الإثنين 8 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • سميرة محمد سنبل الدبلوماسية التي أحبها الجميع

سميرة محمد سنبل الدبلوماسية التي أحبها الجميع

في حياة الشعوب أشخاص يمرون في المناصب ويغادرون، وأشخاص آخرون يتركون أثرًا لا تمحوه السنوات، لأنهم بنوا مكانتهم في قلوب الناس قبل أن يبنوها في المؤسسات، وكانت سميرة محمد سنبل من هذا النوع النادر من الناس.

 سميرة محمد سنبل
سميرة محمد سنبل

تمثل سميرة محمد سنبل واحدة من أوائل النساء اليمنيات اللواتي شققن طريقهن في السلك الدبلوماسي ووزارة الخارجية اليمنية في زمن لم يكن حضور المرأة فيه أمرًا سهلًا أو مألوفًا، استطاعت بكفاءتها واجتهادها أن تثبت نفسها في العمل الدبلوماسي، وأن تعين في عدة دول، وما ميّزها حقًا لم يكن دورها ومنصبها ولا الموقع الوظيفي، بل تلك الروح الإنسانية التي حملتها معها أينما ذهبت.

سميرة محمد سنبل هي زوجة الدبلوماسي والسفير اليمني فضل باشا، الذي مثّل اليمن في عدد من دول العالم منذ عقدين، وعاشت حياة مليئة بالتنقل والمسؤوليات والعلاقات الدولية، ومع ذلك لم تفقد هذه الإنسانة أبدًا بساطتها وتواضعها وكرمها، ولم تتعامل مع الناس من موقع التعالي والنفوذ أو المكانة الاجتماعية، بل من موقع الإنسان الذي يرى في الآخرين إخوة وأصدقاء يستحقون المحبة والاحترام.

عرفها الجميع بابتسامتها الدائمة وقلبها المفتوح، كانت تستقبل الجميع بلا تمييز، وتمنح وقتها واهتمامها لكل من يقصدها، لم تكن تؤمن بالحواجز التي يصنعها المنصب، ولذلك ظلت قريبة من الناس مهما اتسعت دائرة معارفها وعلاقاتها.

بالنسبة لي أنا أمثل من أبناء شارع 21 في مدينة حدة السكنية التي تقطن فيها هذه السيدة النبيلة، لم تكن سميرة سنبل شخصية دبلوماسية أو زوجة سفير، بل كانت لنا "ماما سميرة". المرأة التي احتضنتنا بمحبتها، وشاركتنا أفراح الأعياد والمناسبات، وكانت تنادينا إلى موائدها كما تنادي أبناءها كنا نراها أمًا للجميع، تمنح الحنان دون حساب، وتزرع الفرح في نفوس الصغار قبل الكبار.

وكان أجمل ما فيها أنها لم تتغير رغم السنوات والأسفار والمناصب، بقيت المرأة اليمنية الأصيلة التي تحب الناس وتحب الحياة، كانت تزرع الخضروات في حديقة منزلها، وتذهب بنفسها إلى الأسواق الشعبية، وتحافظ على تفاصيل الحياة البسيطة والموروث الشعبي الذي تربت عليه. لم تنسَ جذورها يومًا، ولم تنفصل عن مجتمعها مهما حملتها الحياة إلى بلدان ومدن مختلفة.

لم يكن عطاؤها مقتصرًا على الأصدقاء أو الأقارب، فقد كانت تمد يدها لكل من يحتاج المساعدة، وتولي اهتمامًا خاصًا بالفئات البسيطة. عرفها عمال الحي والبلدية بكرمها وطيبة قلبها، وكانت تحرص على إعداد الطعام لهم ومشاركتهم تفاصيل يومهم، حتى الحيوانات الضالة من قطط وكلاب الشوارع كان لها نصيب من رحمتها واهتمامها، وكأنها كانت تؤمن أن الإنسانية لا تتجزأ.

امتلكت سميرة شبكة واسعة من العلاقات داخل اليمن وخارجها، ليس لأنها كانت دبلوماسية فقط، بل لأنها كانت صاحبة حضور إنساني استثنائي، ولهذا ظل الناس يتذكرونها أينما حلت، وظلت صداقاتها ممتدة عبر السنين والقارات، تجمع اليمنيين والعرب والأجانب حول شخصية واحدة عنوانها المحبة والصدق.

كان لقائي بها قبل عامين في رمضان لحظة استثنائية بالنسبة لي. شعرت حينها أن جزءًا من الوطن عاد إليّ بعد سنوات طويلة من الغربة، أعادت إلى ذاكرتي أيام الطفولة الجميلة، وذكريات شارع 21 الذي شكّل جزءًا من أجمل مراحل حياتنا. كانت تحمل في حضورها دفء اليمن الذي نفتقده، وحنين البيوت التي لا تغيب عن القلب مهما ابتعدنا عنها.

رحلت سميرة محمد سنبل بعد صراع قصير ومفاجئ مع المرض، لكن رحيلها ترك فراغًا كبيرًا لا يملؤه أحد، فراغًا في أسرتها، وفي محيطها الاجتماعي، وفي قلوب كل من عرفها عن قرب فبعض الناس يغادرون الحياة، لكن أثرهم يبقى حاضرًا في التفاصيل الصغيرة، في الذكريات، وفي الحكايات التي يرويها الناس عنهم بمحبة وامتنان.

كانت سميرة سنبل نموذجًا مشرفًا للمرأة اليمنية امرأة نجحت في العمل الدبلوماسي، وأسهمت في خدمة وطنها، لكنها قبل كل ذلك وبعده ظلت إنسانة متواضعة، واسعة القلب تؤمن بالعطاء والمحبة واحترام الجميع رحلت ومثلت فراغًا كبيرًا للجميع.

لهذا لن تُذكر فقط كواحدة من رائدات العمل الدبلوماسي اليمني، بل ستُذكر أيضًا كامرأة صنعت مكانتها الحقيقية في قلوب الناس، وهي المكانة التي لا يمنحها منصب ولا تسلبها الأيام.

رحم الله ماما سميرة محمد سنبل، وأسكن روحها الطمأنينة، ومازالت سيرتها الطيبة وذكراها الجميلة بصمة في قلوب كل من أحبها وعرفها.