الأحد 26 يوليو 2026

قحطان مقاتل وليس مدنيًا (3-3)

المعلوم أن قحطان كان قائدًا ملتزمًا ومقاتلًا جهاديًا بامتياز. لعله أقرب إلى جماعة التكفير والهجرة التي ظهرت في مصر نتيجة قسوة التعذيب للإخوان المسلمين من قبل نظام عبدالناصر، وبحكم تأثيرات أفكار سيد قطب التي جلها وردت في كتابه "معالم في الطريق"، تحديدًا فصل "الحاكمية". ولأن الجبهة الوطنية كانت تراه أشرس الجهادين مواجهة (لليسار)، فقد عمدت مرارًا إلى محاولة اغتياله.

محمد قحطان
محمد قحطان

ذات صباح، قبل أذان الفجر بحوالي ربع ساعة، كنت قد غادرت السكن باتجاه الجامع. وبالصدفة وجدت ثلاثة أشخاص أمامي. ناداني أحدهم باسمي، التفت فإذا بي أعرف تمامًا اثنين منهم. بدوري رحبت بهم، فهم من كوادر الجبهة الوطنية. بادرني أحدهم بالسؤال عن بيت محمد قحطان! قلت له: ماذا تريد منه؟

أجاب: "بصراحة أنت صاحبنا بنقول لك بالصدق؛ نحن مكلفون بمهمة اغتياله".

قلت لهم: "لا أعرفه".

قالوا: "أكدوا لنا أن بيته في هذا المربع".

قلت لهم حان الآن وقت الأذان والصلاة، لكن لا بأس، نلتقي الساعة التاسعة في دكان الحاج طالب عبدالكريم أمام الباب الكبير. فانصرفوا فيما أنا مرعوب مخافة أن يخرج قحطان من غرفته في تلك الساعة لتأدية صلاة الفجر في جامع الفلاح (القرشي).

بعد ساعتين كنت قد قمت بالتواصل مع الرفاق من قيادة الجبهة في تعز منبهًا إلى مخاطر مغامرة اغتيال قحطان، شارحًا لهم الأسباب.

بعد التواصل مع القيادة في عدن تم إلغاء مهمة الاغتيال. والحمد لله كتب لقحطان عمر جديد بفعل تلك الجهود.

عند كتابتي هذه الحلقة كنت قد أحسست بخطأ التوقيت في تناول موضوع كهذا. ولأننا في الجبهة (الوطنية) ألفنا ممارسة النقد والنقد الذاتي، فقد جلدنا أنفسنا مرارًا وتكرارًا ونحن ننتقد تجربتنا وسلوكياتنا. ولا حرج، هنا، من تقديم شديد الاعتذار للأخ اللواء عبدالقادر محمد قحطان، شقيق المرحوم محمد، الذي كنت أحد طلابه في الإعدادية العامة في المركز الإسلامي (76/1977). والاعتذار موصول لأولاد المرحوم وأفراد أسرته.

أما من تحدث حول سفري وارتحالي إلى الثمانينيات من "الإخوان"، فأقول: من لا تاريخ نضاليًا له لا حاضر له، ولا مستقبل. والمسافر عبر التاريخ أربعين عامًا أكثر حضورًا ممن يسافر إلى عصور الانحطاط في القرن العاشر الميلادي! حينها يكون قد أضاع الماضي رغم انشداده إليه، وتكون حربه ضد الحاضر والمستقبل.

ولا بأس كذلك من تذكير المتعصبين المتطرفين وضيقي الأفق الذين رشقوني بالسباب بعد نشر الحلقتين الأولى والثانية، بأن رجال قيادة الجبهة الوطنية معروف عنهم شجاعة الموقف واتساق الأقوال والأفعال. ومحمد قحطان، بالخصوص، كتب عن الجبهة، ونُشرت مقالاته كما وردت (في عام 1994)، في صحيفتي "صوت الجبهة" و"11 فبراير"، وكنت رئيسًا للتحرير، واتصل وقتها شاكرًا لاعتقاده أن ما كتبه لا يمكن نشره.

ليس عيبًا ولا منكرًا استعادة حقائق في التاريخ، ومنها أن محمد قحطان كان قائدًا للجناح العسكري في تنظيم الإخوان المسلمين (الإصلاح بعد 1990)، واليد اليمنى للفريق علي محسن صالح الأحمر. وهو أحد المشرفين على تدريب وتجهيز مجاميع جهادية للاشتراك في حرب 1994.

أما علاقتي بمحمد قحطان فقديمة وممتدة. جمعتنا جلسات نقاش، نتفق مرة، ونختلف في أخرى. وأتذكر أننا استعرضنا في جلسة شاي في دكان العم أحمد هاشم نعمان، أمام مكتبة البيان (تعز)، كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" لسيد قطب، ونصف جزء من كتاب قطب "في ظلال القرآن". والكتابان محل اتفاق خلاف الحال مع كتابه الأخير "معالم على الطريق"، وتحديدًا فصل "الحاكمية"؛ اختلفنا وتباينت وجهتانا.

محمد قحطان وجار الله عمر
محمد قحطان وجار الله عمر

وقبل قيام "اللقاء المشترك" رسميًا في 2003، كنا قد تناقشنا في جلسة مع جار الله عمر (قبيل استشهاده) حول الغايات والمقاصد. حدد جار الله مقصده في التقارب بين المكونات السياسية ونزغ فتيل الاختلافات... الخ، بينما كان غرض إخواننا في الإصلاح والقوى الشعبية وغيرهما، هو التكتل ضد نظام عفاش؛ فالدولة المدنية ودولة النظام والقانون والسلم والسلام، جميعها كانت مجرد شعارات، ولو كانت قد شكلت قناعات حقيقية لظلت قائمة بعد اغتيال الشهيد جار الله.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد تقدمنا، نحن في الجبهة الوطنية، لحكومة الوفاق (2012) بمشروع بناء دولة يبدأ بمكافحة الفساد. وكانت الفرصة مواتية للإصلاح (وشركائه) في تلك الفترة الانتقالية، في السعي إلى إقامة دولة حديثة حقيقية إن كانوا صادقين، فلا يحتاجون إلى رفع أسعار البنزين وخروج الشارع محتجًا؛ كون محاربة الفساد ستوفر أموالًا طائلة، وستتحول الموازنة المالية من "عجز -سالب" إلى "وفرة -موجب".

لعل هذه الإشارات المقتضبة يلزمني نقاشها في مقالات أخرى.

رحم الله محمد قحطان وأسكنه الجنة.

* أحد قياديي الجبهة الوطنية -الأمين العام لحزب العمال