العم خليل المريش من أهل الله الصالحين
قبل قرابة 6 سنوات، رَحلَ عن دنيانا العم العزيز الإنسان النَّقي التَّقِي المهندس خليل المريش رحمة الله تغشاه.
والعم خليل جارنا الحبيب؛ وصديق الوالد. من الشَّخصِيَّات النَّادرة في هذا الزمن، لا تفارق صورته بنقائها ونبلها ذاكرتي.
فهو، وإن كان بمقام الوالد، إلا أنه استطاع بحكمته، أن يجذبني إليه، وكأنه كان يقول لي: إني أثق بك. وتدينك تدين طبيعي، بعيد عن التحزب أو التسييس، وأنا لا أخاف عليك من التشدد أو التعصب أو الكراهية.
فتقوت صلتي به، وبابنيه العزيزين: جبران، ونشوان، ومشير؛ ولا سيما نشوان. رَبَّى العم خليل أولاده، فأحسن تربيتهم؛ فكانوا كلهم بنين وبنات وأحفاد على نسق واحد من الأخلاق الحميدة، مع الالتفات لأعمالهم وأسرهم وأولادهم التي تأتي في مقام الأولوية.
وإن أنسَ؛ فَلا أنسَ ابنة أخيه الخالة الفاضلة جميلة المريش؛ وهي إنسانة فاضلة مكافحة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ وهي زوجة العم العزيز الأستاذ الشَّاعِر الناقد عبد الودود سيف.
ففي سني دراستي الأولى بالصف الخامس الابتدائي، بمدرسة شهداء السبعين، أجرى فصلنا الدراسي احتفالاً، وَطُلِبَ من الطَّلاب المشاركة فيه، فطلبت من الخالة جميلة أن تصنع لي تورتة، فصنعت لي تورته كبيرة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها تورتة بذلك الحجم والشكل البديع الرائع، فشاركت بها في احتفال الفصل.
كَمَا لا أنسى حديثها مع والدتي -حفظهما الله-، وقد سافرنا مَعًا في منتصف الثمانينات إلى الحديدة مع العم المرحوم محمد شعبين، وهي تحكي بحزن عن والدها، والدمع يَنِدُّ من عينيها، عن الحادث الذي وقع لأبيها، وهو يسوق ناقلة أو سيارة كان يعمل عليها، وتوفي إثر الحادث بعض الأشخاص، وتكبده لدِيات ومخاسير كثيرة، وهو شخص بسيط على قدر الحال.
ومن عجائب الاتفاق يومها أنَّ العم محمد شعبين، وهو يسوق بنا، وقد كنا قد وصلنا إلى بني سعد، غَفا غفوة بسيطة، فلم نشعر بأنفسنا، إلا وقد اصطدمت السَّيارة بالجبل، وصاح الأطفال والنساء، وسلم الله.
وكان ذلك في شهر رمضان، قَريبًا من الظهر؛ فخرج العم محمد يفحص السيارة التي تضررت من المقدمة، ومكثنا منتظرين لبعض الوقت، حتى مرت بقربنا سيارة، من الطريق المعاكس، وفيها أناس من أصدقاء الوالد والعم محمد من المراوعة؛ أذكر شخص منهم من آل النَّاشري، فتعاونوا معنا، وحملنا أغراضنا، وركبنا معه على سيارته إلى الحديدة.
أمَّا العم خليل، فمثال الوفاء والشهامة والمحبة للناس. ففي منتصف التسعينات تقريبًا، وأثناء عمارة الدور العلوي لمنزلنا، صعد الوالد للسطح وقت المغرب؛ فتعثر ببعض أدوات البناء وسقط للأسفل، وكنت حينها في المسجد لصلاة العشاء.
وَلمَّا عُدت للبيت، وجدت وفاء تصيح، وتحدثني وهي كالمجنونة، فقمنا بإسعاف الوالد من فورنا: أنا والوالدة ووفاء ويحيى ابن الجد شوعي عتيق، للمستشفى، وكان من ألطاف الله على الوالد فلم يصب بكبير أذى.
وفي اليوم التالي، كان العم خليل وابنه الأخ العزيز جبران -شفاه الله- قد بكرا إلى مستشفى الدكتور أحمد الحضراني، ومعهم وجبة الإفطار لنا مع ثلاجة الشَّاي الحليب.
وكان فيمن زار الوالد يومها الأستاذ المرحوم عبد العزيز عبد الغني- رئيس الوزراء.
كنت أزور العم خليل من حين لآخر؛ أيام الأعياد، و في نهاية العطلة الأسبوعية (يوم الجمعة)، أثناء جلسة المقيل مع أولاده وأقربائه، فكان يحدثني في بعض الزِّياَرات عن أيام تعرضه للاعتقال في سجون الأمن الوطني أيام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وتعرضه للتعذيب، حتى أثر ذلك على سلامة نطقه.
وكان مِمَّا حدثني به أنه حبس معهم تلك الأيام العم الأستاذ الأديب عبد الرحمن حسن الأهدل، وكان لم يسبق له التعرف عليه، قال: فارتبت منه من أن يكون مخبرًا وُضِعَ من قبل جهاز الأمن؛ ليستكنه أخبارنا، ويتجسس علينا، ثم إني تعرفت عليه بعد ذلك، وصار أحد أصدقائي.
كان العم خليل مِثَالاً للرحمة والاستقامة والقدوة الحسنة -رحمه الله-؛ وبعد اندلاع الحرب، كان يسألني بحزن وقلق عن أحوال الناس بتهامة، مع سوء الأوضاع التي تَمُرُّ بها البلد، وانقطاع الرواتب.
وَيَتصل بي، ويطلب مني زيارته؛ فإذا به يقدم لي ظرف فيه نقود، ومع رفضي وتحرجي يُصِرّ من جانبه حتى أقبل منه. ولم أكن أنا وحدي من يفعل معي ذلك، بل يفعله مع كثير من الناس.
كان العم خليل أبًا ومربيًا وإنسانًا بكل المعاني. فكان يعدني وَاحدًا من أبنائه: جبران، ونشوان، ومشير، أحضر مجالسهم، وتدور نقاشات، ويطلب مني أن أدلي برأيي، فأرسل نفسي على سجيتها بحضرتهم؛ لأني لم أكن لأشعر أبدًا بأني غريب عنهم على الإطلاق.
في آخر أيام العم خليل -رحمه الله- اتصل بي، فذهبت لزيارته، وشربت الشَّاي بالحليب، وجلس يحدثني وينصحني بنصائح غَالية، وكاشفني بأمور عن خَاصَّة نفسي، فعرفت أنه رجل صوفي صاحب سِرَّ مع الله.
وَلمَّا حانت صلاة المغرب، طلب مني أن أصلي به، فاعتذرت منه، وقلت له: لا يُؤَمنَّ الرجل في داره، ولا يؤمّ المرء مَنْ هُوَ أكبر منه، فقال لي: قد أذنت لك.
فَصلينا سويًّا. وَكَانَ ذلك آخر لقائي به؛ إذ مَرضَ بعدها، وَأسعِفَ إلى المستشفى، حتى فارق الحياة بتاريخ 18 نوفمبر 2020.
كتبت هذا؛ لأني ذكرت الأخ العزيز جبران خليل ابن العم الغالي خليل؛ فهو الآن يرقد للعلاج في الخارج، فأسأل الله أن يشفيه، ويرده سَالمًا معافى إلى أهله وأحبابه وأقربائه. آمين.. آمين.. آمين.
