الثلاثاء 11 أغسطس 2026

حرب عبثية قذرة!

(1)
يقول الفيلسوف اليوناني أفلاطون: "إنّ أكثر الحروب وقوعاً على وجه التدقيق، وأكثرها خسةً وحقارةً، هي الحرب الأهلية، التي يحارب فيها الناس بعضهم بعضاً".
والحرب الجارية في بلادنا تقوم على "ضرب الفقراء بالفقراء"، وهدفها الأساس هو وأد أي إمكانية لتوحيد الفقراء من كل الجماعات، ومن كل المناطق بخطاب وطني، وببرنامج ديمقراطي، يصون آدميتهم، ويصنع مصيرهم، وينتزع حقوقهم من بين أنياب أمراء الحرب، ووكلاء الخارج..!
إنها حرب بالفقراء وضداً على الفقراء، في حين تبقى نخب الصراع وأمراء الحرب في مأمن من لسعاتها الحارقة، ويا لها من حرب عبثية قذرة..!

(2)
للأسف لا يزال البعض يبدي تحمساً كبيراً لعودة الحرب ومشاهد القتل في البلاد، ويرطن بغباء فاقع عن أهمية استمرار الحرب، وضرورة الحسم العسكري!
وكأنّ لسان حالهم يردد البيت الشعري للشاعر عمرو بن كلثوم: "أَلا لا يَجهَلَن أَحدٌ علينا فَنَجهَلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا"!
والمفارقة العجيبة أن هذا "البعض" يتوزّع على ضفتي الصراع، ستجدهم في المعسكر المؤيد للحكومة الشرعية، كما ستجدهم – في الوقت نفسه – في المعسكر المؤيد لجماعة الحوثيين. وكأنّ هناك تخادم بين الطرفين!
يتعامى هؤلاء وأولئك عن حقيقة ما يجري في الواقع، من كون الحرب قد تحولت إلى لعبة عبثية يُمسك بزمامها الخارج، ويعيد من خلالها هندسة السياسة والجغرافيا في البلاد، وما القوى المحلية المتحاربة سوى أدوات مِطواعة لا تملك من أمرها شيء!
فيما يُزَجُّ بشباب اليمن وفقراءها في محارق تعود لـ"تجار الحرب" و"زعماء الطوائف" بمكاسب واستثمارات ونفوذ.
يصرفون أنظارهم عن المآلات الكارثية للحرب، وما سببته من حدوث أسوأ أزمة انسانية على مستوى العالم بحسب تقارير أممية.
يتجاهلون حقيقة أن الحرب صارت وسيلة مثلى للتربح والإثراء، وتفتيت الكيان الوطني إلى دويلات وإمارات مرتبطة بالخارج.
يتغاضون – عمداً – عن واقع أن الحرب قد خلقت مناخاً ملائماً لتنامي الجماعات المتطرفة، واللصوصية السياسية، كما وفرت غطاءً لممارسة صور شتى من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان: القتل، والإعدامات، والتعذيب، والاخفاء القسري، وإنشاء سجون سرية، وسياسات التجويع والإفقار، والنهب ...إلخ.
لا يكثرون بكل ذلك، بل ويصمّون آذانهم عن أنّات الملايين من البشر التي قد ملئت العالم صراخاً ونحيباً.. لا لشيء إلا لكي يشبعون غرائزهم الانتقامية وينتصرون لرهاناتهم الخائبة!
إنّ هؤلاء وأولئك لا يدخرون جهداً في تمجيد الحرب، وإضفاء طابع القداسة عليها، فالحرب بالنسبة لهم مسألة حتمية لا مفر منها!
يتخذون موقفاً سكونياً من الأحداث، ولا يرون الواقع إلا بما تعكسه رغائبهم الانتقامية، وطبيعة سيكولوجيتهم المغامرة، ويعوزهم الخيال السياسي عن إيجاد سبل أخرى للتعامل مع ظروف الواقع ومتغيراته.
(3)
إذا كانت الحرب قد مثلت وسيلة مثلى للوكلاء المحليين للإثراء، واحتياز مصالح غير مشروعة، وتعزيز نفوذهم على حساب مصالح الشعب، ومعيشته، وأمنه، ونسيجه الاجتماعي، وعلى حساب مستقبل الأجيال القادمة.
فإنّ المفارقة المضحكة والمبكية في آن؛ أن الحرب تتحول لدى نفر من "النشطاء المدنيين" و"الكُتَّاب" إلى عقيدة راسخة، وغاية في حد ذاتها!
هؤلاء النفر مأخوذين بهوس "العنف الثوري" على الطريقة "التروتسكية"، ويعتبرون "الحرب" هي التعبير العملي عن "الثورة الدائمة"، وبالمقابل يُسفِّهون العمل السياسي والمدني ويرون فيه نهج الضعفاء!
أما الحديث عن السلام لدى هؤلاء فهو بمثابة خيانة تستوجب محاكمة أصحابها!
هذا الموقف المتطرف يجعل هؤلاء لا يختلفون عن أكثر العناصر السلفية تشدداً بوعي أو بدونه. ليس ذلك وحسب، بل ويخدمون من حيث أدركوا أم لم يدركوا الانقلاب الحوثي الذي يدّعون أنهم يناهضونه بلا هوادة. فالتطرف يخدم التطرف المضاد بالضرورة.
(4)
من أمريكا شمالاً إلى استراليا جنوباً، وما بينهما ثمة مدن وعواصم شتى في دول مثل: بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا ومصر والأردن ولبنان وقطر والإمارات والسعودية وعُمان...إلخ؛ ينظّرون للحرب وضرورة استمرارها ويعملون على دفع "ضحايا التاريخ" من شباب اليمن الفقراء إلى محارق النزيف الوطني..
يدّعون النضال كذباً، ويتمسحون بلبوس الوطنية زيفاً..!
ويصابون بسُعار حاد كلما عبّر المواطنون المطحونون برحى الحرب والجوع والفقر والجائحة عن ضرورة إيقاف الحرب وأهمية بناء السلام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه..!
مثل هؤلاء أصبحت الحرب بالنسبة لهم مصدراً للكسب، وللظهور الإعلامي، حتى وإن كان على حساب أوجاع وآلام الملايين من البشر، وسقوط البلاد في مهاوي التشظي والتفكك..
(5)
يقول الحكيم علي ولد زايد في وصف الحرب:
"أول الحرب عدامة
ووسطها غرامة
وآخرها ندامة
وبعدها السلامة"
أما الشاعر امرئ القيس "الملك الضليل" فيقول:
الحربُ أول ما تكون فَتِيةً ----- تسعى بزينتها لكل جَهُولِ
حتى إذا استعرتْ وشبَّ ضِرامُها ----- عادتْ عجوزاً غيرَ ذاتِ خليلِ
شمطاءَ جزَّت رأسها وتنكَّرتْ ----- مكروهةً للشَّمِّ والتقبيلِ
والمعنى يكاد يكون متطابق في النصين، فالحرب في بدايتها تكون جذابة ومغرية مثل فتاة شابة جميلة ومتزينة، تأسر الألباب، وتصيب الناس بالعدامة (أو العدمية) وإضاعة العقول.. ولكن حقيقتها تنكشف مع استمرارها واشتدادها لهيبها، فتصبح مصدر للخراب والدمار والندم، وعندها لا يكون من سبيل أمام المتحاربين إلا البحث عن مخرج للنجاة والسلامة.