شيء اسمه "اليمن"
في كل مناسبة للكائن اليمني في أراضي الشتات والمهجر والاغتراب واللجوء، سرعان ما ينسى أنه في بلاد أجنبية، وإذا بك تراه محتزمًا بالجنبية والشال والكوت والمعوز وبقية دولاب الملابس اليمنية. يرتدي الزي التقليدي كاملًا، ويخرج إلى الشارع بثقة جنرال عاد منتصرًا من معركة ذات الجنابي.
لا يمر عيد أو مناسبة لليمني في الخارج إلا وعمل بعضهم "نعثة" يمنية.. فالذي يرقص في الشارع العام كما حدث في القاهرة، والذي يريد التنقل في المواصلات العامة بالجنبية كما حدث في بريطانيا، أما أصحابنا في أمريكا فقد احتلوا مدنًا وأغلقوها على أزيائهم ومشاكلهم و"زنطهم" المتبادل.
اليمني لا يهاجر وحده، بل يهاجر معه قريته وقبيلته وذكرياته ومشاكله السياسية وخلافاته العائلية التي بدأت في السبعينيات ولم تنتهِ حتى الآن... حتى لو عاش دهورًا في بلاد الفرنجة، فسيظل قادرًا على معرفة آخر مشكلة حدثت في قريته النائية خلال خمس دقائق فقط.
المجتمعات الجديدة التي يهاجر إليها اليمني تطالبه بالاندماج، وأن يتحول إلى مواطن هادئ، يدفع الضرائب، ويفصل النفايات البلاستيكية عن الورقية، وبدلًا من ذلك تراه يندمج في أدق تفاصيل اليمن سياسيًا واقتصاديًا. ومهما حاول أن يكون سويسريًا أو ألمانيًا منضبطًا، تجده يضبط منبهه على توقيت "المشارعة" على شجرة "علب" مع ابن عمه في القرية.
ذات مرة سألتني ابنتي "ملاك" عن عمر صنعاء القديمة، ولم أجد نفسي إلا وقد بدأت بشرح تاريخ اليمن منذ سبأ وحمير ومعين وذي ريدان، والرسوليين وبني يعفر، مرورًا بالاحتلال البريطاني والإمامة البغيضة وثورتي سبتمبر وأكتوبر والوحدة وما تلاها من حروب، وصولًا إلى الخروج من صنعاء. وبعد ساعة كاملة من الشرح، قالت لي: يعني كم عمر صنعاء القديمة؟
اليمني لا يعيش في المهجر، بل ينقل في حقائبه اليمن ومسحقة البسباس الحجرية وأنواع الطحين وأوراق الخوعة وأقراص "الحلقة الحامض". يكون في أرقى المطاعم الأوروبية ويشتهي الفحسة وبطاط الحمر. أجسادنا في جنيف والقاهرة ولندن وواشنطن، وقلوبنا معلقة في سائلة صنعاء ورصيف التواهي وعقبة الجحملية.
قد يصبح اليمني في المهجر طبيبًا مشهورًا أو مهندسًا بارعًا، لكن قيمته الحقيقية يوم العيد وفي المناسبات تُقاس بمعرفته بطريقة ربط الشال على رأسه أو تضبيط المعوز إلى تحت الركبة، وفي عطره الثقيل الذي يستطيع وحده إخلاء محطة قطارات كاملة.
اليمني الذي كان يسكن في صنعاء أو عدن أو تعز أو صحراء مأرب أو في جبال ريمة، أصبح الآن يسكن في صور الهواتف، ومجموعات الواتساب، وفي أكياس البهارات القادمة من اليمن، وفي دمعة سريعة تسقط عندما يسمع أغنية قديمة.
المشكلة ليست أننا لا نستطيع نسيان اليمن، بل إن اليمن نفسه يرفض أن ينسانا. نحن لا نرتدي الزي اليمني لأننا نريد لفت الأنظار، بل نرتديه كوطن نحمله معنا خوفًا من أن يضيع.
لقد كتب الروائي اليمني محمد عبدالولي، قبل عشرات السنين، رواية "شيء اسمه الحنين"، تعبر عن حنين اليمني في ذلك الزمان إلى أرضه، ومازال حتى الآن. فمرض الحنين هو المرض الوحيد الذي لا يغطيه التأمين الصحي الأوروبي، ومع ذلك... لا أحد منا يريد الشفاء منه.
صحيح أننا حينما نرتدي أزياءنا التقليدية ننسى فجأة قوانين بلد المهجر ومخاوفه، إلا أننا، وبلا شعور، حينما نرتدي الزي التقليدي اليمني فكأننا نقول لأنفسنا وللعالم: نحن هنا... مازلنا نرتدي هويتنا لأننا لم نجد هوية أخرى تتسع لكل هذا الوجع.
