الإثنين 22 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • من الذاكرة: مُذَكِّرَات المهندس محمد قايد القدمي

من الذاكرة: مُذَكِّرَات المهندس محمد قايد القدمي

من الذاكرة: مُذَكِّرَات المهندس محمد قايد القدمي

تقع المُذَكِّرَات الكبيرة نِسبيًّا في 740 صفحة بالقطع المتوسط. يَتَّسم السَّرد السَلِس بِالتَّداعِي، وَالغَوص في التَّفَاصِيل، وَتَفاصِيلَ التَّفاصِيل.

يُصَدِّر «مُذكِّراته»؛ سيرته العَطِرَة بالإهداء في الصَّدارة: «إلى كُلِّ من أكِنُّ لَهُم كُلَّ تَقديِر وَاحتِرَام وَمَحبَّة».

في الصفحة (4) يُورِد الاستِشهَاد بمقولة للأستاذ البَردُونِي: «المُؤثِّر الخَارجِي لا يُثمِر في المُتَلقِّي إلا إذا كَانَ لَهُ مَلكَة الاستجَابَة»، وَيُعلِّق عَلَيهَا.

تبدأ الرِّحلَة من «كُحلان عَفَّار». وَيرسِم صُورةً لقريته، ومنازلها، وأهلها، ولطفولته، وإعلان امرأة تحمل على رأسها صَفِيحَة ماء؛ تُحَدِّث رَفِيقَتَهَا عن موت الإمام.

ثُمَّ يأتي على ذِكر وُصُول طَلائع قُوَّات الثَّورة، وَمَعهُمْ أسلِحَتَهُمْ الحَديثَة، وَيَلبسونَ مَلابسَ النِّسَاء (السَّراويل)، كَمَا يَراهُمْ أهل القرية.

ويقرأ مُستوَى وَعي النَّاس حِينَهَا، ونظرتهم لِمَا يجري، وبداية الدِّعَاية ضِدَّ الثَّورة والمواجهة؛ وَبِالأخصّ بعد وُصُول النَّجدة القوميَّة المَصريَّة، والأخطاء المتكررة، ومساعدته، وزملاءه الطُّلاب في نَقلِ المُعَدَّات لِلنَّجدة القَومِيَّة، وبداية التَّعليم الحديث، وَمَا أحدثتهُ الثَّورة من وَعْي.

وَيَأتي على ذِكر رَائعة الشَّاعِر الكبير عبد الله البردوني:

أفَقَنا عَلى فَجرِ يَومٍ صَبِيْ..

والأناشيد الثَّورية، وهدايا مصر، وزيارة الزَّعِيم جمال عبد النَّاصر.

ويتناول التَّطورات التي قَامَت بها الثَّورة في تَشييد المَدارِس الحَديثَة، وتوفير الأساتذة، وَشَقِّ الطُّرُقَات، وتحديث الإدارة، وَالرِّعَاية الصِّحيَّة، وتحسين الأوضاع.

وَتَكُون البِداية الحقيقية: فِكرة السَّفَر لِلدِّرَاسة في تَعِز. وَيَسرد بذاكرة حَيَّة تَفاصيلَ الرِّحلَة إليها، وَوَصف كُلِّ مُشَاهَدَاته، وَمَتاعب الرَّحلة، وَالصُّعوبَات، وَأوَّل يوم دراسي في تَعِز، وَالعَام الدِّرَاسِي الجَديد، وَقَبلهَا احتفاء أخيه به، وَشِراء مَلابس جَديدَة له.

وَيُثنِي على الأساتذة، وَيَسرُد انتظامه في المَدرَسَة، ودور الأستاذ المصري، وحصوله على الشَّهادة الابتدائية، ومروره بالإعدادية.

ويتناول حرب أكتوبر بتتبع وَحِسّ قَومي رفيع، وإنصاف لأبطال مصر، ورئيس الأركان الفريق سَعْد الدِّين الشَّاذلي، وإدانته لموقف السَّادات.

وَيَدرس الخِلافَات الطُّلابية ذوي الاتجاهات السِّياسيَّة المُختَلفة، وَيُشَاهد طَالبًا يؤشر للأمن على بعض زملائه؛ وَقَد أصبحَ هذا «العين الأمنية» عُضْوًا في مجلس النُّواب عن حِزب الإصلاح، وخطيب «جامع دَارِس»، بالرَّوضَة.

ويدرس مَظاهرَ الحَيَاة في مدينة تعز خلال سِنِيّ دِرَاسته. ويأتي على كُلِّ مَظاهرَ الحَيَاة في المدينة التي كانت حينها تُسَمَّى «بيروت اليمن».

كما يقرأ الثَّقَافة وَالتَّوعية الدِّينيَّة فيها؛ مُتَناولاً المُؤسَّسَات، ودورها، وَالتَّعدديَّة السِّياسِيَّة.

وَيَتناول بِالنَّقد موقف الزِّنداني وجماعته من الحِزبِيَّة. ويشير إلى المِنَح الدِّراسيَّة، وضياع فُرصَة ترشيحه إلى فرنساَ.

كَمَا يتناول مَوقفَ مملكة النَّفط ضِدَّ اليمن، وسفره إلى القَاهرة؛ مُشِيدًا بكلية الهَندسَة التي التحق بها.

وَالطَّالب المُجِدّ المجتهد عَقلُهُ وَبَصَرُهُ مَفتوحَانِ على حَيَاتهِ العِلميَّة وَالعَمَليَّة؛ فهو لا بَهتَمّ بإتقان الدَّرس النَّظَري فَقَط، وَإنَّمَا ينزل إلى قَاع المُجتَمع، وَيُتَابِع تَفاصيلَ الحَيَاة الزَّاخِرة في مصر، ويحاول معرفة كُلَّ ما يقع بصره عليه أو يسمع عنه.

يَطوف بمدينة القاهرة- كمتطلع-؛ لاستكشاف أسرارها: الأحياء، الصَّحَافة، الإذاعة، التلفزيون، الثَّقافَة، المَسَاجد، الشَّوارع، المَطَاعِم، بَعضَ الشَّخصيات، السَّدّ العَالي، ومناطق عديدة في الرِّيف المصري.

ويؤرخ لسني دراسته الهندسية، وَحَديثًا عن أساتذته، وزملائه، وأصدقائه. وَيَسرد صِلاتَهُ بالحياة وَالنَّاس؛ كَواحد من أبناء مصر، والقاهرة تَحدِيدًا.

ويأخذ برأي أحد الأساتذة أنَّ المُهَندِّس قد لا يحتاج في حياته العملية أكثر من 5% من المعلومات التي يحصل إليها (عليها) في مراحل دراسته للهندسة.

لم يَتَغيَّب عن رِحْلات الأسَر الطُّلابية، وينغمس في النشَّاط الاجتماعي والثقافي؛ مَا أكسَبَهُ خِبرةً ومهارة؛ تبرزها الذَّاكرة المتيقظة.

يُدَوِّن تَجَارِبَ زُمَلائه، وَيَهتمَّ بقضاياهم. ويترسم عمله اليَومِي، وكيف يرتب عمله اليومي. ويقرأ القاهرة كمركز إشعاع ثقافي وعلمي وفني على مستوى الوطن العربي كُلِّه.

يفتح عينيه ليقرأ «الأخبار»، و«الأهرام»، و«الجمهورية». ويتناول بالقراءة: «الهِلال»، و«المصور»، و«آخر ساعة»، و«روز اليوسف»، و«صباح الخير».

ويدرس مرحلة التَّأسيس للصحافة المَصريَّة، والمؤسسين الشَّوَام: «آل نقلا»، و«زيدان» و«فاطمة اليوسف».

كَمَا يُتَابِع بِشَغَف البرامجَ الثَّقَافية والأدبية في الإذاعة، والتلفزيون، والمنتديات. ويتابع حوارات توفيق الحكيم مع شعراوي، وشكاوى بَعضِهِم لعبد الناصر مِنْ مقالات الحكيم في «الأهرام»، ودفاع هيكل عن الحكيم.

وَيُبدِي قَدرًا من الاهتمام بكأس العالم، وَالنَّشَاط الرِّياضِي في مصر. وَيُدَوِّن بِدِقَّة مَقتَل السَّادات، والأوضاع المصرية بعد اغتياله.

وَيَتناول قَضَايا السَّفَر، وقضايا المغترب اليمني، ودور مصر العربي والإفريقي. ويعود إلى موطنه (اليمن)؛ ليناقش الواقعَ الافتراضي بين تلاقي شباب الثورة اليمنية: سبتمبر 1962، وأكتوبر 1963.

ويقف طَويلاً إزاء مَجلَّة «وِجهَة نَطَر». فهو شديد الاهتمام بكتابات الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل.

وَيَدرُس قِصَّةَ الحَرب على أفغانستان، وَالتَّنسيق الأمريكي- المصري- السعودي، ودور بعض الدول العربية، وَالمَسَاجِد، وجماعة الزنداني، والإخوان المسلمين في إشعال الحَرب، وَمَا سُفِكَ من أموال النَّفط.

وَلِلفنّ في ذاكرة المُهَندِّس مَكان؛ فيتناول محمد عبد الوهاب، وأمّ كلثوم؛ كَمَا يقرأ رسام الكاريكاتور الشهير: صلاح جاهين؛ المُتعدِّد المَوَاهِب.

ويتناول القُرَّاء في مصر، وَيَمرُّ مُرورًا عَابرًا على الأحزاب السِّياسيَّة في اليمن، والبلاد العربية.

ويقف مُطَولاً إزَاءَ انحرافات السَّادات، وَتَدهوُر الأوضاع في مصر، وَتَتَبُّع هيكل لِعَمَالة بعض الحُكَّام العرب، وارتباط بعضهم بالمخابرات المركزية الأمريكية، وَاستِلامِهِم مُرتَّبَات.

وَيُدَوِّن علاقته بمجلة «العربي»، ومواضيعها، ورؤساء تحريرها. ويتناول الشَّاعِر الكبير عبد الله البردوني، وَجَانبًا من سيرة حياته وإبداعه.

وَيَنتقد مَوقف بعض الزعماء العرب من عبد النَّاصِر؛ مُوردًا قَصيدةَ نزار قباني:

قَتَلناكَ يَا آخرَ الأنبياء..

ويقرأ ثورات الربيع العربي مُتَسائِلاً: هل انتهت؟

وَيَتناول بَعضَ الشَّخصيات. ويقف إزاء فرقة الموسيقى العربية. ويأتي على بعض مُنجَزات الثَّورة اليمنية في مجال الطُّرُقات.

ويتناول «طبائع الاستبداد»؛ من خلال كتاب الكواكبي، والاستبداد في الوَاقِع، ومحنة ثُوَّار 1948 في اليمن، وَمَا تَعَرضُوا له من إعدامات.

ويتناول الثَّروَة في اليمن، وَطُرُقَ استغلالها. ويتساءل: كيف نبني دَولةَ النِّظَام والقانون؟

وَيَنتقد موقف مَشَايِخَ اليمن ضِدَّ الثورة، وَضَدَّ البِنَاء وَالتَّحدِيث. وَيُورد رِسَالةَ القاضِي عبد الرحمن الإرياني- رئيس الجمهورية، إلى إبراهيم الحمدي- رئيس مجلس القيادة؛ يُحَذِّرُهُ من «الحَاجِز المُكَهرَب»؛ يقصد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.

وَيَتناول العَدل كَـ «فَريضَة غَائِبة»؛ بَدَلاً من الجِهَاد؛ شِعَار التَّيارات الإسلامية.

وفي سياق التَّداعيات يَعود مُجَدَّدًا لِقرَاءة الرَّبيع العَرَبي في مصر.

وَلِلمَسجِد حُضُور كبير في ذَاكِرة المهندس، كَذلكُم المَطَاعِم، وَالمَقَاهِي أيضًا. فهو يرتادها بِحُبّ، وَيَدوِّن ذِكرَياتِهِ فِيهَا.

وَيَتناول الأسواق في بعض مناطق اليمن، وَيُدَوِّن ذكرياته الرَّمَضَانية في تَعِز، والقاهرة، وَكُحْلان عَفَّار.

وَيَأتي على ذِكرِ الوحدة اليمنية في الـ 22 من مايو 1990؛ نَاقِدًا الأخطاء في التَّأسيس، والإجراءات، وَغِيابَ الرؤية.

وَيَتناول جَانبًا من تجربة الأستاذ أحمد محمد نعمان، وحياة صديقه المهندس أحمد عبد العزيز،

وينتقد القُصُور في إدارة الحمدي؛ مُرَكِّزًا على إلغاء الدُّستُور، وَحَلِّ مجلس الشُّورَى. وَالأمر بحاجة إلى نِقَاش.

وهو كثير العودة إلى مدينته المَحبُوبة تعز. وينتقد الإجراءات الثَّورية القَاسِية التي أقدَمَت عليها حكومة الاستقلال في الجنوب 1967. وَنَقدُهُ مُهِمّ.

وَلَم يَكُ مُوَفَّقًا في نِسبَة أولوية الكِفَاح المُسلَّح لمنظَّمَة التحرير التي لم تِقبَلْ بالكفاح المُسلَّح إلا في العام 1965؛ وبتدَخُّل مِن مَراكِزَ القُوَى المصريَّة، وقد ضَمَّت أعضاء من حزب «الشَّعب الاشتراكي»، و«الرَّابطة»، وَالسَّلاطين، وَالمَشَايخ؛ وَسُرْعَان ما انسحبت الرَّابطة؛ وَكَانَ الدَّاعِم الأساس الجَامعَة العَربِيَّة، وبعض القُوَى في الشَّمَال.

وَيَقرأ الحَيَاة العَامَّة في اليمن من عام 1970 إلى عام 1990، وَيورد بَعضًا مِمَّا وَردَ في مُذكِّرَات القاضي الإرياني.

وَيُبدِي تَعَاطُفًا نَبيلاً إزاء الرَّئِيس محمد مرسيِ وبعض رفاقه الإخوانيين، وإدانة التَّعذيب وَالقَسوَة اللاأخلاقية.

ولكن صُعُود الإخوان في مصر، وَالتَّحَالُف مع العسكر، وَالتَّفرُّد بِالسُّلطَة، وبعض الإجراءات؛ بِمَا فِيهَا رفض الاستفتاء على التَّعديلات الدُّستوريَّة قبل الانتخابات= كُلها تُدِين مَوقِفَ الإخوان، كَمَا تُدِين الاحتِكَام إلى العُنف؛ وَمَا حَدثَ في سِينَاء مُجَرَّم بِكُلِّ القِيَم وَالأعرَاف.

ويتناول اغتيال الزَّعيم الحَمْدِي، ورُبَيِّعْ، وَالغَشْمِي. وهو مغرم بزيارة مٌختَلف مَناطقَ اليمن؛ وَبِالأخصّ: «سُوقطرَا»، و«مَيُّونْ»، و«كَمَران». وَيُقَدِّم صُورَة زَاهِيَة عن هَذِهَ الجُزُر وثرواتها.

ويقرأ الإخوان من رُؤية الدُّكتور عبد الله النَّفيسي الذَّي كَانَ وَاحدًا مِنهُم، وَكَتبَ كِتابَهُ «الفِكر الحَرَكي للتَّيارات الإسلامية»، وَمَثَّلَ كِتابهُ أهمَّ نَقد إخواني للإخوان المسلمين؛ (ولا ينبؤك مِثلُ خَبير). الآية.

المهندس محمد قائد القدمي لم يُدَوِّن سِيرة حَياة؛ وَإنَّمَا انفتحت ذاكرته النَّابهة وَالمُدرِكَة لِتَفاصيلَ حَيَاته وحياة قريته كُحلان عَفَّار، وزمن طفولته، ورحلته إلى تعز.

وَدَوَّنَ بِحُبّ وصِدق حَيَاته في مدينته تعز المنفتحة على العَصر، وَالكِفَاح الوَطَني، وَرَصَدَ كُلَّ مَظاهرَ الحَيَاة التَّعليميَّة وَالثَّقافيَّة وَالعَمليَّة، وَارتَادَ شَوارعها، وَعَرفَ أحياءَهَا، وَصَلَّى في مساجدها، وكان من زُوَّار مَطَاعِمِهَا ومكتباتها. وَيَقينًا؛ فَإنَّ مَدينةَ تعز هي الأبُ الأدَبي وَالمَعرفي، والأمّ العَمَلي وَالحَيَاتِي.

هُنَاك قضايا خلافية يُمكِنُ مَنَاقَشَتهَا مع المُهَندِّس محمد قائد القدمي.