أجنحة الكفاءة في مواجهة عواصف الإقصاء: الكابتن روزا عبد الخالق نموذجاً

في رحلتي الأخيرة إلى مدينة سدني في أواخر العام 2019، وبعد غياب طويل أكل من عمري ما أكل، كان مسار الرحلة على متن الخطوط القطرية؛ في خط سير يربط إسطنبول بالدوحة ثم سدني. رحلة ماراثونية تستغرق أربعاً وعشرين ساعة، منها أربعة عشر ساعة متواصلة دون توقف بين الدوحة وسدني. في الغالب، يتم تشغيل طائرة "إيرباص A380" العملاقة ذات الطابقين، والتي يتجاوز استيعابها ثمانمائة راكب.
وبالرغم من حجمها المهول الذي يشبه قصراً طائراً، فهي تتربع على عرش أسرع طائرات الركاب في الخدمة، محلقة في كبد السماء على ارتفاع قياسي يصل إلى 43,000 قدم. وحين تبدأ عمليات صعود الركاب، تتدفق الحشود من خلال خمسة أبواب مختلفة موزعة على مستويين، في مشهد يوحي بضخامة هذه الآلة وصعوبة السيطرة عليها.
على متن تلك الطائرة، وأنا أعبر المحيط الهندي السحيق، لم تفارقني هواجس الرعب الوجودي؛ تلك الأسئلة التي ما انفككت تطحن عقلي: ما الذي سيحدث لو أصاب هذه القلعة الطائرة خلل مفاجئ؟ وأين سيكون مستقرنا في هذا المدى المائي اللامتناهي؟ ورغم تلك المطبات الهوائية المرعبة التي تخللت الرحلة وهزت أركان الطائرة، إلا أن الرحلة سارت بسلاسة واستثنائية مدهشة، في برهان ساطع على أن طاقم الملاحة كان ينتمي لفئة المحترفين الاستثنائيين الذين تروض بين أيديهم العواصف.
مع اقتراب عقارب الساعة من السادسة صباحاً، وعلى بعد عشرين دقيقة من مطار سدني، أُعلن عن الاستعداد للهبوط وربط الأحزمة. وفي التوقيت المحدد تماماً، هبطت الطائرة بطريقة سحرية، خيّل إليّ معها أن المدرج لم يكن خرسانة صلبة، بل وسادات من حرير! لا اهتزازات، لا صدمات عنيفة مما عهدناه في هبوط الطائرات العادية. ثوانٍ معدودات، وأكملت الطائرة تدحرجها الهادئ والمهيب على المدرج.
عند نهاية المدرج، وإثر دوران الطائرة نحو مبنى المطار، بدأت المفاجأة. انطلق صوت قبطان الطائرة شخصياً عبر المذياع يخاطب الركاب بإنجليزية نقية، واثقة، وساحرة:
"الكابتن عبد الجبار الأديمي، قائد الطائرة يتحدث إليكم..."
على الفور، سرت في جسدي قشعريرة بهجة غامرة، ومزيج لا يوصف من الاسترخاء والاعتزاز الوطني. ورغم أنني من صنف الرجال الصامتين الذين يلوذون بالهدوء، إلا أنني لم أتمالك نفسي هذه المرة؛ أطلقت العنان لصوتي الفخور مصفقاً ومصرحاً لمن حولي: "إنه من بلدي الأصلي.. إنه يمني!". تلا ذلك تصفيق حاد ومبهج من الركاب المحيطين بي، يشاركونني فرحتي ويصادقون على تميز الرحلة طيراناً وهبوطاً.
من المفارقات العجيبة والمؤلمة في آنٍ واحد، كانت رحلتي إلى القاهرة في أواخر العام 2024، بعد غياب دام سبع سنوات. كان المسار هذه المرة على متن الخطوط الجوية اليمنية (عدن - القاهرة). رحلة لا تستغرق سوى ثلاث ساعات، لكنني كنت مثخناً بهواجس رعب من نوع آخر؛ رعب صنعته الأنباء المتواترة التي ملأت الآفاق عن تدهور خدمات "اليمنية"، وسوء الصيانة، واستهتار المواعيد، لدرجة تزكم الأنوف وتميت في نفس المسافر أي إحساس بالأمان، بل وتدفعه لتلاوة الشهادتين قبل إقلاع أي رحلة.
تأخر انطلاق الطائرة من مطار عدن حتى وقت متأخر من بعد منتصف الليل، لرحلة كان مجدولة أصلاً في التاسعة صباحاً! أي بعد انتظار مرير وقاتل استمر ست عشرة ساعة كاملة. وحين صعدنا أخيراً، أعلنت مضيفة الطائرة بدء الرحلة، وأفصحت عن اسم قائد الطاقم: الكابتن روزا عبد الخالق. ويجد الإشارة هنا إلى أن هذه هي رحلتي الثانية مع روزا ككابتن، والخامسة بإدراج رحلتي معها حين كانت مساعدة. في تلك اللحظة، تنفست الصعداء. نعم، الأقدار بيد الله وحده، لكن الأسباب والمهارة من صنع البشر.
كان إقلاع الطائرة في غاية الروعة والتمكن، واتسمت الرحلة بهدوء تام وثبات عجيب، رغم المطبات الهوائية الكثيفة التي صاحبتنا كسمة معتادة للرحلات في فصل الشتاء. وعند الوصول، كان الهبوط مميزاً، ناعماً، واحترافياً إلى حدٍّ مذهل؛ هبوطٌ أعاد إلى ذاكرتي على الفور ذلك الهبوط الأسطوري للكابتن عبد الجبار الأديمي في سدني.
لقد أثبتت الكابتن روزا عبد الخالق أن التحليق معها تجربة استثنائية تفوق في جودتها ومستوى أمانها كل ما عهدناه على متن هذه الخطوط المتهالكة. بين يديها، تلاشت دهشة الإقلاع وهواجس الهبوط، لتحل محلها ثقة مطلقة في مهارة قائدة استطاعت بجدارتها أن تحفر اسمها بأحرف من نور كأول ربانة طيران يمنية تكسر القيود النمطية في اليمن والجزيرة العربية برمتها.
إن القرار المجحف والظالم بإيقاف الكابتن روزا عن العمل ليس سوى طعنة غادرة في خاصرة الكفاءة والمهنية. فبينما كان يُنتظر من شركة "اليمنية" أن ترفع لها القبعة تكريماً، وأن تقيم لها حفلاً لقرارها الحكيم والشجاع بالعودة بالطائرة بعد رصد خلل فني حرصاً على سلامة الأرواح—وهو القرار المسؤول الذي حال بفضل الله وتوفيقها بيننا وبين كارثة جوية محققة—نجد المؤسسة تقايض الأرواح بقرارات انتقامية عبثية! أي منطق أعوج وجاهل هذا الذي يُجرّم الحفاظ على السلامة، ويُعاقب القبطان على أداء واجبه الأخلاقي والمهني تجاه ركابه؟
لا يمكن قراءة هذا الإجراء التعسفي خارج إطار "الاستهداف الممنهج" والتمييز الصارخ. إن وراء هذا التوقيف ظلالاً قاتمة لعقلية إقصائية متحجرة، تتحسس من نجاح المرأة، وتنزعج غاية الانزعاج من كسرها للاحتكارات الذكورية العتيقة. يبدو أن هناك في غياهب تلك المؤسسة من لا يزال يؤمن، بعقلية "جندرمة" العصور المتخلفة، أن جدران البيت هي السقف الوحيد لطموح المرأة اليمنية، وأن وجود "روذا" بكامل كبريائها ومهارتها في قمرة القيادة يشكل إهانة لرجولتهم المزيفة وعقليتهم البالية.
ورغم محاولات الشوشرة والتضليل التي يمارسها البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتشكيك في صحة الخبر والدفاع عن الباطل، إلا أن قناعتي الراسخة بعدالة قضيتها هي دافعي الأول للكتابة، متمثلاً بالمثل الروسي الشهير: "В каждой шутке есть доля правды"
(في كل مزحة تكمن مساحة من الحقيقة).
إن تكريم هذه المرأة الشجاعة والدفاع عنها ليس مجرد تعاطف عابر، بل هو قضية مبدأ، ودفاع مستميت عن حقوق المرأة ومكانتها الرفيعة التي كرمتها بها السماء، وأراد خفافيش الظلام نزعها منها واستبدادها.
نرفض هذا القرار التعسفي بكل ما أوتينا من قوة واستنكار، ونعلن انحيازنا المطلق والتام للكابتن روزا عبد الخالق. إن المساس بهذه القامة المهنية ليس إلا دليلاً قاطعاً على ضيق أفق صُنّاع القرار، وتأكيداً صارخاً على أن المؤسسة باتت ساحة لتصفية الحسابات الضيقة، بدلاً من أن تكون واجهة للريادة، والتميز، والعدالة.
