الإثنين 3 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • جمود دبلوماسي وتجريف إداري... سفارة اليمن في روسيا خارج نطاق الخدمة السيادية..!

جمود دبلوماسي وتجريف إداري... سفارة اليمن في روسيا خارج نطاق الخدمة السيادية..!

لا يمكن قراءة المشهد السريالي الذي تعيشه سفارة الجمهورية اليمنية في العاصمة الروسية موسكو، تحت إدارة السفير أحمد سالم الوحيشي، إلا باعتباره نموذجاً صارخاً للتجريف الإداري والدبلوماسية الهشة التي تضرب عمق المصالح السيادية للبلاد.

 فبينما يُفترض بالبعثات الدبلوماسية أن تكون قنوات حيوية لبناء الجسور وتوطيد العلاقات مع دول الثقل الاستراتيجي ك روسيا الاتحادية، تحولت سفارتنا هناك إلى جزر معزولة غارقة في مستنقع الخلافات البينية، والفتن، والدسائس، وتصفية الحسابات الشخصية، مما انعكس سلباً وبشكل مباشر على وتيرة التنسيق السياسي والأمني مع موسكو. وتكشف الإحصائيات الصادمة من داخل أروقة السفارة عن اختلال بنيوي ونفسي عميق في إدارة هذا المرفق السيادي؛ فأن يشهد مكتب السفير تغيير وتطفيش أكثر من خمس سكرتيرات ومثلهم من السائقين والإداريين خلال فترة تواجده، لهو دليل قاطع على بيئة عمل طاردة، ومؤشر على غياب أدنى مستويات الاستقرار الإداري. هذا التدوير التعسفي المستمر لا يعكس حرصاً على تجويد العمل، بل يكشف عن عقلية إقصائية تعجز عن احتواء الكوادر أو التأسيس لتقاليد عمل مستقرة، مما يضع علامات استفهام كبرى حول طبيعة المعاملة والضغوط التي يمارسها رأس البعثة على مرؤوسيه.

وفي الوقت الذي يتم فيه إقصاء الكفاءات الدبلوماسية وتهميش الموظفين من ذوي الخبرة الطويلة—الذين يُفترض أنهم ركائز العمل ومفاتيح التواصل مع الدوائر الروسية—تبرز ظاهرة الفساد والمحسوبية الفجة بشكل مستفز، حيث يمثل الإقدام على توظيف قريبه(إبن أخيه) ، وهو طالب جامعي لا يزال في مرحلة الدراسة ولا يمتلك أي مؤهلات أو دراية بالعمل الدبلوماسي، طعنة في خاصرة العمل المؤسسي، وتعدياً صارخاً على مبادئ النزاهة.

هذا السلوك لم يكتفِ بإهدار حقوق الكوادر المستحقة، بل حول السفارة من منشأة وطنية تمثل الشعب اليمني قاطبة إلى إقطاعية عائلية تُدار لحسابات شخصية ضيقة، يتخللها التوتر الدائم، والسب والشتم الموجه للموظفين بشكل يندى له الجبين.

وهنا يتجلى التساؤل الجوهري والمنطقي الصادم: إذا كان السفير الوحيشي قد عجز تماماً عن نسج علاقات طيبة وتطبيع الوضع الداخلي داخل أسوار سفارته، وفشل في مد جسور التواصل والوئام بين أبناء جلده ووطنه من المغتربين في وطلاب في روسيا، فكيف يمكنه بأمانة واقتدار أن ينسج علاقات دبلوماسية معقدة مع دولة الإعتماد بحجم روسيا الاتحادية، أو يوطد صلات فاعلة مع سفراء الدول العربية والأجنبية في موسكو؟ إن القاعدة الذهبية في العمل الدبلوماسي تؤكد دائماً أن من فشل في إدارة سفارته وبيته الداخلي لن ينجح أبداً خارجها، وأن الفشل في الداخل هو انعكاس حتمي للفشل في الفضاء الخارجي الأرحب. وإن خطورة هذا العبث تتجاوز الجدران المغلقة لتهدد الأمن القومي اليمني بشكل مباشر؛ إذ إن تحول السفارة إلى كيان مشلول في عاصمة تمتلك حق "الفيتو" بمجلس الأمن الدولي يعني تجريد الشرعية اليمنية من سلاح سياسي حاسم للدفاع عن قضاياها، والتسبب في شلل استخباراتي وسياسي يجعل الدولة عمياء عن قراءة كواليس الموقف الروسي، فضلاً عن قطع خطوط التواصل الساخنة للتنسيق العسكري والأمني التاريخي بين البلدين.

هذا الفراغ الدبلوماسي القاتل الذي تركه السفير يفتح الباب على مصراعيه للخصوم والإنقلابيين لملء هذا الفراغ ونسج علاقات بديلة تسوق لروايتهم وتضرب شرعية الدولة، مما يعري الهيبة السيادية لليمن ويجعل صناع القرار في موسكو ينظرون إلينا كدولة فاشلة لا يمكن الاعتماد عليها كشريك حقيقي، تزامناً مع خذلان إنساني مرير لملفات أبناءالجالية و الطلاب الذين تركتهم السفارة يواجهون مصيرهم بمفردهم نتيجة انشغال رأس البعثة بمعاركه الجانبية الكيدية. وتزداد الصورة قتامة حين ندرك أن هذا التخبط مستمر منذ أكثر من ثماني سنوات ، حيث انتهت الفترة القانونية لعمل السفير في موسكو دون أن يتم استدعاؤه أو محاسبته، بالرغم من تجاوزه السن القانونية وبلوغه سن التقاعد منذ العام 2005.

إن استمرار هذا الصمت الرسمي المريب تجاه ما يحدث في موسكو لم يعد مجرد خطأ إداري يمكن التغاضي عنه، بل هو تواطؤ صريح في تبديد المقدرات السيادية للدولة,فكيف لبلد يمر بمنعطف تاريخي ومصيري أن يترك واحدة من أهم قلاعه الدبلوماسية في العالم رهينة لعقلية الإقصاء والمحسوبية والشيخوخة الوظيفية؟ إن بقاء السفير الوحيشي في منصبه بعد كل هذا الفشل الاستراتيجي والفساد المؤسسي هو إهانة بالغة لتاريخ الدبلوماسية اليمنية، واستخفاف مستفز بمعاناة الطلاب والمغتربين، ولذلك فإن مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الخارجية مطالبون اليوم، قبل غد، باتخاذ قرار شجاع ينهي هذه الحقبة المظلمة، ويعيد هيكلة البعثة في موسكو على أسس الكفاءة والنزاهة،وتطهير العمل الدبلوماسي من العقليات التي ترى في المنصب حصانة مطلقة ومغنماً لا مسؤولية، فالوطن لم يعد يحتمل مزيداً من الخذلان.

ولحماية ما تبقى من وجه اليمن ومصالحه العليا أمام المجتمع الدولي.