بَعْضٌ مِنْ مَحَاسِنْ الْقَرْيَةِ! (2-2)
وخلال تواجدي بالقرية.. ظللتُ أتردد على نفس المكان الذي وُلدت فيه، وإن اندثر نفس المكان، لكن الموقع هو نفسه، لذا مازلتُ وسأظل أتذكره، كما أتذكر كل ما ظل وسيظل عالقًا في الوجدان والشعور، ومن ذلك تذكري لأقرب الأحياء والأموات عندي، أعني "أُمي" رحمها الله، بخاصة وأن "أبي" انتقل إلى رحمة الله، وعمر أكبرنا نحن الأشقاء قد لا يتجاوز السادسة من العمر، رحمه الله، وأن عوضنا الله بجد وأعمام رحمهم الله جميعًا إلى حدٍّ ما!

لذلك، ظلَّت "أمي" تشعرنا وأشقائي، بالدفء والأمن والأمان ونحن بين ذراعيها، ولايزال وسيظل صوتها يرن في أذني وهي ترشدنا وتوجهنا وتحرص على ظهورنا بظهور بعض أبناء الموسرين يومها، حتى ولو جاء ذلك على حساب قيامها ببيع بعض مقتنياتها، وهو ما حدث.. فيا لعظمة هذه "الأم".. كذلك لايزال صوتها كأني أسمعه الآن وهي فوق التنور أو ما يسمى "الموفى"، ليظل خبز "الموفى" هو المفضل الذي آكله بنهم، أكان ذلك عند تواجدي بالقرية، أو عندما يأتينا إلى المدينة من شقيقتي البقية الباقية من أهم الأحباب، أو من بعض الأقارب، وما أكثرهم، رغم أن طعم الخبز غير طعم خبز "أمي"، فاليد غير اليد، والعطاء غير العطاء، والحب غير الحب..
كذلك، ظللت وسأظل أتذكر "المعلامة" التي أصبح مكانها اليوم "مسجدًا"، وأنا أُشاهد المكان وأزوره، والذي تعلمت فيه حينما كان "معلامة"، أحرف الهجاء على يد سيدي الراحل عمي شقيق والدي -أبو يعقوب- عبدالله أحمد مهيوب الجُبيحي، طيب الله ثراه، والذي بقدر ما كان أستاذًا ومربيًا لي، بقدر ما كان كذلك لكل أقراني من أطفال القرية دون تمييز!
كما ظللت وسأظل أذكر زملاء الطفولة وعالمها البريء، ومن ذلك توحد فكرة محدودية العالم كل العالم الذي ينتهي حسب تصورنا يومها بانتهاء (عُزلتنا)! فيا لسذاجة وبراءة الأطفال!
والمسجد الذي أديت صلاة الجمعة فيه لأول مرة لايزال وسيظل هو الآخر بالذاكرة..
كما ذكرتُ وسأظل أتذكر حياة الطفولة بوجه عام، تلك الحياة البسيطة التي عاشها الآباء والأجداد والممتدة إلى أطفالهم بحلوها ومرها، وكنا رغم صعوبتها واللبس الخشن نتقبلها بكل قناعة وزهد ورضا دون تبرم، بل كنا نحمد الله عليها كثيرًا!
حتى نوعية "مشايخ وعقلاء الأمس" كانوا أسمى وأجل من "مشايخ وعقلاء اليوم"، بل كانوا رغم محدودية "الثقافة"، كبارًا في حياتهم العامة، وأمام بعض الاختلافات الطارئة، بخاصة فيما بينهم! وكانوا يُشاركون العامة الأفراح والأتراح بجانب قيامهم بإصلاح ذات البين، دون من ولا أذى!
إنها الفطرة السليمة المنطلقة من عز وكبرياء وشموخ العربي المسلم في كل زمان ومكان.
هكذا تظل المَشَاهد والمشاعر الخاصة بأيام الطفولة، وما مررنا بها في (حياة) الأمس في الذاكرة والوجدان والشعور..
فالمكان الأول وتحديدًا "مسقط الرأس" يظل عالقًا في الذهن، وعلاقة راسخة في الوجدان والشعور حتى الممات، وهي بجملها علاقة محبة وألفة يصعب بل يستحيل تكرار صفائها ونقائها وبراءتها اليوم! فلربما ينسى المرء بعضًا وربما معظم ما يمر بها من حياة ومهام بكل صخبها وأوجاعها وحلوها ومرها، لكن يستحيل عليه نسيان مكان الطفولة!
ثم، يظل أحدنا يتردد على مسقط رأسه بين آن وآخر، فيتذكر ما يطرأ على حياته وجسمه، بخاصة "المَشيب" الذي يظل يزداد في وجه ورأس وجسم أحدنا، ليعود إلى مسقط رأسه شابًا فشيبًا وكهلًا إن مد الله بعمره.. فيا للحسرة على تلك الأيام الجميلة وعلى أيام الطفولة والشباب!
وإن أنسى، فلن أنسي استمرار وجود بعض المنازل شبه القديمة، أمام كثرة المنازل الحديثة، والتي باتت تتوافر بها بجانب الضروريات التحسينات والكماليات، لكنها أو بالأحرى بعضها قد تفتقر إلى السعادة وراحة البال اللتين قد ينعم بهما أولئك العائشون بتلك المنازل شبه القديمة، بخاصة تلك الموجودة قريبًا من أحوال "الزراعة" وأمكنة "المياه"!
لقد وقفت مليًا أمام بعض تلك المنازل، ومشاهدتي لأهلها وهم كما لاحظت ينعمون بالسعادة وبالبساطة والهدوء والقناعة، فتذكرت حينها إحدى نصائح أمير الشعراء أحمد شوقي لأحد أُمراء مصر قبل قيام ثورتها، حينما قال:
"اتخذ سكناك في طلق الجواء
بين شمس ونبات وهواء
خيمة في البيد خير من قصور
تبخل الشمس عليها بالمرور!"
كما كان التواجد بالقرية فرصة جميلة للقاء ببعض الأعزاء والأقرباء ممن يعيشون بالغربة! أكانت خارج الوطن أو داخله! كحال بعض الأقرباء ومنهم شقيقتي وزوجها المحامي القريب إلى نفسي عرضًا وجوهرًا، وأبنائهما، والذين جاؤوا من صنعاء لزيارة الأرحام وحضور بعض المناسبات! فكم سُعدتُ برؤيتهم وجهًا لوجه بعد مفارقتي لهم منذ مغادرتي لصنعاء قبل أكثر من سبع سنوات، لاستحالة ذهابي إلى صنعاء لزيارتهم وزيارة بعض أهم الأقارب والأصدقاء والزملاء حاليًا، ولصعوبة زيارتهم هم إلى تعز بالذات! فلعنة الله على المليشيات (الحوثية) التي أوجدت انفصالًا على الأرض! أكان ذلك بسبب إغلاقها لمعظم مداخل المدن والمحافظات المحررة، أو حتى لوجود عُملة خاصة بها حتى ولو تحمل نفس الاسم أو لغير ذلك.. فيا لتعاسة اليمن واليمنيين، سائلًا الله صادقًا ألا يُميتنا، قبل عودتي إلى "صنعاء" العزيزة! فاتحًا، وأحسب أن ذلك قد يكون قريبًا بعون الله وتوفيقه!
أوقات جميلة بحق، قضيتها بالقرية، والتنعم ببعض العُزلة (مؤقتًا)، استثمارًا للعقل، أو ما تبقى منه؟! وتطلعًا إلى جني أفكار جديدة، وراحة لقلب كسرته صخور الحياة، ثم للتأمل، والتساؤُل مع الذات، والحيرة المصحوبة بالقهر عما بات عليه وطننا اليوم!
وإن افتقدتُ هذه المرة كما افتقد غيري أهم شخصية من نفس أبناء العزلة، ظلت تُشارك الناس الأفراح والأتراح، كونه كان قريبًا منهم، نظيف القلب واللسان، لم يحمل حقدًا ولا ضغينة لأحد، بل كان قاسمًا مشتركًا للجميع، كما أنه نذر نفسه وماله وجُهده من أجل ما ينفع أبناء العُزلة.. دُون مَن ولا أذى.. أعني الخالد الذكر أحمد عبدالله سعيد الذي انتقل إلى جوار ربه في 30 يناير الماضي -رحمه الله، وطيب الله ثراه- وسيظل حتمًا معنا بمآثره وأعماله التنموية التي تركها وراءه.
وجاء وقت الرحيل من القرية أو بالأحرى من العُزلة، والعودة إلى مدنية تعز، واختار السائق طريقًا ظلت سائدة في الماضي القريب؛ أعني طريق "عناقب"، وهو اسم إحدى قرى "البريهة"، والتي تبعد عن مدينة تعز 35 كيلومترًا.. وباستثناء خمسة كيلومترات من مسقط الرأس حتى "عناقب"، لاتزال بحاجة إلى المزيد من الإصلاح (والرص)، فإن ما عدا ذلك جيد. كما مررنا من خلالها على مناطق وقرى حَيّة بالناس، وخضراء، بينما الطريق الثانية، والتي تبعد ٥٥ كيلومترًا عن تعز، هي التي يفضلها غالبية السائقين وغيرهم، رغم بُعدها وزحمة المناطق التي يمرون عليها، وأتربتها... إلخ.. وحينما استفسرتُ من السائق عن أسباب تفضيل الأكثرية للطريق البعيدة والمزدحمة، كان رده، أن السبب، بخاصة بعد حدوث بعض الحوادث بالطريق القصيرة، هو الخوف الذي انتقل من واحد إلى آخر.. هكذا يصنع الخوف بالإنسان ما يصنع لمجرد تخوف غير مستساغ.. فتذكرت قول معشوقي "المتنبي":
«وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى
ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا»
فالخوف يظل كذلك طالما وقد رآه البعض خوفًا، وإن لم يكن كذلك! فحقيقة الخوف ما يخافه الإنسان حتى ولو خاف شيئًا غير مخوف، وكذلك ما ينطبق على الأمن.. فرضي الله عن حكيم الشعراء وأصدقهم قولًا وحكمة!
وبعد ساعة واحدة، وصلنا إلى أول نقطة عسكرية عند مدخل مدينة "تعز"، والتي ربما يكون المَعنِي بها أو بعضهم على حق، حرصًا على "المدينة" من بعض أبنائها حسب زعمهم! لكن المعاناة، التي عدنا إلى معايشتها داخل المدينة، تظل هاجسًا نفسيًا ليلًا ونهارًا، طالما وظروف الحياة العامة تقتضي التحرك لقضاء بعض الضروريات والبقاء بها.
وتأتي حركات "السير" و"الموتورات" التي يقترب عددها من عدد سكانها مدينة "تعز"، في مقدمة المعاناة دون القدرة، وربما عدم الرغبة لوضع حل لها، كما حدث في مأرب وعدن! إضافة إلى مئات بل آلاف المطبات الرسمية والتجارية والخاصة بمنازل مسؤولي "حكام" تعز! بجانب كثرة الحفريات والبسطات بمعظم شوارع تعز الرئيسية، ومشاهدة "الأطقم" العسكرية، والتي معظمها للاستعراضات الزائفة، مع افتعال غياب بعض أهم الخدمات ربما لهدف رفع الأسعار أو لغيرها أحيانًا. بجانب كثرة "المسلحين" في مختلف الشوارع.. من كان يُصدق أن تصبح البندقية في تعز عوضًا عن "القلم"، بخاصة مع عدم الاستخدام، وبعد تحرير جزء من "المدينة!".. إضافة إلى معاناة عديدة. أحسب أن بعض من باتوا يحكمون تعز عسكريين وأمنيين ومدنيين، ظلوا من بعد سكوت "الرصاص" ضد العدو، ولايزالون يحبذون بقاء "تعز" المدنية، أو بالأحرى القرية الكبيرة بكل ما ومن فيها، كما هي اليوم! وكما قلتُ في مقالة سابقة عن تعز، أن ما تبقى لدى بعض أبناء تعز من قيم وأخلاق هي التي باتت تحمي تعز، ولا شيء غيرها..!
ألتمس العذر مما ذكرته آنفًا عن تعز لولا أن الشيء بالشيء يذكر كما يُقال.. أعني مناسبة العودة إلى تعز من القرية أو بالأحرى من عزلة "بني بكاري" موضوع هذه "الدردشة"، والتي اجتهدت في ذكر بعض محاسنها في فحوى ما قمتُ بسرده عنها، ملتمسًا العذر من القارئ لهذه "الدردشة" من التطويل، رغم خلوها من "السياسة"، أو من بعض الكلمات والجمل شبه "الخشنة"، إلا قليلًا!
تعز، في 22/6/2026م
