المرارة العابرة للحدود: قراءة في وجع النكسة من رصيف الغربة
الجزء الثاني
فجر الحادي عشر من يونيو.. يوم النكسة وانقشاع الوهم وعري الحقيقة
اليوم التالي؛ ستة أيام مضت كانت مزيجاً من البهجة واضطراب الهواجس، حتى أتت حقائق اليقين في الساعات الأولى لبزوغ فجر الحادي عشر من يونيو 1967. إنه تماماً كفجر هيروشيما بعد أن بدأ فطر القنبلة النووية يتوسع ويتلاشى فوق ركام المأساة، ليصبح "اليوم التالي" غريباً عن كل ما سبقه؛ يومٌ غدا فيه مَن تبقى من الناس غير مَن كانوا بالأمس. هذه هي حال الملايين التي عاشت الوهم المبهج، ثم وعت الحقيقة المرة وهي مستيقظة على ذهول هذا الفجر الجديد.

في ذلك الصباح، انقشع غبار المعارك تماماً، وتوقفت المدافع على الجبهات كافة بعد صدور قرارات وقف إطلاق النار المهينة. كان هذا هو "اليوم التالي" الحقيقي الذي استيقظ فيه العالم العربي ليرى الخارطة الجديدة وقد رُسمت بمداد من الصدمة العارية دون رتوش أو تجميل؛ زال التخدير الإعلامي الذي بثته إذاعات الوعود القومية، وبانت الفاجعة بحجمها المرعب الكاسر.
إذا كانت الأيام الستة الأولى قد مرت كعاصفة نارية خاطفة غُيبت فيها العقول خلف الأناشيد الحماسية، فإن فجر الحادي عشر من يونيو كان يوم الاستفاقة الكبرى على حجم الخراب النفسي والوجودي. سقطت الستارة عن المسرح، ولم يعد هناك مجال للشك أو التكذيب. استيقظنا لنواجه الحقيقة العارية: القدس، والضفة الغربية، وغزة، وسيناء، والجولان... كلها غدت تحت وطأة الاحتلال في غضون ساعات.
رصيف الغربة: دكان الوالد والصمت الجنائزي
في عمر الرابعة عشرة، تكون المشاعر في أوج تفتحها وتلقيها للصدمات، وفي هذا العمر الدقيق يتشكل وعي الفتى على أحلام كبرى وعناوين عريضة عن الفجر والكرامة الآتية. وحين تأتي الكارثة بحجم "النكسة"، فإن الزلزال النفسي لا يعترف بالحدود الجغرافية، بل يلاحق المغتربين في منافيهم البعيدة بذات القسوة، وربما بأشد منها؛ لأن المغترب معلق دائماً بخيط رفيع من الكبرياء يستمد منه صموده في أرض الآخرين.
على رصيف الغربة في أديس أبابا، وداخل دكان الوالد الذي كان يمثل طوال سنوات ملتقى للجالية، ومرفأً للأمل، ومنتدىً تتبادل فيه الوجوه السمراء أخبار الوطن والتحرير، استيقظنا لنجد أن المكان غير المكان، والناس غير الناس. لم تسقط القنابل على شوارع العاصمة الإثيوبية، ولم تهتز مبانيها، لكن القنابل سقطت مباشرة في قلوبنا، فهزت وجدان الجالية واغتالت الفرحة في مهدها، وتركتنا عراة تحت سياط الوجوم.
لقد كان اليوم الحادي عشر في الدكان هو يوم "المرارة المستقرة". غابت نبرة التفاؤل الصاخبة التي كانت تزين حوارات الوالد مع الرواد، وحل محلها صمت ثقيل يشبه تماماً ذلك الصمت المطبق الذي خيم فوق ركام هيروشيما. الوجوه التي كانت بالأمس تفيض ببهجة الحياة والثقة بالذات، أصبحت شاحبة، مذهولة، ومكسورة. غمرت المكان حالة من الهبوط النفسي الحاد، كنا ننظر إلى بعضنا البعض دون قدرة على استيعاب ما جرى، وكأننا محبوسون في كابوس جماعي نرفض الإذعان له. لم يعد الناس يلتفون حول المذياع بلهفة المترقب، بل جلسوا مطأطئي الرؤوس، تتأمل عيونهم الفراغ، بعد أن تبخرت شعارات العودة والزحف المقررة في غضون أيام، وحل محلها إحباط مزلزل استوطن الأعماق؛ إحباط لم يكن سحابة صيف عابرة، بل صار جزءاً بنيوياً من الهوية العربية المعاصرة، نمتلك جيناته، وما زلنا نجرجر أذياله الممتدة في تفاصيل انكساراتنا حتى يومنا هذا.
الصدمة الاجتماعية: السخرية المرة و"التريقة" المحلية
لكن الخراب لم يتوقف عند حدود الجدران المغلقة لدكان الوالد، بل سرعان ما طفح إلى الشارع الإثيوبي في أديس أبابا ليتخذ شكلاً أكثر إيلاماً لروح فتى في الرابعة عشرة: إنه فقدان الاحترام، وسقوط المهابة.
لقد تبدلت نظرة المجتمع المحلي إلينا فجأة، وانقشعت تلك الهيبة التي كان يتمتع بها العربي في تلك الأنحاء، ليحل محلها تيار جارف من السخرية الفجة و"التريقة" اليومية التي لا ترحم. كان الألم مزدوجاً؛ فلم يكن يكفينا جرح الأرض التي ضاعت، حتى وجدنا أنفسنا في مواجهة تهكم الشارع الإثيوبي الذي بدأ يتحدث بنبرة من الشماتة والاستخفاف عن "العرب" وكيف تمكنت قلة قليلة من الإسرائيليين من إلحاق هزيمة مذلة وساحقة بجيوش ثلاث دول عربية كبرى في ستة أيام فقط!
كانت عبارات السخرية تلاحقنا في الأسواق، وعلى أرصفة الشوارع، وفي عيون الجيران والمحليين الذين كنا نتقاسم معهم العيش بسلام. تحول الإعجاب القديم بالعمق والمد العربي إلى مادة للتندر والتندر المر. كانوا يتساءلون باستخفاف يمزق نياط القلب: "كيف لجيوشكم العرمرمية وطبولكم الإعلامية وصوت العرب أن يتلاشوا أمام بضعة آلاف في بضع ساعات؟" هذه السخرية لم تكن مجرد مضايقات عابرة، بل كانت تعبيراً صريحاً عن سقوط مظلة الاحترام. لقد جردتنا النكسة من درع الكبرياء أمام الآخر، وأصبحنا في نظرهم ظاهرة صوتية لا تقوى على الصمود في ميدان الفعل. كان وقع هذه "التريقة" على نفسي كوقع الملح على الجرح المفتوح؛ إذ كشفت لي مبكراً كيف يعيد العالم صياغة احترامه للشعوب بناءً على موازين القوة والانتصار، وكيف تغدو الضحية المنهزمة مادة دسمة لتهكم العابرين في شوارع الغربة.
طفو الكراهية وتبدل الوطن: قرار الرحيل المعجل
في تلك اللحظة القاسية، طفت على السطح بغتة نبرة كراهية غير متوقعة من الأحباش. كانت كراهية كامنة، ربما غذتها التحولات السياسية والتحالفات الإقليمية الخفية في تلك الحقبة، لكنها وجدت في انكسارنا المعنوي فرصة مثالية لتكشر عن أنيابها. تحولت النظرات الودية إلى نظرات شزرة، وغدت تفاصيل التعامل اليومي مشحونة بعداء مكتوم تارة، وعلني تارات أخرى.
بالنسبة لي، كان هذا التحول بمثابة صدمة عاطفية كبرى زلزلت كينونتي. أنا الفتى الذي قضى طفولته وصباه الباكر في هذا المكان، تنفست هواءه، ولعبت في حواريه، وأحببته بصدق وإخلاص كـ "وطن حقيقي" لا أعرف سواه، وجدت نفسي فجأة غريباً فيه، ومرفوضاً، ومحاطاً بنظرات الاستهجان والشماتة. لقد انكسرت المرآة الجميلة التي كنت أرى فيها أديس أبابا، ولم يعد بإمكاني، بأي حال من الأحوال، أن أطيق البقاء في مكان يتلذذ بهزيمتي ويحتقر انكسار أمتي.
تلك الكراهية الفجائية التي صبغت وجوه الأحباش وأرصفتهم جعلت البقاء هناك نوعاً من التعذيب النفسي اليومي الممنهج. لم يكن دكان الوالد قادراً على ترميم هذا الشرخ الإنساني، ولم تكن ذكريات الطفولة الشفيفة تشفع لأوجاع الحاضر المُر. وهنا، اتُخذ القرار الحاسم الذي لا رجعة فيه: يجب التعجيل بالسفر، والفرار من هذا الحصار النفسي الخانق.
لم أحتمل البقاء أكثر؛ فبعد شهر واحد تماماً من يوم النكسة السوداء، حزمت حقائبي المحشوة بالخيبات والدموع، وغادرت أديس أبابا، غادرت ذلك الوطن الذي ظننته وطناً، متوجهاً إلى اليمن. كانت مغادرة قسرية بالمعنى النفسي، هروباً من نظرات الشماتة وسقوط الهيبة، وبحثاً عن أرض أضمّد فيها جراحي بين أهلي، بعيداً عن سياط السخرية العابرة للحدود.
صدى المأساة في وجدان الأدب والفن
هذا الإحباط المزلزل، وهذا الشتات النفسي والاجتماعي الذي عشته فتىً في منبته، لم يكن مجرد تجربة فردية معزولة، بل كان المعادل الذاتي لأنين جماعي التقطه المبدعون العرب في تلك اللحظة التاريخية الفارقة ليوثقوا بها نهاية عصر وبداية آخر:
عري الذات في "هوامش على دفتر النكسة"
في هذا المناخ المسموم الذي تبين فيه كل شيء، جاءت صرخة نزار قباني كسكين تشرح الجرح النازف بلا هوادة. لم يكن نزار يكتب شعراً للمواساة أو التربيت على الأكتاف، بل كان يمارس طقساً عنيفاً من جلد الذات القومي في لحظة صدق مريرة وتاريخية. في أيام الاستفاقة، تيقنا جميعاً من دقة وعمق كلماته القاسية التي أصابت مكمن العلة:
«إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ
لأننا ندخُلُها..
بِمَنطقِ الطّبْلِ والربابهْ..
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
جلودنا ميتة الإحساس
أرواحنا تشكو من الإفلاس
أيامنا تـقضي داخل الحانات..»

لقد عكس نزار في "هوامشه" ذلك الشعور الجماعي بالهزيمة الداخلية؛ تلك الهزيمة التي تبدأ من الفكر، والخطاب، وبنية المجتمع، وتأليه الأوهام، قبل أن تترجم حطاماً عسكرياً على أرض المعركة. كانت قصيدته بياناً سياسياً وإنسانياً شجاعاً يعلن موت مرحلة كاملة من الأكاذيب الرسمية، وكان صداها يتردد في أعماقنا ونحن نرى احترام الآخرين لنا يتهاوى على أرصفة الغربة.
بلسم الجراح في "زهرة المدائن"
وفي ذات الوقت الذي كان يتبين فيه حجم الفاجعة بسقوط القدس الشريف، وتدنس مآذنها وكنائسها تحت بيادات الاحتلال، كان صوت فيروز يرتفع من بيروت كأنه صلاة الغريق في بحر متلاطم من اليأس والدموع. "زهرة المدائن" لم تكن مجرد أغنية عابرة أُنتجت للحاق بالحدث، بل كانت وثيقة روحية ولدت من رحم الوجع واليوم الحادي عشر لتعيد لملمة الشتات النفسي الساقط.

حين غنت فيروز بنبرتها الملائكية الشجية: «عيوننا إليك ترحل كل يوم.. ترجف في أروقة المعابد»، ثم صرختها المزلزلة: «الغضب الساطع آتٍ.. وأنا كلي إيمان»، كانت تعبر بدقة تناهت عن مشاعر ذلك الفتى ذي الأعوام الأربعة عشر في غربته اللعينة، وعن مشاعر والده، وكل أفراد الجالية العربية الذين انحنت ظهورهم. لقد حوّلت فيروز الحزن المزلزل والإحباط المقيم من طاقة استسلام وهوان، إلى طاقة من الغضب الإنساني النبيل المشرع نحو المستقبل. كانت محاولة جليلة لترميم الحطام الداخلي، وخلق أمل موازٍ يقوى على مواجهة قتامة الواقع الذي تبدّى وعري الحقائق التي استقرت في النفوس.
الخاتمة: الجرح المستدام
لقد مرت عقود طويلة على تلك الأيام الستة، وعلى ذلك اليوم الحادي عشر الذي انقشع فيه الوهم. تغيرت جغرافيا العواصم، وتبدلت الأنظمة، ومات من مات وعاش من عاش، لكن ذلك "الزلزال النفسي" الذي ضرب وعي فتى في الرابعة عشرة على رصيف أديس أبابا لم يخمَد بركانه بعد.
إن المرارة العابرة للحدود ليست مجرد ذكرى لحدث تاريخي كُتب في الكتب، بل هي حالة مستمرة من إعادة اكتشاف الذات في مرآة الهزيمة. لقد علمتني تلك الأيام، وأنا أرى نظرات السخرية في عيون الأحباش وأحزم حقائبي نحو اليمن، أن الهزيمة الحقيقية ليست في خسارة معركة عسكرية، بل في سقوط المهابة، وتلاشي الاحترام، وطفو الكراهية في أماكن كنا نظنها أوطاناً بديلة. غادرتُ أديس أبابا بجسدي، لكنني تركتُ هناك جزءاً من طفولتي البكر التي اغتيلت في فجر الحادي عشر من يونيو، مخلّفةً وراءها مأساة مستدامة نعيش فصولها المستمرة في كل "يوم تالٍ" من تاريخنا العربي الحديث.
