الصحافة اليمنية بين الولادة والحصار(3)
في الحديث السابق كنا تحدثنا ووعدنا في نهايته بأننا سنتطرق إلى ما واجهته الصحافة اليمنية خلال الثورة الشبابية الشعبية السلمية في اليمن من محن وإرهاصات في تلك الفترة، وها نحن نأتي حسب الوعد لنتكلم عما وعدنا بالكلام عنه، وجميعنا يعلم أنه ومنذ الأيام الأولى لاندلاع ثورة البوعزيزي في تونس، انشغلت الصحافة اليمنية، كغيرها من صحافة البلدان العربية، بتلك الثورة، الأمر الذي أذكى روح الثورة في اليمن، وكانت جامعة صنعاء هي السباقة بقطاعات الطلاب فيها، حيث كان انطلاقهم الأول إلى المظاهرات في الشوارع، الأمر الذي جعل طلاب تعز يلحقون بالركب وكذلك طلاب ذمار والحديدة وعدن، وتعرض كثير من الصحفيين في اليمن للمطاردات أثناء مرافقتهم لتصوير تلك المسيرات، وتعرض بعضهم للاعتداء الجسدي، ومن أولئك الصحفيين مراسلا الجزيرة أحمد الشلفي وحمدي البكاري، وغيرهما من الصحفيين والمصورين.
وعندما وصلت الثورة الشبابية الشعبية السلمية في اليمن إلى طريق مسدود، وجاءت أحداث جديدة أهمها انتخاب عبد ربه منصور هادي رئيسًا للجمهورية بموجب ما قدمته السعودية من مقترحات وحلول لحلحلة أزمة اليمن، وما جاء بعد تلك الانتخابات وإسقاط حكومتي باسندوة وبحاح، وغيرها من الأحداث التي كان أهمها دخول الحوثيين صنعاء والحوار الوطني في "موفنبيك"، وغيرها من الأحداث التي أتت على أثر ذلك، ففي تلك الفترة اغتيل الصحفي البارز الأستاذ عبدالكريم الخيواني، وفي تعز تعرض للاعتقال والإخفاء القسري عدد من الصحفيين ومراسلي القنوات الفضائية.
وبعد دخول أنصار الله (الحوثيين) مدن الشمال والجنوب، تعرض عدد كبير من الصحفيين للاعتقال والاعتداء عليهم، وفي مناطق سيطرة الانتقالي قتل عدد من الصحفيين حسب ما ذكرته تقارير حقوقية أممية ومحلية.
وتشير تقارير نقابة الصحفيين اليمنيين إلى مقتل نحو ٦٠ صحفيًا وإعلاميًا، وتعرض المئات للاعتقال والإخفاء القسري والتعذيب منذ انطلاق ثورة ٢٠١١م.
وفي الفترة ما بين ٢٠١٥ و٢٠١٦، قتل قتل الصحفيون المشار إلى عددهم أعلاه. وقد طالبت اليونسكو ومعها الاتحاد الدولي للصحفيين بتقديم قتلة أولئك الصحفيين للعدالة، وأدانت تلك الانتهاكات.
وفي العام الماضي استشهد ٣٦ صحفيًا من الصحفيين العاملين في صحيفة "٢٦ سبتمبر"، عند استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الصحيفة في العاصمة صنعاء، وأصيب في الاستهداف ٢٢ صحفيًا.
ونتيجة الاستهداف المباشر والهجوم الجوي والتفجيرات ذهب أولئك الصحفيون في تلك الحرب ضحايا.
وتتوزع هذه الانتهاكات بين أطراف النزاع المختلفة، وتتصدرها جماعة الحوثي، وتليها التشكيلات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي.
وقد عمل هؤلاء الصحفيون على تغطية الأحداث والصراع بين الأطراف المتصارعة، لكنهم فقدوا حياتهم. وبشكل عام تتحمل كل الأطراف المسؤولية الكاملة عن مقتل الصحفيين. وأبرز الصحفيين الذين قتلوا خلال تلك الفترة: حسن الوظاف (قناة الحرة)، عبدالمجيد السماوي ويوسف العيزري وعبدالله قبيل (قناة سهيل)، عبدالله الحرازي وعبدالملك الديلمي وعبدالعزيز الشيخ ويوسف شمس الدين وأمل المناخي ومحمد الزعكري، استشهدوا أثناء استهداف العاصمة.
ومن شهداء التغطيات الميدانية: عبدالله القادري (مصور قناة بلقيس).
وخلال انتفاضة اليمن استشهد عدد كبير من الصحفيين مثل: جمال الشرعبي (المصدر -صنعاء)، عبدالحكيم النور (جمعية إخبارية -تعز)، عبدالغني البريهي (قناة اليمن -صنعاء، خالد الوشلي وهاشم الحمران (قناة المسيرة)، وذياب الشاطر (قناة يمن شباب).
ومن خلال هذه القراءة نكون أشرنا للانتهاكات التي تعرض لها العاملون في مجال الإعلام والصحافة في اليمن، وهي المهنة التي يطلق عليها اسم "مهنة المتاعب"، وأتمنى أن أكون وفقت في ذلك، كما أتمنى أن يتناول الباحثون والكتاب هذه المسألة وتوثيقها لتبقى وصمة عار في جبين كل المنتهكين للحريات الصحفية في اليمن، وستظل تلك الانتهاكات جرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة القانونية والعدالة.
