لايك على قبر صديقي
ذات يوم تساءلت مع بعض الأصدقاء.. كم لبثنا دون أن نرى بعضنا وجهًا لوجه.. لا أحد تذكر المدة بالتحديد... فنحن نتحدث يوميًا ونضحك ونتسامر و"نحش"، لكن من خلف شاشات الهاتف وجروبات الواتس وصفحات مواقع التواصل.. أحدهم قال لي: أتدري؟ لقد مر على آخر لقاء لنا عشرون عامًا، رغم أنني أراه دومًا، لكن عبر تلك الصفحات التي جعلت المسافات بيننا قريبة جدًا.. لكنها في الوقت نفسه جعلت العلاقات الحقيقية أكثر بعدًا وغرابة.
أحيانًا أعرف أن رفيقي الآن "يحتسي" القهوة.. وأكل حبتَي بيض مع الأفوكادو.. وأن قطته نامت في ركن الكنبة ليلة أمس، وأن ابن "خالة جدة عمته" نجح في جامعة "السبع المدهش".. وأن زوجته أجادت عمل العصيد بدون "فراعص".. لكنني لا أعرف آخر مرة صافحته فيها بحرارة بعد فراق طويل.. لقد نجحت تلك المواقع في اختزال العلاقات الإنسانية إلى علاقة لا تحتاج إلى لقاء.. ولا وقت.. ولا شغف.. ولا حتى إلى مجهود.
من منا لم يحدث له هذا الموقف.. تتابع شخصًا منذ سنوات.. وترى صورته مرارًا، وتعرف تفاصيل حياته الدقيقة، ومقاطعه وهو يتمشى ويأكل ويضحك وصوره بكل مكان وتحدثه: منور يا صديقي.. إطلالة بهية.. أناقة رائعة.. صورة بديعة.. ثم إذا التقيتما في الشارع احتجتما لبضع دقائق لتتأكدا أنكما تعرفان بعضكما.. وأن سبقك بالتذكر، يسألك: كيف.. ما عرفتناش؟!
ذاك العالم الافتراضي جعل اللقاءات العائلية نشاطًا تراثيًا مهددًا بالانقراض... أعرف كل شيء عن عائلتي وإخوتي، لكن متى كانت آخر مرة سمعت فيها نبرة أصواتهم الحقيقية؟ أو ضحكنا معًا حتى دمعت أعيننا دون أن نضطر لإرسال علامات وجوه ضاحكه بغباء لا يعكس إحساس الأخوة ولمّة العائلة؟ فتلك المواقع التي اختزلت عائلاتنا في (جروب واتس آب) تشعرنا بأننا محاطون بالأسرة والأهل والأحباب... لكننا حينما نتلفت حولنا نجد أننا وحيدون أكثر من أي وقت مضى.
أحيانًا أشعر أن أعظم خدعة ارتكبتها هذه المواقع أنها أقنعتنا بأن رؤية صور الناس هي نفسها ملاقاتهم، وأن التفاعل (بلايك) هو نفسه المصافحة، وأن الضغط على زر (أحببته) يمكن أن يحل محل العناق.. نلوح لبعضنا من نوافذنا الإلكترونية.. ونقنع أنفسنا أننا أصدقاء العمر.. صار أحدنا يعرف أن ابن جاره في الفيسبوك نجح في الروضة.. لكنه لا يعلم أن جاره الحقيقي يمر بضائقة مالية أو أن أولاده ناموا جوعى.
حتى الشوق بسبب مواقع التواصل تعرض لخسائر فادحة.. كيف تشتاق إلى شخص شاهدت صوره صباحًا ومساءً و(قبل ومع وبعد) الأكل.. كيف تزور شخصًا دون أن تطرق باب بيته أو ترمي خفية حجرًا على نافذته، أو حتى تصنع له مقلبا عند زوجته، لكنك تستبدل كل ذلك الآن بزيارة صفحته الشخصية.. كيف يحن القلب إلى صديق يظهر لك كل عشر دقائق في الجروبات وصفحات التواصل.. أهذا هو الحنين العابر للبلدان والساكن في الهاتف؟ يا صديقي، أنا أحن إلى ضحكتك القديمة التي كانت تهز الجدران وتغسل قلبي من هموم الصحافة والبلاد.
مواقع التواصل هذه أوصلتنا إلى مرحلة عجيبة.. أصبحنا نعرف أدق تفاصيل حياة الناس.. ونجهل أهم ما فيها.. نعرف ماذا أكلوا.. ولا نعرف ماذا يقلقهم.. نرى ضحكاتهم ولا ندري عن حزنهم.. نشاهد أين سافروا.. ولا نعرف أين وصلت أحلامهم.. نتابع صورهم الجديدة.. ولا نلمي وجوههم الحقيقية.. هي بالفعل جعلتنا بقربهم.. لكنها جعلتنا فرادى بدونهم.
حتى المناسبات الاجتماعية تعرضت للمسخ الرقمي.. سابقًا.. كنا نقطع المسافات للمشاركة في الأفراح والأحزان.. أما الآن فهناك باقة كاملة من المشاعر الجاهزة والمعلبة.. قلب أحمر للفرح.. وجه حزين للعزاء.. رمز ضاحك للمزاح.. وجه بقلب كبير للقاء.. وصورة يد للوداع.. ودون أن ننتبه.. نشعر أننا قد قمنا بالواجب.
نحن لا نلتقي يا أصدقائي.. تلك المواقع وخوارزمياتها تمنع عنا دفء المصافحة.. ومتعة العناق.. وصوت الصديق الغاضب ومتعة الهمس بين حبيبين حقيقيين لا يحتاجان لضغط زر (أعجبني).. لقد فقدنا حميمية النظر للوجوه.. وإحساس المشاجرات العائلية.. وبحة أصوات الأمهات الحقيقية ودفء أحضانهن ودهشة لقائهن.. وصدى دعواتهن.
بيوتنا التي كانت تضج بصخب الضحكات العفوية وصوت الأواني ورائحة طعام الأمهات.. وتفسير نبرات صوت الأب.. تحولت اليوم إلى مجرد (خلفيات) ومقاطع (ريلز) وموائد مصورة.. حتى إننا أصبحنا نوثق "لمّة" العائلة والأصحاب ليعجب بها المتابعون.. بينما نسينا كيف نعيشها ونستمتع بها في الواقع.
حين تلتقي بصديق عمرك اليوم.. سرعان ما تكتشف أن علاقتكما الحقيقية توقفت قبل استخدام مواقع التواصل.. وباستماتة تحاولان نبش ركام الذاكرة.. تجلسان متقابلين وكأنكما في امتحان لاستعادة ضبط الروح.. تحاولان التقاط الخيط الذي انقطع دون أن يشعر به أحد.. تتوسلان للذكريات أن تعيد متعة الصداقة القديمة إلى الخدمة.. لكنها تكون عاجزة عن استعادة تلك الألفة العفوية، وتكتشفان في النهاية أن الصداقة مثل الحديقة.. لا يكفي النظر إليها من خلف شاشة الهاتف كي تبقى خضراء.
هل تعرفون يا أصدقائي.. لا شيء يوجع القلب أكثر من أن تستيقظ على خبر رحيل قريب أو صديق كنت قد ضغطت له (لايك) على منشوره بالأمس.. وتعتقد أنه قريب لأن حسابه (نشط الآن).. بينما هو يغرق في عزلته ومرضه.. واليوم نبكيه خلف شاشات صامتة وننعيه بمنشور (يشعر بالحزن)، ونستقبل العزاء في صالة مواقع التواصل.. والمعزون يضغطون زر (أحزنني)..
حينها فقط أشعر أن آلاف التعازي الافتراضية لا تعادل مصافحة واحدة صادقة.. أو حضنًا دافئًا.. أو دمعة تسقط من عينٍ حقيقية.
