ناشر العبسي.. من صراعات الأمس إلى تبييض جرائم الحاضر
ارتبطت مسيرة ناشر العبسي السياسية بنشاطه المسلح في صفوف الجبهة الوطنية الديمقراطية التي خاضت تمرداً عسكرياً فيما كان يعرف بالمناطق الوسطى من شمال الوطن خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. وشهد ذلك الصراع أعمال قتل واختطاف واحتجاز خارج القانون وعمليات تخريب، وسط حرب داخلية تورطت فيها أطراف متعددة ودفعت المجتمعات المحلية ثمنها.

عرف عن ناشر العبسي في حياته السياسية حماسه للعمل المسلح في صفوف الجبهة الوطنية الديمقراطية، وظل حالماً بتلك الفترة إلى ما بعد قيام الوحدة، وعرف عنه مناوئته للحزب الاشتراكي اليمني وقيادته بتهمة خيانتهم لمقاتلي الجبهة الوطنية الديمقراطية الذين جرى بيعهم أو التخلي عنهم من قبل الحزب مراضاة لشريكهم الجديد المؤتمر الشعبي العام، وتخلصاً من عبئهم المالي والتاريخي الأسود.
وتتضمن كتب ودراسات تاريخية أعدّها باحثون قريبون من التيار اليساري أو متعاطفون مع روايته إشارات واضحة إلى جانب من الممارسات الدموية للجبهة، والتي أطلق عليها رسمياً وشعبياً أنشطة التخريب وعلى منفذيها وصف "المخربون". ومن أبرزها كتاب "الحركة الوطنية اليمنية من الثورة إلى الوحدة" للأستاذ سعيد أحمد الجناحي، وكتاب "تاريخ اليمن المعاصر 1917–1982" لمجموعة من الباحثين السوفييت. يذكر الجناحي في كتابه (ص 541 ط1) أن الجبهة امتلكت سجوناً خاصة، وأن عشرات المخطوفين أودعوا سجن المنصورة في عدن، كما يشير إلى أن عدداً من الأسرى والمخطوفين لقوا حتفهم خلال أحداث العنف المسلح. أما الكتاب السوفييتي، ففي الصفحة 289، وصف ما نفذته فرق الجبهة في المناطق الوسطى بأنه "عمليات مسلحة غير ضرورية وغير مبررة".
وفي هذا السياق التاريخي، يجدر التذكير بما كشفه وأقرّ به الشهيد جار الله عمر نفسه في مذكراته وشهادته التاريخية؛ إذ اعترف بوضوح أن عمليات التمرد في المناطق الوسطى تأسست ومُوّلت بتوجيهات مباشرة من نظام عدن والحزب الحاكم هناك (الجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي اليمني)، لاستخدامها كورقة ضغط سياسية وعسكرية ضد نظام صنعاء، مع كل ما رافق ذلك من أعمال التخريب والقتل والاغتيالات للشخصيات السياسية والاجتماعية، وتلغيم الطرقات، وتسميم الآبار، فضلًا عن اختطاف المواطنين المعارضين للجبهة أو الرافضين لمشروعها المسلح، وترحيل عدد منهم إلى عدن، حيث أُودعوا في السجون الجنوبية واحتُجزوا خارج أي إطار قانوني أو قضائي. ولم تكن هذه الممارسات مجرد تجاوزات فردية، بل كانت جزءًا من أدوات الصراع التي استخدمت لإخضاع المجتمع المحلي وإرهاب خصوم الجبهة، بما يؤكد أن ذلك التمرد الدموي لم يكن ينطلق أساسًا من مبادئ وقيم ثورية نابعة من تطلعات المجتمع المحلي، بقدر ما كان مشروعًا سياسيًا وأمنيًا يخدم حسابات نظام عدن الماركسي أكثر مما يخدم أبناء تلك المناطق الذين عاشوا طيلة اثني عشر عاماً سوداء تحت وطأة الدمار والترويع.
والمفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن هذا التمرد، الذي رُفعت فيه شعارات التحرر والعدالة والحداثة والتقدم، كان يحظى بالدعم والتمويل من أسوأ الأنظمة الديكتاتورية القبلية والطائفية المتخلفة في المنطقة؛ بدءاً من نظام عدن القبلي المتخلف المتوشح بشعارات الماركسية اللينينية، مروراً بالنظام الطائفي البعثي في سوريا، والنظام الدموي المتخلف بزعامة مانغستو هايلا مريم في الحبشة، والنظام المتخلف الدموي لمعمر القذافي في ليبيا، فضلاً عن التعاطف الخفي المعروف من الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي المقبور. وهي مفارقة عجيبة لمنظومة أنظمة تدعي "التقدمية" وتتستر خلف شعاراتها البرّاقة، بينما هي غارقة في التخلف والرجعية والتبعية ومصادرة حريات شعوبها وقهرها.
ومن هنا، ليست المشكلة في أن يكتب ناشر العبسي أو غيره مقالاً نقدياً عن الأستاذ المناضل محمد قحطان؛ فالنقد حق مكفول، ولا توجد شخصية سياسية فوق المساءلة. لكن ما يثير التساؤل هو توقيت المقال وطريقة تناوله لرجل مغيّب قسراً، لا يستطيع الرد أو الدفاع عن نفسه فضلاً عن أخطائه التاريخية والسياسية.
مضى أكثر من أربعين عاماً على انتهاء حروب المناطق الوسطى، ودخلت القوى التي تصارعت آنذاك في مسار من المصالحة، ثم انتقلت إلى التنسيق والتحالف ضمن تكتل اللقاء المشترك. وقدّم قادة تلك التيارات نموذجاً سياسياً مدنياً مهماً، وكان للشهيد جار الله عمر والأستاذ محمد قحطان دور بارز في بناء ذلك التقارب وتحويل جانب من الخصومة القديمة إلى شراكة سياسية. وطوال سنوات العمل السياسي المشترك، كان محمد قحطان حاضراً في اللقاءات والمنتديات ومتاحاً للنقد والمواجهة. ومع ذلك، لم تُطرح في مواجهته، على النحو نفسه، الاتهامات التي تُنشر اليوم بعد اختطافه وإخفائه.
ومن مقتضيات الإنصاف وشرف الخصومة أن يُواجَه الإنسان بالنقد عندما يكون حاضراً وقادراً على الإجابة، لا أن تُفتح معه معركة سياسية وهو مغيّب لا يُعرف مصيره. فالكتابة عن المختطف تفرض على الكاتب قدراً مضاعفاً من التوازن، لأن الطرف المستهدف محروم من أبسط حقوق الرد. وقد وقف محمد قحطان في شبابه علناً وليس سراً ضد مشروع الجبهة الماركسية المسلح، ثم أصبح لاحقاً شريكاً في مشروع سياسي مدني مع خصوم الأمس بعد أن تخلوا عن مشروعهم الفكري والعسكري. وفي عام 2015 احتجزته جماعة الحوثيين الانقلابية وأخفته، وحرمت أسرته من زيارته، ولم تكشف بصورة موثوقة إن كان حياً أو ميتاً. ورغم إعلان اتفاق سابق بشأن الإفراج عنه، بقي مصيره مجهولاً.
ولا نتحدث هنا عن مجرد تجاوز أو انتهاك سياسي؛ فالإخفاء القسري جريمة قائمة بذاتها، وحالة محمد قحطان تتوافر فيها وفق المعلومات المعلنة، عناصر هذه الجريمة المستمرة منذ عام 2015. أما الصمت عن مصيره، أو تبرير سلطة الجهة المسؤولة عن إخفائه، أو خلط الأوراق كما فعل العبسي للتخفيف من جريمة ومسؤولية الحوثيين بنبش الماضي البعيد فلا يمكن تقديمه بوصفه موقفاً سياسياً عادياً أو قراءة تاريخية؛ فالحكايات التي سردها العبسي هي في أحسن الأحوال روايات يلزم إخضاعها للنقد وليس تاريخاً كما قال البعض مبرراً لها.
وفي مقابل الوضع المأساوي لقحطان فإن ناشر العبسي الثائر التقدمي، الذي ظل طوال حياته يرفع شعارات مناهضة الرجعية والكهنوت، يواصل نشاطه السياسي من صنعاء الواقعة تحت سلطة جماعة الحوثيين كما عرفنا من وصفه لنفسه بأنه أمين عام حزب العمل. وقد دعا إلى إنهاء حالة القطيعة بين جناح المؤتمر في صنعاء والجماعة، كما تحدث عن إعادة تنشيط الجبهة الوطنية الديمقراطية في الضالع ولحج وعدن وغيرها من المحافظات الجنوبية والشرقية، تحت عنوان مواجهة ما يصفه بالمؤامرات التي تستهدف اليمن، وذلك في تصريح لموقع "الميثاق نت" بتاريخ 3 يناير الماضي.
ومن حق ناشر العبسي اختيار موقعه السياسي والدفاع عنه، كما يحق للآخرين نقده عن هذا الموقع. فالمفارقة تستحق النقاش: كيف انتقل سياسي رفع طوال مسيرته شعارات مناهضة الرجعية والكهنوت إلى موقف سياسي وخطابي ينسجم اليوم مع سلطة جماعة ذات مشروع ديني كهنوتي طائفي مسلح؟ وكيف يمكن مهاجمة محمد قحطان عن ماض وتجاهل أن الجهة التي أخفته هي نفسها التي يعمل الكاتب تحت سلطتها ويدعو إلى التقارب معها؟
لقد تجاوز جار الله عمر ومحمد قحطان جانباً كبيراً من صراعات الماضي، وأسّسا مع آخرين تجربة سياسية مدنية سلمية جمعت خصوماً سابقين. أما استدعاء تلك الخصومات اليوم لمهاجمة رجل مغيّب، فيعيد الخطاب السياسي إلى مرحلة كان اليمنيون قد قطعوا خطوات مهمة لتجاوزها، ولا يستفيد منها في الوقت الراهن إلا جماعة الحوثيين المسؤولة قانونياً وإنسانياً عن قحطان، ويبرر لها جريمتها مقابل ثمن بخس الله أعلم به.
إن الخلاف مع محمد قحطان أو نقد تجربته السياسية أمر مشروع. لكن الإنصاف يقتضي أولاً المطالبة بالكشف عن مصيره وتمكينه من حريته وحقه في الرد. وحتى يحدث ذلك، سيظل توقيت الهجوم عليه جزءاً أساسياً من تقييم المقال ودوافعه السياسية واللاأخلاقية.
