الأحد 23 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • إلى المؤتمريين.. في ذكرى التأسيس الـ44: تحية وعتاب

إلى المؤتمريين.. في ذكرى التأسيس الـ44: تحية وعتاب

يعد المؤتمر الشعبي العام واحدا من أهم وأبرز الأحزاب السياسية اليمنية الوازنة، ليس لجماهيريته الواسعة، وامتداد عضويته على معظم مناطق وقرى الخارطة الجغرافية اليمنية فحسب، وإنما لما اضطلع به من أدوار محورية في رسم ملامح الحياة السياسية اليمنية، وتحديد مساراتها وتوجهاتها، منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن العشرين وحتى الراهن.

شعار المؤتمر الشعبي العام
شعار المؤتمر الشعبي العام
لقد شكل المؤتمر، على امتداد تاريخه، معادلا رئيسيا في توازنات الحياة السياسية اليمنية المعاصرة، وتحكم في كثير من مساراتها ومآلاتها، بل كان في مراحل عديدة اللاعب السياسي الأبرز، إن لم يكن الوحيد، في صناعة القرار وتوجيه الأحداث، بما أفضى أحيانا إلى نتائج إيجابية، وأحيانا أخرى إلى نتائج لا تخلو من السلبيات.
ومن هنا، قد لا يختلف اثنان حول محورية المؤتمر الشعبي العام، وما يمثله من ثقل سياسي واجتماعي، سواء في مراحل تاريخه السابقة أو فيما يمكن أن يعول عليه مستقبلا، شعبيا ونخبويا، في لحظة يمنية شديدة التعقيد والخطورة.
فقد ولد سلطويا، ونشأ نخبويا، وقاده فرد واحد، ومارس السياسة شعبيا، ورفع راية الوحدة وطنيا، واتسع أيديولوجيا وفكريا ليكون مظلة لأطياف سياسية واجتماعية متعددة.
ولد المؤتمر في سياق سياسي فرضته ظروف محلية وإقليمية ودولية معقدة، وأملته في جانب منه ضرورات المرحلة السياسية التي كانت تعيشها اليمن والمنطقة، في ظل أجواء الحرب الباردة وتنافس محاورها وأقطابها.
ثم نشأ في إطار نخبوي، قبل أن يتحول تدريجيا إلى حزب جماهيري واسع، استطاع أن يستوعب داخل صفوفه قطاعات اجتماعية وسياسية وفكرية متباينة، وأن يقدم نفسه بوصفه مظلة سياسية تتسع للاختلاف والتنوع، ما دام الجميع يلتقون عند سقف الدولة والوطن والوحدة.
وقد ارتبط المؤتمر منذ تأسيسه بشخصية الرئيس علي عبدالله صالح، الذي ظل رمزه الأبرز وقائده التاريخي لعقود طويلة، حتى أصبح اسمه وتاريخه متداخلين، إلى حد كبير، مع تاريخ الحزب ومسيرته السياسية.
ومارس المؤتمر السياسة على نطاق شعبي واسع، فامتدت عضويته إلى مختلف المحافظات والمديريات والمناطق اليمنية، وشارك أعضاؤه وكوادره في معظم الفعاليات السياسية والشعبية، الأمر الذي منحه حضورا جماهيريا لا يمكن تجاهله في معادلة السياسة اليمنية.
كما ظل المؤتمر، على المستوى الوطني، متمسكا بشعار الوحدة اليمنية، رافعا علم الجمهورية اليمنية، ورافضا ــ على الأقل في خطابه السياسي الرسمي ــ مشاريع الانفصال والتجزئة.
ومن أبرز خصائصه كذلك أنه لم يقم على أيديولوجيا مغلقة أو عقيدة سياسية جامدة، الأمر الذي أتاح له مساحة واسعة لاستيعاب مختلف التوجهات الفكرية والسياسية، وجعل منه، في مراحل كثيرة، مظلة رحبة لتيارات وشخصيات وجدت فيه مجالا للتعايش السياسي، حتى إن بعض السياسيين الذين ضاقت بهم أطرهم الحزبية والأيديولوجية وجدوا في المؤتمر مساحة للانتقال إليه والاحتماء بمظلته.
ولعل هذه السمة كانت من أهم أسباب اتساع شعبيته وانتشاره؛ فهو حزب برامجي ووسطي في بنيته العامة، مفتوح على التعدد والتنوع، ومتسامح ــ بدرجات متفاوتة ــ مع الاختلاف داخل صفوفه، ما دام ذلك لا يتعارض مع مفهوم الدولة والوحدة الوطنية.
غير أن كل هذه المزايا لا تعني أن المؤتمر الشعبي العام كان بمنأى عن الأخطاء أو الممارسات السلبية، فهو، كغيره من الأحزاب والقوى السياسية اليمنية، يحمل في تجربته كثيرا من مواطن القوة والضعف، وله ما له وعليه ما عليه.
ولعل أكثر ما يدعو إلى العتاب اليوم هو حالة التشظي والتيه السياسي التي يعيشها المؤتمر، وعجزه عن استعادة زمام المبادرة في لحظة وطنية استثنائية، فيما لا يزال قطاع واسع من اليمنيين ينظر إليه باعتباره أحد الأطراف القادرة على لعب دور رئيس في إنقاذ البلاد من مأزقها الراهن.
إن المؤتمر حزب يمتلك خبرة سياسية متراكمة، وتجربة جماهيرية واسعة، وشبكة اجتماعية ممتدة، وإرثا سياسيا لا يمكن تجاهله، وهي كلها عوامل تؤهله، متى أحسن استثمارها، لاستعادة حضوره، وربما قلب كثير من المعادلات القائمة.
لكن حالته الراهنة تبدو، للأسف، مثقلة بالانقسام والترهل، وربما الشلل في بعض مفاصلها، الأمر الذي يجعله عرضة للاستقطاب، ويترك مساحات واسعة للانتهازية والمصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
ومن هنا، فإن العتاب للمؤتمريين اليوم ليس عتاب خصم، وإنما عتاب من يرى أن المؤتمر أكبر من أن يختزل في قيادة، أو جناح، أو جماعة، أو مصلحة شخصية.
فليت قياداته الحالية والسابقة تترفع عن صراعاتها، وتغلب مصلحة الوطن على المصالح الضيقة، وتدرك أن قيمة المؤتمر الحقيقية ليست في أسمائه وقياداته، وإنما في قدرته على أن يكون جزءا من الحل، لا جزءا من المأساة.
كونوا، أيها المؤتمريون، عند حسن ظن شعبكم بكم.
لا تكونوا ترسا في ماكينة الحرب، ولا وقودا لمزيد من تشظي الوطن، ولا جسرا تعبر عليه مشاريع الآخرين إلى ما تبقى من جمهوريتكم ودولتكم.
إن الوطن اليوم في أمس الحاجة إلى كل قواه الوطنية، والمؤتمر الشعبي العام، بحجمه وتاريخه وخبرته وامتداده الشعبي، واحد من أهم هذه القوى.
الوطن يناديكم في محنته، فلا تخيبوا نداءه.
وفي ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام الرابعة والأربعين، نجدد التحية والتبريكات إلى كل أعضائه وكوادره وأنصاره، ونتمنى أن تكون هذه الذكرى مناسبة لمراجعة التجربة، واستعادة البوصلة، وتغليب المصلحة الوطنية، والوقوف في صف اليمن وقضيته، والدفاع عن الدولة والجمهورية والوحدة، والعمل من أجل سلام عادل ومستقبل يتسع لجميع اليمنيين.

كل عام والمؤتمر في خدمة الوطن، وكل عام واليمن أقرب إلى السلام والدولة والاستقرار.