صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن بين الرياض وأبوظبي

اليمن لم يعد فقط ساحة صراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بل تحوّل أيضًا إلى مسرح تنافس داخل معسكر التحالف نفسه، وخصوصًا بين السعودية والإمارات، وهو تنافس انعكس بوضوح على شكل الحكومة التي تم تشكيلها مؤخرًا في الرياض، وعلى طبيعة الترتيبات السياسية التي تمت، بما في ذلك مسألة حل المجلس الانتقالي أو تحجيمه، وإعادة ترتيب المشهد الجنوبي.

الحكومة التي أُعلن عنها في الرياض بدت أقرب إلى محاولة سعودية لإعادة ضبط التوازنات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتقليص النفوذ الإماراتي الذي تمدد في الجنوب والساحل الغربي خلال السنوات الماضية. غير أن هذه المحاولة لم تأتِ في سياق رؤية يمنية جامعة، بقدر ما جاءت استجابة لحسابات سعودية تتعلق بأمنها وحدودها، وبمحاولة إنهاء حالة التشتت داخل القوى المحسوبة عليها، وهو ما جعل تشكيل الحكومة يبدو وكأنه خطوة في إطار إدارة الصراع داخل المعسكر الواحد أكثر من كونه انتقالًا حقيقيًا نحو بناء مؤسسات دولة فاعلة.
أما مسألة حل المجلس الانتقالي أو إضعافه، فهي تعكس بوضوح عمق الخلاف السعودي الإماراتي حول مستقبل الجنوب؛ فبينما ترى الإمارات في المجلس أداة سياسية وأمنية تضمن لها نفوذًا طويل الأمد في الموانئ والجزر والممرات البحرية، تميل السعودية إلى صيغة أكثر مركزية تحافظ من خلالها على شكل الدولة الموحدة، وتمنع قيام كيان جنوبي خارج سيطرتها المباشرة. غير أن تفكيك المجلس أو تحجيمه دون توفير بديل سياسي مقنع قد يفتح الباب أمام فراغ جديد أو توترات إضافية في الجنوب.
السؤال الأهم هو ما إذا كانت لدى السعودية رؤية واضحة ومتكاملة لمستقبل اليمن، أم أن تحركاتها ما تزال محكومة بردود الفعل وبما تفرضه التطورات الميدانية؟ فالوقائع تشير إلى أن السياسات السعودية تجاه اليمن مرت بمراحل متعددة، من الحسم العسكري إلى البحث عن تسويات، ومن دعم أطراف معينة إلى إعادة ترتيبها، وهو ما يعكس قدرًا من البراغماتية، لكنه يكشف أيضًا عن غياب استراتيجية نهائية مستقرة يمكن البناء عليها.
لذلك، فإن مستقبل الحكومة المشكلة في الرياض ومصير المجلس الانتقالي لن يتحددا فقط بقرارات تصدر من الخارج، بل بقدرة هذه الترتيبات على الصمود أمام تعقيدات الواقع اليمني. فإذا لم تقترن الخطوات السعودية برؤية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعيد الاعتبار للشراكة الوطنية، فإن الأمر سيظل مرهونًا بما ستواجهه السعودية على أرض الواقع من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية، وقد تعود دوامة إعادة التشكيل مرة أخرى بصيغ مختلفة، دون أن يتحقق الاستقرار المنشود.

الكلمات الدلالية