العرف القبلي في اليمن: شرعة مؤازرة أم بنية معيقة؟
لكل مجتمع أعرافه التي تنبثق من بيئته وتاريخه، فتغدو علامة فارقة في هويته، لكنها لم تكن يومًا قدرًا مغلقًا أو قانونًا أبديًا. فالعرف بطبيعته بنية مرنة، تتشكل وفق التحولات، وتتبدل مع الضرورات، وتتفاعل مع محيطها الإنساني أخذًا وعطاء.
وفي هذا السياق، يقف المجتمع اليمني بوصفه واحدًا من أكثر المجتمعات ثراء في بنيته العرفية، حيث يشكل العرف القبلي أحد أهم روافد تنظيم العلاقات الاجتماعية، ومصدرًا فاعلًا في ترسيخ قيم التآزر والتكافل والتضامن. بل إنه، في كثير من الحالات، أدى دورًا مكملًا، وأحيانًا بديلًا، لغياب الدولة، فحفظ قدرًا من التوازن الاجتماعي، ومنع الانفلات الكامل.
غير أن هذا الوجه الإيجابي لا يلغي وجهًا آخر مقلقًا، إذ إن بعض الأعراف، حين تنفصل عن روح العصر، تتحول إلى قيود ذهنية وثقافية تكبل حركة المجتمع، وتعوق انخراطه في مسارات التحديث. فثمة أنماط عرفية ماتزال تمارس سلطة رمزية واجتماعية كثيفة، تجعل الخروج عليها مكلفًا، بل شبه مستحيل في المدى القريب، حتى في ظل انتشار التعليم وتنامي الوعي.
ومن هنا تتبدى الإشكالية بوضوح، إذ لم يعد العرف مجرد إطار اجتماعي منظم، بل صار، في بعض تجلياته، منافسًا فعليًا للقانون، وأحيانًا متغلبًا عليه. ذلك أن الدولة نفسها لم تحسم علاقتها بالعرف، فهي من جهة تسعى إلى فرض هيبة القانون بوصفه المرجعية العليا، ومن جهة أخرى توظف العرف وتستثمره سياسيا، إدراكًا منها لعمق حضوره في وعي المجتمع وقوة نفاذه.
وقد أفضى هذا التوظيف إلى نتائج إشكالية، من أبرزها تكريس زعامات قبلية على أسس الولاء السياسي لا على قواعد الاختيار الاجتماعي، وتحويل الامتيازات المالية إلى أدوات للضبط والإخضاع، الأمر الذي أفرغ كثيرا من الأعراف من مضمونها الأصلي، وأعاد إنتاجها بوصفها أدوات سلطة لا منظومات قيم.
وعليه، فإن العرف القبلي في اليمن لا يمكن اختزاله في حكم قاطع، فهو ليس شرًا مطلقًا ولا خيرًا خالصًا، بل بنية مزدوجة تتأرجح بين وظيفتين؛ فهو شرعة مؤازرة حين يعزز التضامن، ويحفظ السلم الاجتماعي، ويسد فراغ الدولة، وهو في المقابل ثقافة معيقة حين يتصلب، ويقاوم التغيير، ويتحول إلى سلطة موازية تعطل سيادة القانون.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء العرف أو القطيعة معه، فذلك وهم غير واقعي، بل في إعادة تأطيره ودمجه ضمن مشروع وطني حديث، قوامه المواطنة المتساوية، وسيادة النظام والقانون، ومؤسسات الدولة الفاعلة. وهذا لا يتحقق إلا عبر ثورة هادئة طويلة النفس، تبدأ من التعليم النوعي، وتمر بالتنوير الثقافي، وتنتهي ببناء مؤسسي يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس حديثة.
حينها فقط يمكن أن يتحول العرف من عبء على الدولة إلى رافعة لها، ومن سلطة موازية إلى شريك منضبط في بناء المستقبل.