبينما كان هو في غضارة الصبا في سن الخامسة عشرة، كانت هي تكبره بخمسة عشر عامًا كاملة (أي في الثلاثين من عمرها)، وكل هذا الإكراه تم لمجرد امتثالها لصلة القرابة كونها ابنة عمه.

من هنا تذوق الشاب سعيد مرارة الألم الاجتماعي، ووجد نفسه في مواجهة إعصار عاصف وصعب، أو كما يعبر الشهيد المفكر عبد الفتاح إسماعيل في قصيدته الشهيرة المغناة "مخلاف صعيب". لقد كان الشاب الأصبحي يعيش بالفعل في "مخلاف اجتماعي إنساني صعب"، لكنه نجح في تحويل هذا الوجع الشخصي إلى درس وعبرة؛ فخرج بنصيحة ذهبية يقدمها لكل الآباء والأمهات بألا يجبروا أولادهم وبناتهم على الزواج بمن لا يرغبون، حيث صاغ هذه النصيحة في كتابه قائلًا: "نصيحتي للآباء والأمهات عدم إرغام بناتهم على الزواج المكره".

لقد ارتقى سعيد علي الأصبحي بتجربته المريرة من مجرد مشكلة فردية ليعالجها كقضية اجتماعية وإنسانية عامة، وهي المعضلة التي ما زلنا نتجرع مراراتها اليوم في حواضرنا وفي أريافنا اليمنية والعربية على حد سواء وبمستويات أكثر حدة. ولم يقف الشاب سعيد عند حدود تقديم النصح الوعظي، بل قرر تحطيم القيود والتقاليد العائلية الصارمة، فتمرد على خيارات القبيلة والقرية والأهل، وقرر السفر والمغامرة ليتزوج سرًا من خارج الأهل والقرية، من الفتاة التي اختارها قلبه وعقله، واضعًا المجتمع بأسره أمام خياره الإنساني والاجتماعي الحر، وهو موقف تربوي واجتماعي يعكس روحًا أبية، وإرادة مستقلة ومقاومة للقيم الاجتماعية المتخلفة.

عدن وتعز: جغرافيا العزلة والانفتاح

عقب ذلك، اتخذ الشاب سعيد علي الأصبحي قراره الحاسم بالهجرة والسفر صوب المملكة العربية السعودية رفقة مجموعة من شباب قريته. وهنا يسجل الكتاب ملحوظة جغرافية واجتماعية بالغة الأهمية تكشف طبيعة الخدمات والاتصال في ذلك العهد؛ إذ يذكر الأصبحي أنه وجد منطقة الحجرية بامتدادها الواسع، بما في ذلك مركز القضاء في "التربة"، تفتقر تمامًا لوجود استوديو تصوير واحد. بيد أن المفارقة في ذلك الزمن كانت المسافة التي تفصلهم عن مدينة تعز تستغرق ثلاثة أيام كاملة مشيًا على الأقدام، بينما كانت الرحلة إلى المستعمرة عدن تستغرق عشر ساعات فقط، ولذلك استنتج وقال: "فرأيت أن عدن أقرب من تعز حيث قطعت المسافة إليها في عشر ساعات".

هذه الملحوظة تؤكد بشكل قاطع مدى العزلة الجغرافية والاجتماعية والإنسانية التي كان يعيشها أبناء المنطقة الواحدة في شمال الوطن؛ حيث بدت مستعمرة عدن الخاضعة للحكم البريطاني أقرب وأسهل منالًا لليمني من مدينة تعز القريبة جغرافيًا، والتي تطلب الوصول إليها ثلاثة أيام من السير المضني. والأمر الأكثر غرابة ودلالة على التخلف التنموي هو أن مدينة تعز بأكملها لم يكن يوجد بها استوديو تصوير فوتوغرافي، بالرغم من أن أبرز وأهم مؤسسي استوديوهات التصوير في عدن كانوا تاريخيًا من أبناء تعز/ الحجرية، وعلى رأسهم الأستاذ أحمد عمر، والد السياسي والمناضل اليمني الكبير سلطان أحمد عمر.

التمسك بالهوية ورفض الجنسية السعودية

تضعنا السيرة أمام موقف وطني نبيل يعكس شموخ هذا الإنسان واعتزازه بهويته.

تخيلوا أن شابًا تجرع ويلات الحرمان والجهل في يمن الإمامة، وعاش في بيئة تخلو من أدنى مقومات التعليم الأساسي أو فرص العمل، واضطر لقطع غمار رحلة شاقة وطويلة مشيًا على الأقدام استمرت زهاء تسعة وأربعين يومًا بلياليها، نتيجة مصاعب المعاملات الإدارية/ البيروقراطية التي قابلته حتى يصل إلى مدينة جدة طلبًا للرزق؛ هذا الشاب نفسه، حين استقرت به الأحوال وفتحت له أبواب الثروة وصار قادرًا على نيل الجنسية السعودية بكل سهولة ومميزات، رفض هذا العرض بشكل قاطع وفضل التمسك بجنسيته اليمنية وهويته الوطنية بالرغم من كل الجراح.

هذا الموقف ليس مجرد خيار عابر، بل هو مؤشر سياسي واجتماعي واعٍ يعكس مدى ارتباطه العاطفي والوجداني والفكري بوطنه الأم، فبالرغم من أن حكام هذا الوطن حرموه من أبسط حقوق المواطنة كالتعليم والعمل، إلا أنه آثر الانتساب إليه، في وقت كان فيه الكثير من المهاجرين اليمنيين يسعون بكل السبل للحصول على الجنسية السعودية ويفتخرون بحملها.

محطة التحول: الشراكة مع محمد بن لادن وتخطيط الرياض

شهدت بداية عام ألف وثلاثمئة وواحد وسبعين هجرية (1371هـ) نقطة التحول الكبرى في مسيرة الأصبحي؛ حيث انتقل من مربع العامل الفني المعماري ورئيس مجموعات العمال الصغيرة إلى فضاء المقاولات الإنشائية الكبرى. هذا التحول التاريخي تم برعاية ودعم مباشر وبإشراف من المعلم والشيخ محمد بن لادن. ومن خلال هذه الشراكة الاستراتيجية مع بن لادن، فُتحت للأصبحي قنوات التواصل مع علية القوم في الدولة السعودية، وتعرف على الأمير فهد الفيصل (من الأسرة الحاكمة ورئيس بلدية الرياض آنذاك)، حيث تطورت هذه المعرفة السريعة إلى علاقة شخصية متينة ووثيقة.

وينقل لنا الحاج سعيد علي الأصبحي ملامح من تلك الفترة الحيوية في مذكراته/ قصته قائلًا: "كنا نلتقي أنا وإياه -يقصد الشيخ بن لادن- في شوارع الرياض فجر كل يوم والناس نيام وهو يشرف ويلاحظ أعمال الناس والخطوط العمرانية وتنظيف المدينة وأنا أشرف على أعمالي وعمالي، ولقد أعطاني جلالة الملك سعود رحمه الله سلطة مطلقة حتى كان بعض الأمراء يشكون فهد الفيصل إلى الملك يطلبون الحماية منه فيقول لهم -الملك- من سيحميني أنا منه؟

وبهذا التشجيع أمكن للرجل أن يخلق من الرياض عاصمة عظمى تضاهي في مبانيها وتخطيطها ورونقها كبرى عواصم العالم" (ص28-29).

هذه الشهادة التاريخية الموثقة في الصفحتين 28 و29 تكشف لنا بوضوح مدى عمق ونفوذ العلاقة الشخصية التي باتت تربط الحاج سعيد علي الأصبحي بمراكز صناعة القرار، لدرجة أتاحت له الاطلاع على بعض تفاصيل دقيقة وكواليس خاصة داخل بنية العائلة السعودية الحاكمة، وفهم طبيعة التوازنات، والتعارضات الذاتية، وحالات التنافس المستعرة بين أقطاب السلطة وأفراد الأسرة حول النفوذ والمشاريع والأعمال المعمارية.

إلى الحلقة الثانية