إيش الجديد؟!
كنت ذكرت في كتابي «الفنون جنون»، الصَّادِر عن «دار أروقة»، عام 2024، كَلامًا للدكتور عبد الرحمن بدوي؛ نصَّ عَليهِ في كِتابهِ «دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي»، عن تأثير الغزالي في المفكر الرياضي الفرنسي بسكال.
فلبسكال حُجَّة مشهورة لإثبات وجود الآخرة؛ وتسمى هذه الحُجَّة اختصارًا باسم «رِهَان بسكال» Le Pari de Pascal؛ وَخُلاصتها أنَّ بسكال يوجه خِطَابه إلى المنكرين للآخرة قائلاً: "إذا كَسبتُم؛ كَسبتُم كُلَّ شيء، وإذا خَسِرتُم؛ لم تَخسرُوا شَيئًا. إذا كان هناك آخرة؛ تَكسبونَ؛ وَتَكسبونَ كُلَّ شَيء، وإذا لم يَكن هُنَاك آخرة؛ فلن تَخسرُوا شَيئًا، فالأولى إذًا أن يُرَاهِنَ المَرءُ على ما هو مضمون المكسب عَلى كُلِّ حَال".
ويقول بدوي: "هذه الحُجَّة ذَكَرهَا الغزالي في «الإحياء»...، وفي «ميزان العمل»، وفي «الأربعين»، وَفَصَّلهُ تفصيلاً رَائعًا مُحكَمًا بِعباراتٍ تختلف بين كُلِّ كِتَاب والآخر، ولكنها تتشابه في المضمون العام للحُجَّة، وطريقة سياقها.
وهو نفسه في «ميزان العمل»؛ يَنسِب إلى الإمام علي بن أبي طالب- الصُّورة الأولى لهذه الحجة، فيقول:" قَالَ علي -رضي الله عنه- لمن كان يُشَاغِبهُ وَيُماريه في أمر الآخرة: "إنْ كَانَ الأمر على ما زَعمتَ؛ تَخلصنا جَميعًا، وإن كان الأمرُ كما قُلتُ، فقد هَلكتَ، ونجوتُ".
"أي إذا كان الأمر على ما زعَمَ هذا المماري في أمر الآخرة؛ أي المنكر لوجودها القائل: أن ليس ثَمَّ آخرة، فقد تخلصنا جميعًا من عذاب الله، وإذا كان الأمرُ كما يقول المؤمنون بالآخرة هلَكَ المنكرون، ونجا المؤمنون، وهذه الجملة التي قالها الإمام علي هي بعينها التي قالها بسكال بعد ذلك بأكثر من عشرة قرون". انتهى.
وَكانَ مِمَّا قلته أنَّ الدكتور بدوي فَاتَه أن يَذكرَ أنَّ شَيخَ المعرة الحكيم الفيلسوف أبو العلاء- سَبقَ الغزالي في ذلك، وَاستدَلَّ بهذه الحُجَّة التي احتجَّ بها الإمام علي على خصمه؛ حيث قال:
قَالَ المُنجِّمُ وَالطَّبيبُ كلاهما:
لا تُحشرُ الأجسادُ؛ قُلتُ: إليكما
إنْ صَحَّ قَولُكُمَا فَلستُ بِخَاسرٍ
أو صَحَّ قولي فَالخَسَارُ عَليكُمَا
فَمَا الجَديد إذًا؟
الجديد هذا السُّؤَال: ماذا لو أنَّا فَهِمنَا فكرة الدَّار الأخرى بِشكلٍ خاطئ؟!
كفهمنا لأشياء كثيرة في حياتنا، كُنَّا نراها صَوابًا، وَثَبتَ وَاتَّضحَ لنا خطأنا في مَراحِلَ لاحقة من حياتنا.
كفهمنا الطفولي السَّاذج وَالبَسيط أنَّ الرياح التي سُخِّرَتْ لِسليمانَ -عليه السلام- كانت بِسَاطًا لَه يعتليه وينقله حيث شَاء؛ تَمامًا كَمَا كانَ يفعل سندباد على «بِسَاط الرِّيح»؛ بدلاً أن تكون رياحًا سُخِّرَتْ في هبوبها على سفنه التي كان يمخر بها عُبَاب البِحَار في أسفاره، وتجارته، وغزواته.
باختصار لقد كانت رياح دولته قوية، وتسير لصالحه، وتوطيد ملكه.
أو أنَّ الأرض على ظَهر ثور، وأنَّ الشَّمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان!
بمعنى ماذا لو كانت الحياة الأخرى التي قصَّهَا الله علينا هي الحياة الأخرى البديلة التي ينبغي أن نعيشها الآن، عِوضًا عن هذا الجحيم الذي نصطلي بناره على أيدي الطُّغَاة والظَلمَة وولاة السُّوء؟
مَاذا لو كانت الحياة الأخرى هي الحياة التي تَستَحقَّ أن تُعَاش في كُلِّ لَحظة من لحظاتها المُدهِشَة، وسَلبَهَا مِنَّا هؤلاء اللصوص الأشرَار؛ َقُطَّاع الطَّريق إلى دار السَّلام وَالسَّعَادة والرَّاحَة الأبدية.
فالحياة الدنيا: هي الحياة الدنيئة التي يعيشها المسلمون اليوم؛ الملأى بالظلم والاستبداد والخوف والقهر والجوع والحرمان والجهل والبؤس والمرض والتخلف والفقر والاغتراب والحروب والتشرد والضعف وتسلط الأقوياء عليها.
والأخرى: هي التي يعيشها الغرب، والصين، وغيرها من الدول المتقدمة التي يسودها الحياة الطيبة والرفاهية والعدالة والحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والعلم والتطور والإبداع والاكتفاء الذاتي والاقتصاد القوي، والقوة الحامية من أيِّ تهديد واعتداء.
ماذا لو كان الأمر أنَّا -المسلمين- الذين كفرنَا بِكُلِّ القيم العظيمة من العدالة والمساواة وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية= يُعذِّبنَا الله في هذه «الحياة الدنيا»، بالبؤس، والفتن، والحروب، والمجاعات، والأزمات الطاحنة؛ جَزاءً وِفاقًا بما جَنتهُ أيدينا.
وَأنَّ دول الغرب والصين واليابان وغيرها من البلدان المتحضرة تتنعم في «الحياة الأخرى»؛ المختلفة -كُلَّ الاختلاف- عن هذه الحياة الوضيعة التي نعيشها؛ بفضل إعلائها من قيم الإنسانية، والعدالة، والمساواة، وسيادة القانون، واحترام حرية الرأي والتعبير، وانتهاج الديمقراطية وسيلة راقية لتداول الحكم وعدم الاستنقاع فيه.
عَلينا إذًا أن نَنشدَ الدَّارَ الأخرى الآن، ونجاهد ونكافح؛ لنستردَّهَا من أيدي هؤلاء الشياطين الذين حَرمُونا منها، ونحياها، ونتمتَّعَ بمباهجها؛ فَإنَّ مَنْ كَانَ في هذه أعمى؛ فهو في الآخرة أعمى وَأضلَّ سبيلاً.
فَإنْ صَحَّ الفَهم السَّائِد- كُنَّا قد أخذنا نَصَيبنا من الاثنتين: دنيا، وآخرة؛ كما يقال.
وإن صَحَّ الفهم الثاني: نكون قد أخذنا بنصيبنا منها، وتمتعنا بها، وانتهى الأمر.
أمَّا إذا لم نَعملْ شَيئًا إزاء هذا الجحيم الذي نكابده، وتلفحنا نيرانه التي لا تَرحَم، وَلا تَفتأ حرارتها تحرق أرواحنا وأجسادنا؛ فإنَّا نكون -حِينَئذٍ- من الأشقياء ذَائِقي العذاب كَالكُفَّار تَمامًا، وفَوَّتنَا على أنفسنا السَّعاَدة على كِلا الاحتمالين.
وتذكروا دَائمًا: (مَنْ كَانَ في هَذهِ أعمى؛ فهو في الآخرة أعمَى وَأضلَّ سَبيلا)، و(لا يظلم رَبُّكَ أحدًا، وَلكنَّ النَّاس أنفسهم يظلمون).
