الوحدة اليمنية بين وهم التعددية الديمقراطية وإرث الإقصاء السياسي
تعد المشاركة السياسية والرأي الآخر جوهر العملية الديمقراطية في أي بلد يؤمن بالحرية والعمل السياسي الذي يخدم المجتمع وينمي قدراته في صناعة الحاضر والمستقبل، في ظل قواعد منظمة من العمل المؤسسي التشاركي المرتب وفق ضوابط وحوكمة تفرضها قوة القانون وعدالته وقوة مؤسسات الدولة، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى، وهذا المستوى من النضج تعبر عنه بوضوح الدول ذات الإرث التاريخي لتجذر مفهوم الديمقراطية فيها، وحرية الرأي والتعبير، وأصالة ونضج المؤسسات المنبثقة عنها.
وهذا النوع من الحوكمة الناظمة التي استعرضناها هنا لا يعني بتاتاً القول إن اليمن وصلت إليه أو اتجهت نحوه بشكل عملي بعيداً عن الوهم والرتوش التي صورت السير في اتجاه الفعل الديمقراطي التعددي، كما كان مخططاً له في مسار دولة الوحدة التي وضعت الخطوط العريضة للسير في مسلك التعددية السياسية والفعل الديمقراطي الحر، ولم يكن ذلك، رغم سمو وجزالة المشروع، إلا نوعاً من المزايدة السياسية والقفز من خيمة الشمولية بأطرها ونظرياتها السياسية المختلفة التي تحكمت بالمشهد السياسي في شطري اليمن قبل الوحدة.
إن النظر إلى الخلافات والصراعات السياسية التي قادت إلى التهميش والإقصاء الممنهج للتيارات والكيانات السياسية الفاعلة في المشهد السياسي اليمني بعد الوحدة، وما ترتب على ذلك من حرب كلفت اليمن الكثير، ولا يهم هنا الوصول إلى نتائج الصراع المعروفة، بل السؤال: من المستفيد من استمرار وتوارث التهميش والإقصاء السياسي الذي يمارس بصورة ممنهجة، ويقود - بصورة أو بأخرى - إلى استمرار الصراع لانعدام العدالة والمساواة وفق مبدأ "تساوي الفرص بين الجميع"؟ وقبل التنظير للحلول، لا بد من وضع القارئ الكريم أمام مفارقات التجربة السياسية في اليمن كقاعدة سار عليها الجميع بعد أن تولى مقاليد الحكم، وهذه الإشارة تبين جذور مشكلة الإقصاء السياسي، لا العمل الديمقراطي الذي قفزت إليه دولة الوحدة للهروب من واقع الحكم الشمولي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عاش شمال اليمن منذ الاستقلال في نهاية الحرب العالمية الأولى تحت وطأة نظام سياسي ديني شمولي حكم على اليمن الشمالي بالعزلة السياسية حتى أطيح به في 26 سبتمبر عام 1962م. ورغم أهمية التغيير كفعل سياسي من شأنه بعث الطاقات بدماء جديدة لتلك التي وصلت إلى نهاية مشروعها السياسي بعد أن عجزت عن تقديم أي جديد يلبي طموحات الجماهير، وهنا يهمنا نموذج التغيير وطريقة إنتاجه لترسيخ مفهوم العمل السياسي الذي سار في اتجاه الإقصاء أو الإزاحة بالقوة لتعذر أي عملية إصلاح سياسي يقوم بها النظام، والنتيجة دخول اليمن في دوامة الصراع على السلطة لقرابة ثماني سنوات. لكن الشيء المختلف أن النظام السياسي الذي جاءت به الثورة، رغم نجاحاته الكبيرة في تغيير وجه اليمن الشمالي رغم الحرب، عاد إلى المربع الأول الذي ثار من أجله، ولم يعمل على بناء نظام ديمقراطي تشاركي كآلية لنقل السلطة، وظلت الطريقة المتبعة في عمليات التغيير تتسم بالإقصاء، سواء بالانقلاب الأبيض أو الدموي، وأصبح ذلك نهجاً متبعاً سار عليه النظام السياسي الشمولي وفق أطر رأسمالية جرمت التعددية الحزبية إلا في إطار حزب المؤتمر الشعبي العام الذي جرى تأسيسه عام 1982م.
لم تختلف عمليات التغيير السياسي في الشطر الجنوبي من اليمن بعد نيله الاستقلال من الاحتلال البريطاني في 30 نوفمبر عام 1967م بقيادة الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل التي تولت زمام الحكم. وبالرغم من أن العملية السياسية في الشطر الجنوبي كانت أكثر نضجاً من الشمال بفعل وجود تيار سياسي منظم يدير عملية التغيير داخل مؤسسات الدولة وكيانها، وهذا الشيء الوحيد الذي ميز العمل السياسي في جنوب اليمن عن شماله، لكن الشيء الذي شكل حالة من الإجماع في الشطرين، رغم اختلاف النظام السياسي فيهما، هو أن عملية التغيير سارت وفق منهج ورؤية واحدة، وهي الإقصاء السياسي والعنف عند كل دورة تغيير في إطار الحزب الشمولي الواحد الذي مارس القمع والإرهاب، بدءاً من يونيو 1969م، ومروراً بعملية التغيير والإقصاء في عام 1978م، وانتهاءً بدورة العنف الكبيرة التي تميزت بالقتل على الهوية في 13 يناير عام 1986م، بالرغم من عراقة التجربة السياسية ونضجها المدني بعيداً عن "الأيديولوجيا" والتعصب القبلي الذي كان يرزح الشمال تحت تناقضاته. ورغم ذلك، وبالنظر إلى طبيعة التغيير وعنفوانه التي فتحت الباب أمام استحداث تكتل قروي عصبوي قاد إلى خلق مسار عنيف للصراع على السلطة في عدن والبحث عن التغيير السياسي عبر فوهات البنادق.
والسؤال: هل اعتماد الوحدة اليمنية التي تم الاتفاق عليها يوم 22 مايو 1990م لمسار التعددية الحزبية واتباع النهج الديمقراطي في عملية التغيير السياسي في دولة الوحدة كان القصد منه الابتعاد عن عمليات التغيير السياسي العنيف الذي شهده الشطران بين الحين والآخر عند إجراء أي تغيير سياسي؟
إن منظري الوحدة وصانعيها من النخب السياسية التي عاشت مآسي دورة التغيير السياسي الدموية والعنيفة في شطري اليمن قبل الوحدة حاولوا وضع حد لعمليات التغيير السياسي العنيف، وتوافق الجميع على اتباع نهج أقل كلفة يمنع استمرار النزيف عند إجراء التغيير السياسي، وهذا التحول يشكل حالة كبيرة من الوعي والنضج السياسي الكبير الذي وصل إليه المثقفون والنخب السياسية اليمنية، لكن المعضلة الحقيقية التي لم يتم معالجتها من قبل هؤلاء المفكرين أو جرى تجاهلها رغبة منهم بعدم خلق عراقيل تمنع اليمنيين من تحقيق حلمهم الكبير، وهو إعادة اللحمة لأبناء الشعب اليمني شماله وجنوبه، وتجسد التجاهل في الآتي:
أولاً: الإخفاق في وضع آلية مزمنة تضمن عملية الانتقال إلى ترسيخ قواعد النهج الديمقراطي وبناء مؤسسات حكومية قوية تساعد في نجاح العمل الديمقراطي وترسخ الممارسة الديمقراطية بكل حرية وشفافية.
ثانياً: وضع آلية سياسية ملزمة لقيادة الشطرين اللذين توافقا على توقيع اتفاقية الوحدة اليمنية لتقديم استقالتهما من الحكم وإفساح الطريق أمام نجاح تجربتهما السياسية التي خلقت عملاً وطنياً سيتناقله الأجيال.
ثالثاً: تأسيس جيش وأمن وطني بعد دمج جيشي الشطرين وتسليمه لقيادات وطنية، بعيداً عن الولاءات السياسية السابقة، ليكون المؤسسة الوحيدة القادرة على ضمان انتقال سلمي للسلطة وفقاً لقواعد الديمقراطية ومنع استغلال القيادات السياسية لمؤسسات الدولة في إقصاء الشركاء السياسيين.
رابعاً: بناء مؤسسة القضاء بشكل مهني ومستقل لتكون شوكة الميزان في تطبيق النظام والقانون وضمان العدالة والمساواة ومنع أي اختلال أو اختراق سياسي لعملها تحت أي ظرف.
إن التطبيق العملي والمهني لبناء قواعد مؤسسية راسخة وضامنة كان كفيلاً ببناء مشروع سياسي ديمقراطي تشاركي جديد في المنطقة العربية لو أخلص الجميع النوايا لبناء اليمن الأرض والإنسان قبل الذهاب لقطف ثمار الوحدة وتحويلها من مشروع وطني جامع لنقل اليمن الكبير إلى مصافي الدول الكبرى، عوضاً عن تحويله إلى مشروع شخصي يحيا بحياته وينتهي بمماته، لأن المشاريع الوطنية العملاقة تحتاج إلى إرادة خالصة ومتجردة للوطن بعيداً عن أي حسابات أخرى.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.



