الأحد 31 مايو 2026

وجع الموت والمنفى

مات الرئيس عبد ربه منصور هادي، ولم يكن الموت هو الخبر الأكثر إيلاماً، بل الطريقة التي غادر بها الرجل المشهد، وكأن سنوات طويلة من الرئاسة والحروب والخطابات والقرارات انتهت إلى صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى وقع التراب على قبرٍ بعيد.

مات الرجل الذي جلس يوماً على كرسي الجمهورية، ووقّع باسم اليمن، وخاطب العالم ممثلاً لدولةٍ كانت تتآكل من الداخل، ثم انتهى به المطاف غريباً عن أرضه، يوارى الثرى في منفى بعيد، وكأن القدر أراد أن يختصر حكاية اليمن كلها في جنازة.

لم يعد المشهد يتعلق بالرئيس هادي كشخص، بل بوطنٍ كامل فقد القدرة على احتضان أبنائه أحياءً وأمواتاً، وهناك في الرياض، أُغلقت الصفحة الأخيرة من حياة رئيس يمني سابق، بينما بقيت المسافة بين نعشه وتراب اليمن أطول من سنوات الحرب نفسها.

أما كان حقاً للرئيس الراحل أن يعود إلى قريته التي ولد فيها، ولا إلى عدن التي أعلنها عاصمة مؤقتة لرئاسته وحكومته وتفويضه، ولا إلى الأراضي التي حررها جنوده، ولا إلى صنعاء التي حكم منها ذات يوم؟ فأي وجع هذا؟ فحتى الموت، ذلك الحق الذي لا تمنعه الجيوش ولا الحدود ولا السياسة ولا رهبة الموت والفقدان، كل تلك الأوجاع بدت عاجزة عن إعادته إلى اليمن.

حين يُدفن رئيس دولة خارج بلاده، فإن الحكاية لا تكون حكاية أسرة اختارت مكان الدفن، ولا تفاصيل لوجستية عابرة، إنها لحظة موجعة تكشف حجم الانكسار الذي وصلت إليه الدولة واليمن، فالأوطان تحتفظ بقادتها في ذاكرتها وترابها، لكننا في وطن مكسور كاليمن يتبعثر أبناؤه بين المنافي والمقابر البعيدة.

أما كان أحرى بهذا الجثمان الرئاسي أن يعود إلى الأرض التي حكمها، وأن يشيعه الناس في أي مدينة يمنية، وأن يُسجى النعش بعلم الجمهورية بين أهله وناسه ووطنه وترابه؟

كم أوجعني منظر جنازته ودفنه بعيداً عن اليمن، وكأن مشهد الدولة والجمهورية انتهى في مكان آخر، وكأن اليمن التي عجزت طوال سنوات الحرب عن استعادة دولتنا المنهوبة في صنعاء والمفككة في بقية المناطق، قد عجزت حتى عن استعادة جثمان رئيسها ورمزيته وما تبقى من أمل لعودة الوطن.

في لحظات الرحيل تسقط الأقنعة، وتصبح الجنازات أصدق من الخطب والبيانات، وبدا في داخلي سؤال موجع أكثر من وجع الرحيل: لماذا بدا الطريق إلى اليمن أكثر رعباً من طريق المقبرة؟ هل أن السنوات الطويلة من الإقامة خارج الوطن صنعت فجوة هائلة بين اليمن ورجالاته، أم أن الداخل اليمني أصبح مكاناً مجهولاً بالنسبة لرموز البلد وأبنائه؟

لقد كشفت الجنازة البعيدة حقيقة مُرّة لنهاية رئيس تشبه المأساة اليمنية، إذ إن النهاية الرئاسية بدت شبيهة بالبداية: صمت طويل، وغموض طويل، وخسارات وطن أكثر طولاً، حيث رئيس وصل إلى السلطة في لحظة اضطراب، وغادر الدنيا في لحظة أكثر اضطراباً، وبين اللحظتين ضاعت بلاد بأكملها في متاهة الحرب والانقسام والتدخلات والصراعات.

رحل الرئيس هادي، وأُغلق قبره في المنفى البعيد، لكن الصورة التي ستبقى عالقة في ذاكرة اليمنيين ليست صورة رئيس سابق فحسب، بل صورة وطن أنهكته الحروب إلى الحد الذي أصبح فيه أبناؤه يموتون ويُدفنون بعيداً عنه.

فيا وجع الموت والمنافي.