الأربعاء 13 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالباري طاهر لـ«النداء»،: اليمنيون خسروا الدولة والأمن.. لكنهم لم يخسروا الأمل

عبدالباري طاهر لـ«النداء»،: اليمنيون خسروا الدولة والأمن.. لكنهم لم يخسروا الأمل

في هذا الحوار، يستعيد الكاتب والمؤرخ اليمني البارز ونقيب الصحفيين اليمنيين الأسبق عبدالباري طاهر ملامح اليمن والعالم العربي منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، متتبعًا التحولات الفكرية والسياسية والثقافية التي صنعت وعي جيله، ورافقت ميلاد الجمهورية اليمنية وصعود المشروع القومي العربي ثم انكساراته الكبرى.


وبلغة تمزج بين السرد الشخصي والتأمل الفكري، يقدّم طاهر شهادة واسعة على زمن التحولات؛ من أجواء ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وصدامات القوى السياسية في الستينيات، إلى هزيمة يونيو 1967، وصعود التيارات القومية واليسارية، ثم التحولات العاصفة التي عاشها اليمن منذ الوحدة وحرب 1994 وحتى سنوات الحرب الراهنة.


ويتوقف الحوار عند أثر القراءة المبكرة والمجلات العربية والتيارات الفكرية في تشكيل الوعي السياسي والثقافي لجيل الستينيات، كما يضيء على المشهد الثقافي اليمني في السبعينيات والثمانينيات، ودور المثقف بين الاستقلال والانشداد إلى السلطة والتحولات السياسية.


وفي قراءة نقدية عميقة، يناقش طاهر أزمات الدولة العربية الحديثة، والاستبداد، وهزائم المشروع القومي، وصعود الانقسامات الطائفية والمناطقية، وصولًا إلى واقع اليمن اليوم بوصفه - بحسب تعبيره ـ «وطنًا محروبًا وممزقًا ومسكونًا بالأوبئة والفتن والمجاعة والحصار».


الحوار يستعيد الذاكرة السياسية والثقافية، ويقدّم أيضًا شهادة إنسانية عن جيل كامل عاش أحلام التحرر والوحدة والعدالة، ثم واجه الهزائم والانكسارات والحروب، دون أن يفقد إيمانه بالأمل وإمكانية الخلاص.

عبدالباري طاهر

  • كَيفَ تتذكر اليمن والعالم العربي في أواسط الستينيات، وما أول وعي سياسي أو وطني تشكّل لديك؟

مِنْ الصُّعوبَة استعادة تفاصيل أحداث ووقائع ما يقرب من نصف قرن. سأحاول نبش الذاكرة، واستعادة الذي لا يزال عَالِقًا بها.

كانت اليمن تستيقظ من سُبَات مئات السنين، وتستقبل نسائم العصر، ورياح الثورات، وتغيرات الحياة. المنطقة العربية تزخر بالصراع، ودعوات التحرر.

حركات التَّحرُّر الوطني تتصدر الأخبار العالمية. والتبشير بالاشتراكية فَتَحَ الأبواب أمام التعليم الحديث، والانفتاح على العصر: وصول الكتاب، والمجلة، والصحيفة، وتعددت مصادر الخبر، وبدأنا نعرف وندرك ما يدور حولنا، وما يجري في العالم.

عرفنا في حينها الوحدة المصرية السورية، وبروز دور مصر العربي، وتأثيره عَربيًّا، وتابعنا حركة التحرر الجزائرية؛ وُصُولاً إلى الاستقلال، والثورتان: العراقية، والسورية.

تأثير المجلات المصرية والعربية: «الآداب»، و«الأديب» اللبنانيتان، و«الرسالة» و«الطليعة» و«الكاتب» المصرية، والمجلات الأخرى: «الثقافة الجديدة» العراقية، و«دراسات عربية»، ومجلة «الرسالة» اليمنية، والصحف العربية واليمنية.

قبل الثورة، كَانَ الوعي السياسي مَحدُودًا وَمحصورًا في قراءة معينة: لطه حسين، والعقَّاد والرافعي، وروايات جورجي زيدان، وبعض ما يصل من عدن في فترات متقطعة.

منذ البداية كان شغفي بالرواية وبالرواية الروسية كَبيرًا، وارتبط الوعي السياسي بالثورة اليمنية والعربية.

  • ماذا مثّلت لك مرحلة المَدّ القومي العربي في الخمسينيات والستينيات، وكيف انعكست على وعي جيلكم؟

لازلت أتذكر حتى الآن اللقاءات المتكررة في منزل السيد محمد أحمد عبدالباري، وما يشبه معاشرة الراديو أثناء انفصال سوريا، وردود الفعل، والدوي الكبير، و«قصيدة تهدى إلى كُلِّ العرب»، للإمام أحمد. وكان الوعي يتخذ شكل التعاطف في ظِلِّ غياب الأحزاب السياسية، والفاعليات القومية والمواقف.

كُنتُ، وأنا طالب في الجامع الكبير في المراوعة في خمسينات القرن الماضي، شَغوفًا بالقراءة، وكان مِمَّا َقَرأته قصة «الانقلاب العثماني»، لجورجي زيدان.

عبدالباري  طاهر في  فترة الشباب -النداء

كان التفاوت في التطور في المدن اليمنية رَاعبًا. فعدن الأربعينات وخمسينات القرن الماضي هي العنوان الأكبر، والوعي والنشاط السياسي فيها محصور في أُسَر وعدد محدود مِمَّنْ تلقوا تَعليمًا حَديثًا، أو عاشوا خارج اليمن.

وَيَمتدُّ التأثير إلى تعز، وأقل منه إلى صنعاء، وإب، الحديدة. والأمية الأبجدية عائق كبير، وتعمُّ غالبية الشعب: شَمالاً، وَجَنوبًا.

اللافت أنه، رغم العزلة المفروضة، وغياب أو ضعف وسائل التواصل مع الوطن العربي، كَانَ التعاطف حَاضِرًا: تظاهرات الطلاب في صنعاء وتعز إبَّان العدوان الثلاثي على مصر، وهناك الكتابات المؤيدة لمصر على محدوديتها.

أمَّا بالنسبة لي، فَإنَّ الوعي ارتبط بالقراءة. وكنت أهتمُّ بِمَا يدور من خلاف بين خالد محمد خالد: «من هنا نبدأ»، أو ردود الأزهر، ورَدّ محمد الغزالي: «من هنا نعلم».

ومَا دَارَ حول« في الشعر الجاهلي»، لطه حسين، و«الإسلام وأصول الحكم». وَلاحقًا خلاف الشيوعيين، والقوميين حول الوحدة العربية، وقبول قرار التقسيم، وخلاف البعثيين، وحركة القوميين العرب، وكتابات منيف الرزاز، وعفلق، وشبلي العيسمي، وعصمت سيف الدولة، ومحمد عودة، وعامر عبد الله، وإسماعيل صبري، وعبد الله فؤاد مرسي، والعالم، وأنور عبد الملك، والدكتور فيصل دراج، والصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، وأحمد بهاء الدين

  • كيفَ عشت أجواء ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، وماذا غيّرت في رؤيتك للحياة؟

ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 منحتنا المواطنة كيمنيين. قبلها كُنَّا رعية، ومولدين، وأجانب، ومهمشين... و... و... إلخ.

لازمت بعد وفاة الوالد الدراسة في الجامع- جامع القرية، وانعزلت عن الأسرة. كُنتُ قد أتممت قراءة «منهاج الطالبين» أكثر من مرة، مع مراجعة الشروح: «مغني المحتاج»، للرملي، و«التحفة»، و«حواشي الشرواني»، وأتممت في النحو كتابات ابن هشام: «قطر الندى»، و«شذور الذهب»، و«المغني»، وفيما بعد «النحو الوافي»، لعباس حسن.

وحفظت القرآن الكريم، و«ألفية ابن مالك»، و«الزُّبَد»، لابن رسلان، و«المعلقات السبع»، والعديد من المتون.

وفي الأصول قَرأتُ «جمع الجوامع»، و«الرسالة»، للشافعي، و«غاية السول»، للحسين بن القاسم. وفي الجامعة: «جامع الدروس العربية»، لمصطفى الغلاييني.

السادس والعشرين من سبتمبر 1962 أكسبتني المواطنة، وإيجابية المواطنة. قبل الثورة كانت المواطنة تعني فقط: طاعة ولي الأمر؛ ولو قَرشَ جلدك، وَسَلبَ مالك. وكانت الواجبات والطاعة العمياء، والخوف فيما يعني وفيما لا يعني.

نَزلتُ إلى الشارع، وَكَونَّا مَجموعةً من الشباب لمساندة الثورة والجمهورية، ووقفنا ضد الجيش البراني المدعوم من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في جُلِّ المدن والقرى التهامية، كما وقفنا ضد الإدارة الإمامية المعادية للثورة والجمهورية.

تواصلنا مع شباب الحديدة: يوسف الشحاري، وإبراهيم صادق، وعبد الله الصيقل، ومحمد الحيدري، وعثمان عميرة، ومع شباب بيت الفقيه، وزبيد، والزيدية، وَقُمنَا بنشر الوعي، والتصدي للدعاية المضادة، والتحريض ضد الثورة.

يوسف الشحاري

والماساة أنَّا كُنَّا في مواجهة مستمرة مع هذه القوى؛ وهي في جهاز الدولة، والجيش القديم والأمن، وتلقى الدعم والتأييد من كبار المسئولين في الحديدة، والمشايخ، وكِبَار الضُّبَّاط.

وقد اعتقلنا مراتٍ عديدة. وَغالبًا ما يكون التدخل من قبل المشير عبد الله السلال- رئيس الجمهورية للإفراج عَنَّا.

  • مَا صُورة صنعاء واليمن في ذاكرتك خلال سنوات التحول الأولى بعد الثورة؟

كنت أقرأ الفرحة في الوجوه، والإقبال على الحياة، والأمل يغمر النفوس. ولعب المغتربون في كُلِّ اليمن الدور الأساس. وكان الناس مقبلون على الحياة بآمال طويلة عريضة.

قُدِّمَت مساعدات من مصر، والكويت في بناء مئات وآلاف المدارس في المراحل المختلفة، ونشط القطاع العام والخاص.

والعمل في طريق صنعاء- تعز، والحديدة- تعز، وَتَمَّ رصف شوارع المدن الرئيسية، وإرسال المنح الدراسية إلى البلدان العربية والصديقة، ونشط الإعلام، وَبَرزَ العمل النقابي العمالي والمدني، وَنَشطَت الأحزاب السياسية رَغمَ الحظر الدستوري؛ لارتباطها بالدفاع عن الثورة.

كَانَ مظهر العُمَّال في الطرقات، وفي المباني، وفي المؤسسات الحديثة يخلب الألباب، وَكُنتُ عُضوًا في النقابة العامة للعُمَّال التي أسَّسَها الصيقل، وكان يسيطر عليها مجموعة «الاتحادي الشعبي الديمقراطي»، وَكُنتُ مسئولاً عن التنسيق مع الاتحاد العام لِعُمَّال اليمن إلى جانب عبده سلام الدبعي أثناء وجوده في الحديدة، ومع عبده محمد الخطيب.

  • كيف أثّرت الصراعات السياسية في الستينيات على تكوينك النفسي والسياسي والفكري؟

لم يكن تأثير الصراعات الحزبية كَبيرًا علىَّ؛ سَواءٌ من الناحية الثقافية، أو النفسية. فمنذ بداية العام 1963 انضممت إلى «الاتحادي الشعبي الديمقراطي»، وكان الحزب يركز على النشاط الشبابي والثقافي العام، ولا يقترب من الصراع بين «حركة القوميين العرب»، و«البعث»؛ وهما قطبا الصراع، ولا من الصراع في تعز بين «الناصريين»، وشباب «الحزب الديمقراطي الثوري».

كُنتُ صَديقًا للجميع، ولا أعير صراعاتهم الاهتمام. وكانت علاقة الود والاحترام للجميع، وأبتعد عن إقامة الحجة، أو فرض الرأي، وكنت أحرص على قراءة جذور الخلافات من المصادر الأساس، وأبتعد -قدر الإمكان- عن الخصومة السياسية.

  • مَاذا تعني لك هزيمة يونيو 1967م بوصفك مثقفًا وَشَاعرًا عربيًا؟

لازلت أعتقد أنَّ هزيمة 1967 هي أبشع هزيمة لحقت بالأمة العربية في تاريخها.

كَانتْ النكبة في 1948؛ كما يسميها المفكر القومي قسطنطين زريق- تَخُصُّ أنظمةً تابعةً أو مُستَعمَرَة، ولم تكن الجيوش العربية قد بُنِيَت، واتُهِمَتْ الأنظمة التابعة أو المستعمرة باستيراد السلاح الفاسد، وكانت الدول الكبرى كلها تدعم إسرائيل: بريطانيا، وأمريكا، والاتحاد السوفيتي، وألمانيا، وفرنسا. كما أنَّ السبع الدول القائمة حينها لم تكن التعبير عن إرادة شعبية، وكانت مقيدة بالدولتين الاستعماريتين حينها: بريطانيا، وفرنسا بالإضافة إلى أمريكا.

نكبة  ٤٨

أمَّا في هزيمة 1967 فهزيمة الأمة من الماء إلى الماء. فعبد الناصر زعيم الأمة العربية؛ وهو آتٍ من ثورة شعبية، ولقي المساندة والتأييد في مصر، وَعَربيًا، وأبعد من ذلك هو القائد.

أصبحَ لمصر جيش وطني يساعد في نصرة الثورات العربية في اليمن، والجزائر، وغيرهما. والموقف الدولي مغاير ومختلف، وحزب البعث العربي الاشتراكي يحكم سوريا، ويقدم نفسه مُحررًا للأمة العربية كلها، وَدَاعية توحيدها

لا يمكن المقارنة بين 1948 و1967؛ فـ 1967 هي الهزيمة (النكبة) التي طالت الأمة في حاضرها، ومستقبلها. وللأسف الشديد لَمْ يُقَدَّم كشف حقيقي للأسباب الفعلية للهزيمة.

تقديم جمال عبد الناصر مَسئُولاً وحده عن الهزيمة كبطل تراجيدي لا يعني الكثير. فالنظام كله مسئول عن الهزيمة؛ وبالأخص مراكز القوى، وصعود نجم السادات، وزيارة القدس. ومسار كامب ديفيد، يكشف جَانبًا من أسباب الهزيمة. أمَّا في سوريا؛ فَإنَّ صعود وزير الدفاع حافظ الأسد المسئول عن الهزيمة هو ضمن الإجابة على سُؤال الهزيمة.

جمال عبدالناصر

إنَّ الاستبداد، واختزال إرادة الشعب في الحاكم -أيًّا يَكُن الحاكم- من أسباب كوارث الأمة.

ومآسي الأمة كلها مصدرها استبداد الحكم وفساده. الباحث المهم الدكتور فوزي منصور أَصدَرَ كتابه «خروج العرب من التاريخ»، وَدَرسَ المفكر القومي قسطنطين زريق الهزيمةَ التي يسميها النكبة في كتابه «معنى النكبة». فهو يقول في مبحثه: « في ربيع عام 1948 نَشَبتْ المعركة الأولى بين جيوش الدول العربية، والقوى الإسرائيلية؛ فحدثت الكارثة التي أدَّتْ إلى الهدنة، وإلى قبول إسرائيل في الأمم المتحدة.

واليوم بعد تسعة عشر عَامًا نشبت المعركة الثانية. فلم تكن الكارثة الجديدة أخفَّ هَولاً من الأولى، ولن تكون نتائجها المرتقبة أقلَّ وَطأةً على الشعوب العربية؛ بل إنها، ونتائجها تبدو أضخم وأوخم». (الأعمال الفكرية: 2/993).

سقوط الأنظمة القومية نَجَمَ عنه صعود الأنظمة ذات الانتماءات المناطقية والطائفية، وَصَعدَ الاتجاه الإسلاموي، ودول البترو- دولار المُموِّلَة للحروب، والموالية لأمريكا، والداعمة للثورات المضادة.

  • كيف كان المشهد الثقافي اليمني في أواخر الستينات وبداية السبعينات؟ وما أبرز التحولات التي شهدتها الحياة الثقافية والإعلامية في اليمن خلال السبعينيات والثمانينيات؟

أواخر الستينات؛ وكرد الأمة على الهزيمة أو النكبة والكارثة، كما يصفها المفكر القومي قسطنطين زريق= نشأت اتجاهات يسارية تتبنى الكفاح المسلح، وازدهر الفكر والأدب والثقافة، ونشطت الجامعات، والاتحادات الأدبية، والمؤسسات الثقافية، والملاحق الأدبية مع الصحف. وَأصدرَ اتحاد الأدباء والكتاب العرب مجلة «الموقف»، وصدرت في اليمن عشرات الدواوين، والروايات، والقصص، والإصدارات الكثيرة والملاحق الثقافية في «الثورة»، و«الجمهورية»، ومجلات كـ «الحكمة»، و«الكلمة»، و«اليمن الجديد»، و«الثقافة الجديدة»، وتأسس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وفيما بعد نقابة الصحفيين، ومنظمة الصحفيين الديمقراطيين، وَصَدرتْ أهم الدراسات والأبحاث في اليمن، وبرز مفكرون، وأدباء، وشعراء كبار، وكان دور جامعة صنعاء وأساتذتها وطلابها وطالباتها في غاية الأهمية، وازدهرت الحياة الأدبية والثقافية والأدبية في اليمن كلها.

  • كيف تنظر إلى دور المثقف اليمني في تلك المرحلة: هل كان فَاعِلًا في صناعة الوعي أم تابعًا للتحولات السياسية؟

أمَّا السؤال عن دور المثقف؛ وهل كان فاعلاً، أم تَابعًا للتحولات السياسية؛ فجوابه: رُبَّمَا كان مَزيجًا من هذا وذاك. فَتارةً ينساق وراء التحولات السياسية، وَتَارةً يتخذ الموقف المستقل عندما تتعارض سياسات الحكم مع اتجاهه.

وللأسف الشديد، ربما كان الانشداد إلى التحولات السياسية هو الغالب. وللأمر علاقة بضعف المؤسسات الثقافية، وهشاشة المجتمع المدني (البيئة الحاضنة)، وضعف الاستقلالية، وغياب الحداثة والتمكن.

وفي اليمن، فَإنَّ انشطار الوطن توزع المثقفين على خارطة السياسة، واتسمت المواقف بالتمترس، وغياب الاستقلالية؛ وبالتالي ضعف الفاعلية، ومحدودية تأثرها. والأخطر ضعف الطبقة الوسطى: عماد الحياة، والثورات-، وتفشي الأمية بمعنييها.

  • ماذا أضافت السبعينيات إلى تجربتك الشعرية والإنسانية؟

أعتقد أنَّ السبعينات كانت الثمرة الناضجة للثورة اليمنية سبتمبر 1962، وأكتوبر 1963.

  • كيف استقبلت التحولات العربية الكبرى في الثمانينيات، خُصُوصًا تبدّل الخطاب القومي، وصعود التيارات الجديدة؟

كنت أعيش حَالةً من الفجيعة والانكسار وخيبة الأمل، وعشت في حَالةً من التأمل والمراجعة لِمَا يُسَمَّى بالثوابت واليقين، وكنت أعيد النظر في زَيف الاعتقادات، وأوهام القوة، والعصبيات في نفسي.

  • ما الذي تغيّر في الذائقة الشعرية العربية واليمنية خلال العقود الثلاثة: الستينيات، والسبعينيات، الثمانينيات- من وجهة نظرك؟

من خلال قراءتي البسيطة والمتواضعة بِأنَّ موقع المنطقة العربية الوسط، والتقاء الحضارات، وقابلية استقبال التيارات= قد أسهمَ في التغيير والتجديد الذي شهدته الذائقة الأدبية والفكرية والشعرية بخاصة.

وكان للحربين العالميتين تَأثيرٌ كَبيرٌ على هذا التبدل والتغيير، وكذلك البعثات التي شهدتها مصر في عهد محمد علي باشا، وما تلاها= كَانَ لها دور كبير في الحداثة.

العوامل الداخلية أساس، ولكن تبادل التأثر والتأثير هو الأهم؛ فالتلاقح في الأشجار، وفي الأجناس، والآداب، والأفكار= مصدر تجدد وثراء. والهويات المغلفة والأصوليات الثابتة ميتة ومميتة.

يلاحظ صاحب كتاب« في علم اجتماع المعرفة»، لعلي الوردي: أنَّ للإنسان العديد من الذوات الضرورية؛ لتغطية الجماعات المتنوعة فيما حوله. يمكن أن يكون لديه بالتساوي العديد من طرز الفكر، وكما لو أنَّ الذات الضمير وطراز الفكر إنما هي مراحل مختلفة لحقيقة واحدة منفردة (الذات الاجتماعية).

قِيلَ: إنَّ الإنسان حيوان اجتماعي. يطور الحيوان الإنساني الذات، والضمير، وطراز الفكر؛ نتيجة العيش في المجتمع. بالنتيجة، فإنه يميز نفسه عن الحيوانات الأخرى. ويمتاز الإنسان بمقدرته على التكيف، وقابلية التغيير.

المقولة المعادية القديمة: «ليس في اليمن إلا حائك بُرد، أو سائس قِرد، أو دَابغ جلد»= هي توصيف لمهارة الإنسان اليمني، وذكائه، وترويضه للطبيعة والحياة، وقابليته للتعلم والاستجابة للجديد.

المتوكلية اليمنية المغلقة والمسيجة بالتخلف والأمية يبرز فيها شاعر فاقد البصر يرى ما لا يراه المبصرون، ويقدم في خمسينات ومطلع ستينات القرن الماضي حداثة في الصورة الشعرية، وفي الأخيلة ما يرتقي به إلى الحداثة الشعرية في أزهى صورها. وديوانه «الفجر الجديد»، و «من أرض بلقيس» شاهدان، وأشعار إبراهيم الحضراني، وقصص محمد عبد الولي: «الأرض يا سلمى»، وهناك نماذج عديدة تؤكد المعنى.

ربما كانت الستينات والسبعينات عَربيًّا وَيَمنيًّا بداية الانفتاح على تيارات الحداثة والتجديد الشعري، وازدهار القصيدة النثرية، والنقد الحديث، والرواية، والقصة الأكثر حداثة؛ وما يسميه أستاذنا الدكتور عبد العزيز المقالح القصيدة الأجدَّ.

  • كيف عشت مرحلة التشطير بين الشمال والجنوب قبل الوحدة اليمنية، ثقافيًا وإنسانيًا؟

مَثَّلَتْ الوحدة اليمنية خَلاصًا من حروب وصراعات دامية بين الشمال والجنوب، وداخل كُل شطر على حِدَة. والوحدة تعبير عن طموح وإرادة شعب شهدها ويتذكرها في مسارها، قبل مئات وآلاف السنين، وارتبطت بها حضارته، وعلقت بها ذاكرته التاريخية. والمرات التي تحققت فيها كانت أزهى عصوره، ومجده التاريخي، ونبض حَيٌّ في الذاكرة.

قد تكون هناك ملاحظات حول سلامة الخطوات الأولية، وطبيعة الإجراءات، لكن أعظم ما في الإنجاز الوحدوي هو الطبيعة السلمية، والتحقق عبر الحوار؛ مَا مَثَّلَ ما يشبه المصالحة الوطنية بين حُكَّام الشطرين المتصارعين.

كانت أوهام القوة، وتحقيق الوحدة بالقوة هي الفكر السائد في الشطرين، وقد توارى هذا الخيار، ولكنه بقيَ ثَاويًا؛ وَسُرعَان ما عادوا إليه. وكانت حروب 1994 بداية تدمير اليمن وتفكيكها، وتمزيق نسيجها المجتمعي بالوحدة المُعمَّدَة بالدم، وحروب الرِّدَّة والانفصال.

  • ماذا مَثَّلَت بالنسبة لك وحدة اليمن عام 90، على المستوى الشخصي والثقافي والوطني؟

بالنسبة لي شَخصِيًّا، ولأول مرة يا دكتور أتكلم عن هذا، عُدتُ من اتحاد الصحفيين العرب بوجه من علي عبد الله صالح؛ بواسطة الدكتور عبد الكريم الإرياني؛ حَامِلاً رسالةً للرئيس من اتحاد الصحفيين العرب.

اعتُقِلتُ، ولأول مرة. وعلى مدى ثلاثة أيام تَعرَّضتُ لتعليق يستمر عِدَّة ساعات حتى فقدان الوعي، وضرب بَشِع، وإهانات. وبعد الخروج، فُرِضَت علي رقابة علنية: تقف سيارتين في مداخل الشارع وعند الخروج، وتلازمني ملازمة الظِّل. وحتى عندما أدخل السينما يدخل ويجلس ورائي مع توجيه تهديد، وإعلان: «نحن هنا». وأشكالهم قتلة محترفون. ويستمر الإقلاق لي، ولأسرتي، وللجوار. وقد عُلِّقَ الجار والصديق العزيز عبد الكريم الرازحي أكثر من مرة على ذلك.

  • كيف أثّرت حرب 1994م في رؤيتك لمفهوم الوطن والثقافة والهوية اليمنية؟

حرب 1994 تعيد إلى الأذهان نكبة 1948 في صنعاء، والنكبتان العربيتان: حرب 1948 في فلسطين، وكارثة 1967، وأحداث أغسطس 1968 في صنعاء، و13 يناير 1986 في عدن.

حرب 1994 عادت باليمن إلى ما قَبلَ الوطنية، وما قبل عصر الدولة، وأصبح اليمن سَاحةً للصراع الإقليمي، وحكامه بيد الأجنبي. هيمنة الرباعية الدولية في مارس 2915، ووضع اليمن تحت الفصل السابع، والحصار الخارجي والداخلي، والأسرى بالآلاف، والمعتقلون والمعتقلات بالمئات، والرواتب مقطوعة، والأيدي لا تزال موضوعة على الزِّنَاد.

حرب 94

أكدت لي الحرب في اليمن وعليها- أنَّهَا إعدام للحياة، وإماتة للوطنية، وقتل للحرية، وَأنَّ زبانية الحروب أعداء الحياة، والحرية، والوطن.

فالحرب نفي للأمن والسلام؛ وهما المعنى الطبيعي للهوية، والأرض الخصبة، ازدهار الثقافة والإبداع.

الحياة أقوى من الموت، وأنصار الموت القتلة زائلون، ولكن للقتل أثر عميق في النفوس، ويوهم بالتسيد والتأبيد، وجراحه لا تندمل.

للهوية الإنسانية والحياة معنى واحد. وعندما يسود القتل تتوارى الهوية. هويتنا كيمنيين مُصَادرة ومحروبة؛ ولكي نستعيدها، فلا بُدَّ من انتزاعها، ولا مَحِيصَ من الدِّفَاع عنها بإسقاط حاجز الخوف، والصدع بالكلمة في وجهِ سُلطانٍ جَائر؛ وهو من أرقى أشكال الجهاد، ورفع الصوت بالكلمة؛ و« في البدء كَانَ الكلمة».

  • ما أبرز الفروق التي تلاحظها بين جيل المثقفين الذين عاصروا الستينيات والسبعينيات، والأجيال اللاحقة؟

جيل الستينات والسبعينات- الابن البكر للثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر؛ ابن المدرسة الحديثة والتعليم الحديث، ابن الانفتاح على العصر بتياراته الأدبية والثقافية والسياسية الزاخرة، ابن المناداة بالحرية، والديمقراطية، والعدل الاجتماعي= وصل إليه كتاب العصر، والمجلة، والصحيفة.

ورغم المعاناة ومآسي الصراع المتعدد الألوان والأشكال والجبهات والجهات، إلا أنَّهُ استطاع أن ينتزع شَيئًا، وأن يلتحق بالمدرسة، ويحصل على الكتاب، ويتواصل بمستوى معين مع الحياة والعصر.

أمَّا أبناء اليوم، فهم ضحايا المولود المشئوم المكروه للشم والتقبيل: حرب 1994، وحروب صعدة الستة، وحروب: عاصفة الحزم، والأمل، وما تناسل منها حتى اليوم.

الشاب والشابة اليمنيان اليوم يعيشان في وطن محروب وممزق، ومسكون بالأوبئة والفتن والمجاعة والحصار، وظلام ظُلمٍ يعمي البصر والبصيرة.

جبل اليوم هم آباء وأبناء الربيع العربي تَقَمَّصُوا روح أبيهم هابيل حين قال لأخيه: (لإن بَسطتَ يدك إلي لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين). [المائدة: 28].

عندما أصَرَّ طُغاة روما على إجبار سبارتكوس على الموت، تمرد سبارتكوس احتجاجًا، ورفض العبيد الإماتة؛ أجبرهم سادة روما على حمل السلاح.

البؤساء المضطهدون لا يلجئون إلى السلاح إلا مرغمين. الزعيم غاندي، وتلميذه مانديلا كانا الاستثناء، وَرفَضَا حمل السلاح.

ثورة الشباب السلمية (الندا)

أبناء الربيع العربي هم الأبناء البررة لغاندي ومانديلا. فهم البديل الأرقى للانقلابات العسكرية، وللثورات الخائبة؛ يتمثلون روح الآباء: هابيل، وغاندي، ومانديلا.

جيل اليوم يمتلك القابلية للتنوع والتعدد والاستقلالية، وعدم الهوس بالشعارات، والخلافات السياسية الزائفة.

الصعوبات والتحديات والمعاناة لها سماتها وخصائصها، وتنعكس في السلوك، ثُمَّ إنَّ عَصرَ هذا الجيل مغاير وجد مختلف؛ فهم أبناء عصرهم؛ وهم «مهدينا المنتظر».

  • كيف تنظر إلى التحولات التي أحدثها الإعلام الفضائي، ثم الإعلام الرقمي في الثقافة العربية؟

لِكُلِّ ظاهرة جانبان: إيجابي، وسليي. وهما متلازمان؛ تلازم الحياة والموت. السلبي والإيجابي، والظاهر والباطن.

كمتلقين سلبيين؛ فالسلبي هو السائد. فنحن غير مشاركين فاعلين في الأفكار الكاثرة التي تقذفها علينا المكنة الإعلام العالمية، ووسائل التواصل، وحظنا منه محدود، ولكنه مفيد ونافع.

والإمام الغزالي يسمي الأمية «عورة». والأمية هي عدم فهم التكنولوجيا؛ وهي أمية مركبة بالنسبة لنا. فحظ أمتنا من الطباعة، ومن الترجمة، والتعامل مع تقنيات المكنة الإعلامية ووسائل العصر =ضئيل؛ مُقَارنةً بأفقر البلدان الأوروبية وأكثرها تخلفًا: اليونان، البرتغال، إسبانيا؛ والأمثلة فاجعة.

  • ما الذي خسره الإنسان العربي في العقود الأخيرة، وما الذي كسبه؟

خَسِرَ الإنسان العربي كيانه القومي، وثرواته الوطنية، وَشُنَّت الحروب على العراق، وسوريا، وفلسطين والسودان، وَفُرِضَت حرب الإبادة على غزة، ويجري تهويد الضفة الغربية، وتعميم الاستيطان.

وكسبنا -رغم كل الكوارث، وحروب الإبادة- رفض التهجير في غزة، أو فرض احتلال الضفة، وتعميم الاستيطان، واستمرار المقاومة في لبنان، وفلسطين، والتحدي الإيراني.

غزة

أمَّا في اليمن، فقد خَسِرنَا الكثير من الأمن والسلام والاستقرار، ووحدة البلد، والتعليم الحديث والمجاني. والتطبيب الهامشي محدود. الحريات العامة والديمقراطية، وهامش حرية الرأي والتعبير، وغياب العدالة، وحقوق المواطنة، والحياة المعيشية.

وَمَا كَسِبنَاه هو استمرار الأمل في الخلاص، وعدم اليأس أو الاستسلام، والقبول بالأمر الواقع كما أنَّ ما كسبناه ونكسبه حتى اليوم عناد الإنسان اليمني المقهور، وصبره، والأمل الكبير في سطوع فجر جديد لا يكذب؛ كاستشراف الشاعر الكبير إبراهيم الحضراني.

  • كيف تقرأ التحولات التي عاشها اليمن منذ مطلع الألفية الجديدة وحتى اليوم؟

تحولات الألفية امتداد لوقائع حرب 1994، وحروب التحالف العربي: الحزم والأمل، والحروب المتناسلة؛ يضاف إليها كوارث حرب الإبادة في غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، واجتياح مناطق واسعة من سوريا من قبل الكيان الصهيوني، والحرب على لبنان، والعدوان الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، وعدوان إيران ضد الأشقاء في السعودية ودول الخليج.. وإنها لمحنة!