قحطان مقاتلاً وليس مدنياً(2-3)
اضطرننا إلى المواجهة معهم، وتم استعادة القرى التي كانوا قد سيطروا عليها في إطار تعزيزات كبيرة من ألوية عسكرية تابعة لسلطة صنعاء، ولأن الحرب سجال، فكنا نستعيد منطقة أو قرية من الجبهة الإسلامية، وخلال يوم أو يومين أو أسبوع نجدهم قد سيطروا عليها ثانية. حتى جاء اتفاق تعز بين نظامي عدن وصنعاء، لتمارس سلطات عدن ضغوطاً على قيادة الجبهة بالانسحاب من المناطق التي استولت عليها، والمثول للحوار، أو قل الخدعة. لم يكن لنا من خيار غير الاستجابة لما طرحته سلطة عدن، باعتبار أن الكثير من مصالح قيادات وكوادر وأفراد الجبهة لازالت مرتبطة وقتها بالحزب الاشتراكي.

حينها تم اعتقال العديد من قيادات الجبهة، والرمي بهم في السجون والمعتقلات، لعل منهم الرفيق المناضل علي محمد قاسم هادي، الذي اعتقل من قبل الأمن الوطني، وكان المسؤول عن التحقيق معه العقيد محمد بن عبدالله اليدومي، رئيس شعبة مكافحة الشيوعية، الرئيس الحالي لتنظيم الإصلاح (الإخوان)، وظل لأيام يحقق معه، ويكرر التحقيقات والمحاولات، لعله يفوز بأي اعتراف، ولو كان متواضعاً، إلا أنه قابل مناضلاً صلباً لا تلين له قناة. ومع إصراره وعناده، قابل ذلك عناد وإصرار أكبر من اليدومي على انتزاع أي اعتراف. فبلغ به الأمر، كما يقال، والعهدة على الراوي، أنه كان يعلقه في الغرفة كما تعلق الشاه بعد ذبحها لسهولة خلسها، ويظل كذلك، واليدومي يتوجه إلى الجامع لتأدية الصلاة (إنها التقوى والورع يا سبحان الله). لم تسعفه صلاته بالانتصار على الشيوعي الكافر الملحد المناضل علي محمد قاسم، وبعد ذلك بأيام توفي هذا المناضل بظروف غامضة.
كان (الإخوان) قد اتفقوا مع قيادة عدن بتصفية الجبهة وقيادتها وكوادرها وأعضائها، ترافق مع ذلك الاتفاق دعماً مالياً خارجياً.
وكان علي صالح قد سلم قيادة الأجهزة الاستخباراتية، مثل الأمن الداخلي والأمن الوطني، إلى قيادة وأفراد الإخوان المسلمين في المركز بصنعاء وفروع المحافظات، كما سلم قيادة أجهزة الشرطة على مستوى المدن والمديريات. وقد رأينا قيادات وأفراد الإخوان المسلمين يتولون التحقيقات مع المناضلين من أعضاء وكوادر الجبهة، ولعل ناشطين من الحزب الاشتراكي قد قاموا برصد أسماء الإخوان المسلمين في كشوفات شملت محمد قحطان، ورياض عبدالحبيب القرشي، وعلي السعيدي، وغيرهم كثر، والذين قاموا بدور التعذيب للمعتقلين. ولعله مما أتذكره أنه كان أخي الأصغر (علي) يدرس دراسة تقوية في المركز الإسلامي بتعز، وبكل مصداقية كان المدرسين على قدر عال من التأهيل والمقدرة لتوصيل المعلومات إلى الطلبة، جزاهم الله خير الجزاء. من هؤلاء المدرسين: عبدالقادر قحطان، ومحمد قحطان، ورياض القرشي، ومهدي أمين سامي، وشرف الدين الصبري، وغيرهم.
وكنت وأخي نرتاد المركز باستمرار لسماع المحاضرات والدروس. وربما كان الأخ محمد قحطان قد توجس منا بعد حضوري اجتماع الجبهة معهم، فقال للرعوي الحارس في المركز: راقب ناشر وأخيه علي بعيون مفتوحة. فرد عليه: هؤلاء من أفضل الذين يترددون على المركز، ويتلزمون بإعادة إعارة الكتب في المواعيد المحدودة. ولما سمع هذه الشهادة من الرعوي، جلس معي وأخي، وقال: بصراحة، استقامتك وأخوك معلومة، فماذا تريد من الجبهة بالضبط، وبالتحديد؟ قلت: أنا أبحث عن العدالة الاجتماعية، والحكمة ضالة المؤمن، أين ما وجدها فليتبعها. قل لي، نحن إخوانك، اطلب، مستعدين نساعدكما. قلت: ليس لي من طلب منكم إلا ترك التعامل مع الخارج. قلت له: المطروح يا أستاذ محمد أن أفرادكم، بموجب توجيهات منكم، دفنوا خمسة أشخاص من أعضاء الجبهة الوطنية (أحياء) في شرعب، ما صحة ذلك؟ فقال: الحقيقة كانت هناك مواجهة بين أفراد الجبهة الإسلامية، ومعهم حملة من السلطة، وأفراد من الجبهة الوطنية، الذي بدورهم قاوموا الحملة، فقتلوا وتم دفنهم في المنطقة، والأهالي يعرفون هذا الأمر، وشخصياً ليس لي في هذه المعركة أي توجيهات. وحول واقعة اعتقال خال الأخ محمد قحطان من قبله، كان وقتها قحطان قد نفى مثل هذه المعلومة.
يتبع.
أحد قيادة الجبهة الوطنية
الأمين العام لحزب العمال
