الجمعة 5 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الأستاذ أحمد جابر عفيف إنجازاتٌ وطنيةٌ، دون ضجيج

الأستاذ أحمد جابر عفيف إنجازاتٌ وطنيةٌ، دون ضجيج

كنا عشرة طلاب يمنيين، وصلنا إلى سوريا أواخر عام 1962م، لمواصلة دراساتنا في المرحلة الثانوية. ولم نكن قد أكملنا أسبوعنا الثاني في دمشق، عندما فوجئنا في صباح أحد الأيام بموظف الاستقبال في فندق الوليد، القريب من مدخل سوق الحميدية، يستدعينا إلى مكتبه. هبطنا إلى مكتبه، لنجد رجلين بملابس مدنية، تبين فيما بعد أن أحدهما ضابط أمن، والآخر سائق. طلب الضابط منا أن نحضر جوازات سفرنا ونذهب معهما. ولما سألناه إلى أين سيذهبان بنا، أجابنا السائق: "إلى فُندء أحسن من هاد". بدا لنا الأمر غريباً. إذ لم يُسمح لنا بأخذ حقائبنا ولا ترتيب الأمر مع صاحب الفندق، فيما يتعلق بالمبلغ الذي ندين به له، قبل الانتقال إلى فندق أحسن من فندقه.

أحمد جابر عفيف
أحمد جابر عفيف
ركبنا معهما سيارة جيب عسكرية صغيرة، حُشرنا في داخلها حشراً، وأقلتنا إلى مبنى جهاز الأمن، لا إلى فندق آخر. ولم تكن المسافة طويلة بين فندق الوليد ومبنى الأمن. فقد كان المبنى في شارع داخلي متفرع من ساحة المرجة القريبة من الفندق. وما أن ولجنا من باب المبنى حتى أرشدنا موظف أمني آخر، الى الفندق الذي سنقيم فيه. وهو عبارة عن غرفة معتمة رطبة، صغيرة الحجم، بدت وكأن مساحتها لا تتجاوز عشرة أمتار مربعة، تسمى (النَظَارة). وتعني غرفة التوقيف المؤقت للمتهمين، ريثما يُبت في أمرهم، إما بإحالتهم إلى النيابة العامة، أو بإطلاق سراحهم. كان في الغرفة نزيل واحد، قابلنا بابتسامة ذات معنى، متسائلاً، بعد أن حيانا بالتحية المعتادة: "أهلين شباب ... شو ... خير، شو صاير معكم؟" أجبناه بحيرة: "مش عارفين". وبدأ حوارنا معه، هو يسأل ونحن نجيب، ثم بدأنا نحن نسأل وهو يجيب. وفهمنا من خلال حوارنا معه أننا موقوفون في النظارة، ريثما يتم البت في أمرنا.
أخذت الصورة تتضح لنا شيئاً فشيئاً. نحن الآن في مبنى الأمن. سنبقى في هذه الغرفة حتى يُقرر مصيرنا. ولكن ما لم يكن واضحاً لنا هو الجريمة التي قد نكون ارتكبناها، دون أن ندري. أخذنا نستعرض شريط حياتنا وحركتنا واتصالاتنا، على مدى الأسبوعين المنصرمين، لعلنا نكتشف ما ارتكبناه من جرم، أدى إلى زجنا في تلك الغرفة الضيقة، التي ليس فيها سوى الجدران والأرض الإسمنتية والباب الحديدي وشباك صغير في أعلى أحد الجدران الأربعة، ينفذ من خلاله بصيص من الضوء، يعجز عن إضاءة كامل الغرفة وزواياها.
وتملكتنا الدهشة، فلم يكن هناك ما يدل على أننا قد أخطأنا بشيء في حق الدولة السورية أو المواطن السوري أو الأمة العربية والاسلامية أو السلم العالمي. أترى كان السبب وراء ذلك زيارتنا اليتيمة لمقر صحيفة البعث؟ ربما. فقد كانت الصحيفة تشن حملة ضد الانفصال، وتمثل جناح ميشيل عفلق في حزب البعث العربي الاشتراكي، المتشبث بالوحدة، رغم الأخطاء التي وقعت فيها بعض أجهزة دولة الوحدة. يقابله جناح أكرم الحوراني، الذي كان ينتقد تلك الأخطاء علناً، واستقال بسببها من منصبه (نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة)، وساند الانفصال بعد وقوعه.
سيطرت الحيرة علينا وأخرست ألسنتنا، بعد أن أنهينا حديثنا مع نزيل الغرفة الوحيد في ذلك الوقت. فانطوينا على أنفسنا صامتين نبحلق في بعضنا وفي الجدران، المليئة بالخربشات وبالعبارات المكتوبة بخطوط رديئة، من مثل: ذكرى فلان ـ هنا كان فلان ـ تحية لكم أيها القادمون إلى هنا.
مكثنا على هذا الحال ساعات خلناها دهراً. وأخيراً فتح أحد رجال الأمن الباب الحديدي الصدئ، محدثاً صريراً، لم نلحظه حينما دخلنا تلك الغرفة. إذ صرفت فرحة الانتقال إلى فندق أحسن من فندق الوليد أذهاننا عن الانتباه إلى كثير من التفاصيل والأصوات. فتح الرجل الباب وطلب منا، بصوت يخلو من اللطف، أن نتحرك إلى خارج الغرفة. فتحركنا وتحرك في داخلنا شيء من الوهم السابق. فقد نؤخذ إلى الفندق البديل فعلاً. وما تلك الاستضافة القصيرة في غرفة النظارة، إلا من قبيل الانتظار، ريثما يتم ترتيب موضوع الفندق الجديد.
سرنا وراء رجل الأمن، الذي قادنا إلى خارج المبنى، حيث كانت بانتظارنا سيارة الجيب العسكرية الصغيرة ذاتها، التي أقلتنا من فندق الوليد، وبجانبها ضابط أمن آخر مسلح، وعلى مقعد السواقة السائق نفسه، الذي أقلنا من فندق الوليد إلى مبنى الأمن. وتم حشرنا مجدداً في تلك السيارة، التي انطلقت مسرعة في اتجاه غير معلوم لنا. وتجرأ أحدنا فسأل رجلي الأمن، إلى أين سيأخذاننا. فاكتفى الضابط الجالس بجانب السائق بإجابة مقتضبة: "هلَّق تشوفوا". إجابة ضاعفت من قلقنا، وبدت كما لو أنها قد انطوت على نوع من التهديد والوعيد. لذنا بالصمت، متأسِّين بقوله تعالى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. وكلمة (هلَّق)، التي تلفظ بها رجل الأمن، هي اختصار لكلمتي (هذا الوقت). تُنطق هكذا في بعض المناطق السورية، وتنطق (هلَّا) في مناطق أخرى. وهي بمعنى (ذلحين) باللهجة اليمنية، أي هذا الحين.
لاحظنا أن كثافة المنازل على جانبي الطريق أخذت تخف شيئاً فشيئاً. ثم اختفت تماماً، وأصبحت دمشق كلها خلفنا. لم نكن نعرف حتى الاتجاهات الأصلية. لذا لم نستطع تبين إن كنا نتجه شرقاً أو غرباً، شمالاً أو جنوباً. وبعد وقت صعب علينا في تلك الحالة أن نقدره، توقفت السيارة أمام مبنى، لا تحيط به أي مباني، ولا أثر للحياة من حوله، ماعدا بعض السيارات الواقفة أمامه، وأناس يترجلون منها ويدخلون المبنى، وآخرون يخرجون من المبنى ويستقلون سياراتهم وينطلقون بها، بعضهم في الاتجاه الذي جئنا منه، وبعضهم الآخر في الاتجاه المعاكس. وقد عرفنا فيما بعد أن ذلك المبني هو مركز (جديده) الحدودي.
في داخل المبني قاعة واسعة، فيها جدار خشبي أشبه بالمنصة يجلس خلفه عدد من الضباط وأمامهم أرتال من البشر. أمرنا مرافقنا أن نقف وراء أحد الأرتال، وأخرج جوازاتنا من جيب سترته وسلمها لأحد الضباط، قائلاً له، بصوت مسموع: هؤلاء ثمانية طلاب مرحَّلون. لقد كنا فعلاً ثمانية طلاب، أما زميلانا الآخران فأحدهما، الزميل غازي علوان، كان قد ترك الفندق في الأيام الأولى لوصولنا وسكن مع طالبين، سبقانا منذ سنوات إلى سوريا، هما يحي على الإرياني وأحمد الحملي. والزميل الثاني، عبد الرحمن الشيباني، خرج من الفندق باكراً باتجاه مطعم (أبو ياسين)، لتناول وجبة الإفطار على الحساب (ديناً)، ثم عاد إلى الفندق بعد دقائق من رحيلنا منه. فأخبره موظف الاستقبال بأن رجال الأمن قد أخذونا إلى وزارة الداخلية. فانطلق من فوره إلى شقة الإرياني والحملي في حي المزرعة، ليخبرهما بما حدث. ولولا خروجه باكراً من الفندق في ذلك الصباح، لما عرف زملاؤنا اليمنيون بما حدث لنا، بتلك السرعة، ولما أخذت قصتنا تتفاعل في الوسط الطلابي والسياسي في دمشق في الساعات الأولى لترحيلنا.
زادت حيرتنا، ونحن في داخل المبنى المذكور (مركز جديدة الحدودي)، بعد أن فهمنا من عبارة ضابط الأمن، الذي أخذنا من دمشق، أننا قد طُردنا من سوريا. كان الموقف كله مبهماً بالنسبة لنا. ما الذي يدعو السلطات السورية لاتخاذ قرار بطردنا، دون أن نمارس نشاطاً سياسياً أو نرتكب جرماً جنائياً؟ إنه أمر ما يزال غامضاً حتى اليوم. ولا يمكن أن نفسره إلا تفسيراً مبنياً على التخمين، لا على اليقين.
بدأنا شيئاً فشيئاً نستوعب ما حدث: نحن الآن في المنفذ الحدودي إلى لبنان، مطرودين من سوريا. أما السبب فلم نعرفه، لا في تلك اللحظة ولا في السنوات التالية. وهذا ما أربكنا، عندما سألَنا الضابط المسؤول عن المركز الحدودي، وكان يحمل على كتفيه ثلاث نجمات على كل كتف، أي أن رتبته نقيب، حينما سألنا عن سبب ترحيلنا من سوريا. تولى البعض منا الإجابة على سؤاله بعبارات قصيرة. خلاصتها أننا لا نعرف. فنحن طلاب يمنيون لم يمض على وجودنا في دمشق سوى أسبوعين، وكنا ما نزال في الفندق، ننتظر إنهاء معاملات الالتحاق بالمدارس وصرف المساعدة المالية.
نظر الضابط إلينا بتعاطف، وبدا لنا من ملامح وجهه ومن عباراته أنه يشعر بالألم وبالخجل. وبعد أن عبر لنا عن أسفه لما حدث لنا، وجه كلامه إلينا بتأثر واضح: "لا تأخذوا فكرة سيئة عن إخوانكم السوريين. هذا بلدكم وهذا شعبكم. الحكام والأنظمة الحاكمة زائلون والشعب باقٍ". ثم التفت إلى أحد الجنود وناداه باسمه، فأقبل الجندي راكضاً، ووقف في وضع الاستعداد العسكري، ورفع يده محيياً قائده: "حاضر سيدي". التفت إلينا الضابط متسائلاً: "أكيد إنتو ما تغديتو؟" فأجبناه بصوت واحد: "ولا فطرنا". فوجه كلامه إلى الجندي، الذي كان ما يزال واقفاً في وضع الاستعداد: "عجل بسرعة، روح هات لإخوانك جبنة وطحينية وخبز وشاي". نفذ الجندي أمر رئيسه. وغاب لبعض الوقت ثم عاد ومعه جندي آخر يحملان صحناً كبيراً فيه كمية من الجبن والطحينية وكمية من الخبز وبراد كبير من الشاي وكاسات وزعاها علينا، قائلين: "صحة وعافية".
بعد أن امتلأت بطوننا وشربنا ما يكفينا من الشاي، التفتنا إلى الضابط الشهم وجنوده وكررنا جميعنا الشكر لهم. وبدأنا نشعر في كنفهم ببعض الاطمئنان. فهذا ضابط يتحدث عن الشعب والعروبة والحكام الزائلين، تحمل نبرة صوته عدم الرضى، ليس فقط عن المعاملة التي عوملنا بها، بل أيضاً عن سياسة حكومته، التي لا تعبر في رأيه عن طبيعة الشعب العربي السوري.
ونظراً لما بثته معاملة الضابط وجنوده في نفوسنا من اطمئنان، تجرأنا في الحديث معهم عن أهم مشكلة تواجهنا في تلك اللحظة، وهي أننا لا نملك نقوداً لدفع أجرة السيارة أو السيارات، التي ستنقلنا إلى بيروت. وعرضنا عليهم أن يشتروا منا ساعات اليد التي كنا نحملها. ثبَّت الضابط نظره في وجوهنا لبرهة، ثم أجاب على عرضنا: "خلوا ساعاتكم ... ما تبيعوها ... بِيدبرها ألله". ولأننا لم نفهم ما يعنيه، لذنا بالصمت. وانطوينا على أنفسنا في إحدى زوايا المركز. وبعد فترة قصيرة رأيناه قادماً من خارج المركز، يسرع الخطى نحونا، وهو يشير بيده إلينا، قائلاً: "يا الله يا شباب بدي اثنين منكم... راح يطلعوا مع واحد آدمي (أي طيِّب) ياخدهم معاه إلى بيروت". نظر كل منا إلى الآخر، متسائلين، من سيذهب؟ لم يسبق لأحد منا أن زار بيروت سوى عبد الدايم الحداد. فاستقر رأينا أن يكون هو أحد الإثنين اللذين سيسبقاننا إلى بيروت. وقد قرر عبد الدايم أن تكون نقطة تجمعنا في وسط المدينة، في ساحة البرج، عند تمثال رياض الصلح. وقد سميت تلك الساحة بساحة المدفع وساحة الشهداء وساحة البرج. ولكل اسم من أسمائها الثلاثة قصة، ليس مكانها هنا.
واصل ذلك الضابط السوري العروبي الهوى جهوده وحديثه مع أصحاب السيارات الخصوصية، وكأنه قد ترك كل مهامه فيما تبقى من ذلك اليوم وتلك الليلة، ليتفرغ للطلاب اليمنيين المرحلين دون سبب. ونجح في هذه المهمة أيما نجاح. فقد وجد من أصحاب السيارات الخصوصية من أحس بوضعنا البائس، وتطوع ليأخذ منا في سيارته العدد المسموح به.
تواصلت جهود الضابط وتناقص عددنا، حتى لم يبق سوى طالب واحد فقط. وكنت أنا ذلك الطالب. وكانت الساعة قد جاوزت العاشرة ليلاً، حينما انطلقت بي السيارة نحو بيروت، التي لم أكن قد عرفتها من قبل.
حاول صاحب السيارة أن يتوقف عند إحدى البقالات في الطريق إلى بيروت ليشتري لي بعض الطعام، فشكرته على كرمه وأكدت له أني لست جائعاً. وقطعنا الطريق في الحديث عن اليمن وثورة اليمن وحرب اليمن، والدراسة والمدارس، ولماذا لا نكمل دراستنا في اليمن، إلى غير ذلك من الموضوعات، التي أخذنا نتحدث عنها، تمضية للوقت بالكلام، بدلاً من الصمت.
"هاي بيروت" (أي هذه بيروت). نبهني صاحب السيارة، ونحن ندخل شوارع بيروت المضاءة. وأخيراً توقفت السيارة، والتفت صاحبها إليَّ قائلاً: "حمد لله ع السلامة"، وأشار بإصبعه إلى تمثال قريب من المكان الذي توقف فيه: "هُنيك تمثال رياض الصلح... هادوك رفئاتك آعدين... شايفهم؟". أجبته: "نعم... شكراً لك... وكثر الله خيرك". وترجلت من السيارة مهرولاً نحو الزملاء، الذين كانوا جالسين على قاعدة تمثال رياض الصلح متلاصقين، ينشدون شيئاً من الدفء في ذلك الليل الشتوي القارس.
لم أكد أحيي الزملاء حتى وقفوا وقفة واحدة، بعد أن اكتمل عددنا والتم شملنا من جديد، واتجهنا معاً مسرعين نحو الرصيف المقابل، حيث كانت لوحات الفنادق مضاءة. وولجنا مدخل أحدها. فاستقبلنا موظف الاستقبال. ولما شرحنا له وضعنا، لم يمانع من إسكاننا في بعض غرف الفندق، واحتفظ بجوازات سفرنا لديه.
لم نكن نحمل معنا حقائبنا، فقد بقيت في فندق الوليد بدمشق ولم يسمح لنا موظفو الأمن بالعودة إليه لأخذها قبل ترحيلنا. وهذا يعني أنه لم يكن بحوزتنا، عندما استلقينا على أسرّة الفندق في بيروت إلا ملابسنا التي على أجسادنا. فلا بجامات نوم ولا مناشف ولا أدوات حلاقة ولا فرشات ومعجون أسنان ولا حتى أمشطة للشعر. فالتف كل منا بالشرشف الملقى على سريره، ونمنا نوماً عميقاً، بعد يوم منهك طويل، لم تُمح تفاصيله من الذاكرة، رغم تعاقب السنين.
في صبيحة اليوم التالي صحونا مبكرين وسألنا موظف الاستقبال عن موقع السفارة اليمنية. فحاول أن يشرح لنا من أين نأخذ المواصلات العامة. لكننا لم نتركه ليكمل شرحه، وأبدينا له رغبتنا في أن نتمشى سيراً على الأقدام، لنتعرف على مدينة بيروت الجميلة. فاستغرب الأمر، لأن المسافة من ساحة البرج إلى مقر السفارة مسافة ليست قصيرة. لكنه استجاب لرغبتنا وشرح لنا شرحاً وافياً خط السير ونصحنا بأن نبقى دائماً على مسار قضبان خط التروماي، التي تمتد صاعدة من وسط المدينة عبر الشوارع الطويلة وتمر في الشارع نفسه الذي تقع فيه سفارتنا.
اتبعنا النصيحة وسرنا بمحاذاة خط التروماي الحديدي، نصعد معه وننعطف حين ينعطف، ونسأل المارة عن اسماء الشوارع التي نمر بها، حتى وصلنا إلى الشارع الذي تقع فيه السفارة، ولمحنا من بعيد العلم اليمني يرفرف في أعلى إحدى البنايات، فاتجهنا نحوه. وصعدنا إلى مكتب السفير. وفي مكتب السفير وجدنا القائم بالأعمال اليمني، الذي لم نكن نعرفه من قبل، ولكن معرفتي به توثقت فيما بعد في صنعاء، وهو الأستاذ أحمد جابر عفيف، رحمة الله تغشاه.
ما أن رآنا الأستاذ أحمد جابر عفيف، حتى علت وجهه أمارات الاستغراب. فقد كان منظرنا مفزعاً. شعورنا غير مسرحة وملابسنا متسخة وأمارات الإرهاق والإحباط ترتسم على وجوهنا، رغم أننا نمنا نوماً عميقاً. غير أن حالتنا النفسية وإحساسنا بالضياع والمسافة الطويلة التي قطعناها سيراً على الأقدام وعدم تناول الطعام بعد الوجبة التي قدمها لنا الضابط العروبي الشهم في المركز الحدودي، كل ذلك جعلنا نبدو في وضع مزرٍ يثير الشفقة.
عاملنا الأستاذ أحمد جابر معاملة فيها قدر كبير من الإشفاق والتعاطف والشهامة. فبعد أن شرحنا له وضعنا وظروف ترحيلنا وأننا لا نملك مالاً ولا نعرف ماذا نفعل، سألنا سؤالاً مباشراً، ينم عن شخصية عملية حازمة، تتمتع بقدر عال من المسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار دون تردد، سألَنا: "هل تريدون أن أرتب لكم الآن منحاً دراسية إلى العراق، أم تريدون أن أسفركم إلى اليمن؟". فعبر بعضنا عن رغبته في مواصلة الدراسة في العراق، وبعضنا الآخر عن رغبته في العودة إلى اليمن. وكنت ممن رغب في العودة إلى اليمن. إذ كان الإحساس بالألم والضيق مما حدث لنا دون سبب مفهوم، قد جعلني أكره السفر إلى أي بلد غير اليمن.
دوَّن أحمد جابر اسماءنا ورغبة كل واحد منا، واستدعى أحد موظفي السفارة، وكلفه بالذهاب إلى الفندق في وسط المدينة برسالة من السفارة، لإبلاغ إدارة الفندق بأن السفارة اليمنية ستتحمل أجرة إقامتنا فيه. وطلب منا أن نبقى فيه حتى يتم ترتيب سفرنا إلى العراق وإلى اليمن. وقبل أن نودع الأستاذ أحمد جابر، معربين له عن شكرنا وامتنانا لموقفه النبيل، سلَّمَنا مبلغاً من المال لندبر به أحوالنا مؤقتاً. لقد أدهشنا بموقفه النبيل، الذي لم نكن نحلم به ونحن نجر أقدامنا نحو مبنى السفارة اليمنية في بيروت.
وقد انتهى الأمر بوصول طالبين من دمشق إلى بيروت، في عصر ذلك اليوم، أحدهما يمني (محمد سعيد باكحيل)، والآخر تونسي (مأمون علوي)، مكلفين بإقناعنا بالعودة إلى دمشق، بعد التصعيد الذي قام به الاتحاد العام للطلاب، والضغط الذي مارسه بعضٌ من كبار السياسيين، وعلى رأسهم أكرم الحوراني، على الحكومة، ومطالبتهم بفتح تحقيق بالموضوع، ومعاقبة المسؤولين عن ترحلينا. وقد عدنا إلى دمشق بعد أن زرنا السفارة اليمنية مرة أخرى، لنودع الأستاذ أحمد جابر، ونعبر له عن امتناننا لموقفه الإنساني الذي لا يُنسى.
وتوثقت علاقتي بالأستاذ أحمد جابر عفيف فيما بعد في صنعاء، كما أشرت سابقاً، وزيراً للتربية والتعليم، ومؤسساً لجامعة صنعاء، بتمويل كامل من دولة الكويت. ثم رئيساً لبنك الإسكان، ومنشئاً للمدينة السكنية في حدة، المخصصة لمحدودي الدخل من موظفي الدولة. ثم مؤسساً، بعد تقاعده، لمؤسسته الثقافية المتميزة (مؤسسة العفيف الثقافية)، التي حفلت بالنشاطات الثقافية والمحاضرات الأسبوعية وكرمت الأدباء والكتاب والباحثين، وشجعت المواهب الشبابية، في مجالات الشعر والقصة والرسم وغيرها، ووزعت الجوائز على المبدعين من الشباب.
وقد شرفني الأستاذ أحمد بضمي إلى عضوية مجلس أمناء تلك المؤسسة، التي كان من أبرز إنجازاتها (الموسوعة اليمنية)، التي طُبعت في بيروت طبعتين، الأولى في مجلدين، والثانية في أربعة مجلدات كبيرة، على نفقة الأستاذ أحمد جابر عفيف نفسه، إضافة إلى العديد من الإصدارات المنتقاة، لباحثين وكتاب يمنيين. كان رحمه الله رجلاً وطنياً دون ضجيج، تمتع إلى جانب حسه الوطني بشخصية قوية، وبقدرة إدارية متميزة، مكنته من النجاح في كل مهمة كُلف بها. فترك بصماته الواضحة، في كل مرفق تولى مسؤوليته.
فحبذا لو خلَّدت جامعة صنعاء اسم مؤسسها الأستاذ أحمد جابر عفيف، بإطلاق اسمه على قاعة من قاعاتها الكبرى. وحبذا لو أن الدولة تكرِّمه، اعترافاً بما قدم من خدمات لليمن، وتشجيعاً لغيره على الاقتداء به، فتطلق اسمه على المدينة التي أنشأها للموظفين، محدودي الدخل، لتصبح (مدينة أحمد جابر السكنية) أو (مدينة العفيف السكنية)، بدلاً من اسمها الحالي (مدينة حدة السكنية)، الذي لا لون له ولا معنى. وحبذا لو حافظ ورثته على إرثه الثقافي، المتمثل بمؤسسة العفيف الثقافية، وطوروه. ليبقى الأستاذ أحمد جابر عفيف حاضراً في ذاكرة الأجيال اليمنية، من خلال أهم إنجازات حياته: جامعة صنعاء والمدينة السكنية ومؤسسة العفيف الثقافية.
ملاحظة:
هذه الصفحات استُلَّت من كتاب لم يُطبع بعد، ضمَّنتُه بعض الذكريات، وأنجزت مسودته بُعيد وفاة الأستاذ أحمد جابر عفيف عام 2010م، رحمة الله تغشاه، وجزاه خير الجزاء على كل ما قدمه لهذا الوطن، ولا سيما لجيل الشباب، الذي راهن عليه.