اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي ومقتلة مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية
في مذكرات اللواء علي محمد صلاح.. ملاحظات سياسية تاريخية (٤-٥)
الإهداء:
إلى عبدالله عبدالعالم، الفارس الجمهوري النبيل، أحد رموز الدفاع عن ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م، وفك الحصار عن صنعاء في السبعين يومًا.
إليه.. رمزًا حيًا للوفاء الصادق لرفيقه وقائده، الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.
عاش، عبدالله عبدالعالم، قامةً من الوفاء، ومضى إلى ربه منفيًّا عن تراب وطنه؛ جَرّاء حقدِ العصور المتراكم في نفوس القتلة الذين أبوا إلا أن يحرِموه من دفء الوطن حيًّا وميّتًا، حتى امتدّ ذلك الضغينُ الدفين ليشمل أبناءه وأحفاده الذين يتجرّعون مرارة المنفى ذاته، قِصاصًا لوفائه ونقاء محبته لليمن الحر المستقل ولديمقراطيته المنشودة.
تحيةَ إجلالٍ ووفاء أبعثها إليه، وهو اليوم في دار الخلود، جوار الصدّيقين والصالحين والشهداء، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.

قبل البدء
هذه الملاحظات الناقدة تقتصر حصرًا على الوقائع الواردة في الجزء الثاني من مذكرات اللواء علي محمد صلاح، وتحديدًا القسم المحصور بين الصفحات (371-481)، والذي يتناول حادثة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي ومقتلة مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية. وهي ملاحظات سياسية وتاريخية محددة بهذا النطاق دون التعرض لبقية أجزاء المذكرات.
أنا شخصيًا لا أعفي القائد الفقيد عبدالله عبدالعالم -رحمة الله تغشاه- من المسؤولية عن بعض ما جرى من أحداث وتطورات، وظفها واستخدمها نظام الغشمي وصالح لصالحهم؛ لأن الخطأ السياسي الأول والاستراتيجي كان في مجرد قراره في الانتقال إلى تعز بتلك الطريقة. وقد أفسح الغشمي لعبدالله عبدالعالم، ورفاقه، الخروج بأمان ودون تعويق -كما سبقت الإشارة- لأنه كان يدرك خطورة بقائه بتلك القوات وفي أجواء ذلك المناخ السياسي والاجتماعي والوطني والسيكولوجي المتوتر والمطالب بالقصاص من قتلة الرئيس إبراهيم الحمدي؛ ذلك أن بقاء عبدالله عبدالعالم في صنعاء مع قواته، مع وجود أنصار معارضين لنظام الغشمي، كان يمكن أن يجعل من تعز المدينة -وغيرها من المحافظات- والناس، قوة إضافية ضد نظام الغشمي.

وقد قدم اللواء علي محمد صلاح صورة بانورامية سياسية وشعبية واقعية حول كيف تحركت تعز ضد نظام القتلة، ولمدة ثلاثة أيام متواصلة صباحًا ومساءً، مطالبين بتسليم القتلة، والأهم كيف أنهم حاصروا مقر قائد اللواء فقط -أي مقر علي عبدالله صالح- وليس مقر ومكتب المحافظ، المناضل الوطني عبدالسلام الحداد، الذي ترك باب الحركة الجماهيرية مفتوحًا أمام الناس في تعز في تغاضٍ ملحوظ، للتعبير عن احتجاجاتهم ضد عملية اغتيال الرئيس الحمدي.
ولذلك كان اتصال علي عبدالله صالح بعلي صلاح من صنعاء لضرورة الحفاظ والسيطرة على مقر قيادة لواء تعز وضبط الأمور، وهو ما أشار إليه علي صلاح في المذكرات.
وهي رسالة سياسية وشعبية مبكرة من جماهير تعز الواعية واليقظة تشير إلى من هم القتلة، وهو ما أشار إليه -كذلك- بوضوح اللواء علي محمد صلاح في مذكراته، واصفًا طبيعة التحرك الجماهيري لأبناء تعز ضد القتلة والانقلاب بأن تعز خرجت عن "بكرة أبيها" مطالبة بالثأر والانتقام.
لاحظوا أننا نتكلم ونكتب اليوم بعد مرور قرابة نيف وأربعة عقود من الزمن -أي ما يساوي عمر جيلين- أي أننا نتكلم من بعيد وبعقل هادئ ومستريح، وليس من جحيم ذلك الجنون والاضطراب والتوتر والارتباك الذي كان فيه القائد والإنسان عبدالله عبدالعالم ورفاقه.
أتذكر أنني في العام 1992م، وكنت في رحلة علاجية إلى سوريا، قلت للقائد والصديق -المنفي قسرًا وقهرًا- عبدالله عبدالعالم مثل هذا الحديث السياسي التقييمي والتحليلي النقدي التاريخي، حول خطأ خروجه من صنعاء، فكان رده:
ليس ما تقوله اليوم بالخطأ، ولكن من يده بالنار ومن عاش لحظة مؤامرة الغدر والقتل والموت لحظة بلحظة ليس كمن يسبح في الماء.. كان خطر رصاصات الموت والقتل يا صديقي تحيط بنا من جميع الجهات، ونعيش ذلك الإحساس الصعب حد عدم توقعنا أن نصحو صباحًا أحياء.
وأكمل حديثه قائلًا: لقد تعرضت -وغيري- خلال الأشهر التي بقيت فيها في صنعاء لأكثر من محاولة اغتيال.
كنا نتحرك أفرادًا، أو جماعات ونحن في حالة رصد أمني مباشر، بما فيه وضع تلفوناتنا في المنازل والمعسكرات تحت المراقبة اللحظية، وجهاز محمد خميس الامني، كان يشتغل بكل طاقته ضدنا، وطالت الاعتقالات مبكرًا العديد من الزملاء، كل ذلك ضغوط وتهديد بالتوقف عن المطالبة بتشكيل لجنة وطنية ودولية في التحقيق، حول قضية اغتيال الرئيس الحمدي.

هكذا كان وضعنا، وبهذا المعنى والمفهوم كان حديث ورد عبدالله عبدالعالم.
فتفهمت إنسانيًا موقفه، مع أنه سياسيًا وعمليًا خدم الطرف الآخر.
هو قطعًا وضع صعب سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا على أي قائد كان يجد نفسه في هكذا وضع، وأمام مجموعة قتلة صاروا على رأس السلطة والدولة.
تقديري في الأمس واليوم، أن خروج عبدالله عبدالعالم من صنعاء كان خطأ سياسيًا وعسكريًا ومثّل حبل إنقاذ للقتلة؛ لأنهم ذاتيًا وواقعيًا كانوا يعيشون ذات القلق والاضطراب والتوتر وخاصة أنهم القتلة لرئيس الدولة، وهواجسهم وقلقهم بالحصار الداخلي والنفسي مضاعف وأعمق، ولكنهم كانت بيدهم كل مقدرات السلطة والدولة، ولكن للتاريخ مساره وسياقه وقانونه الموضوعي الخاص، لا يمكننا قراءته بأثر رجعي، ولا بخطاب كلمة "لو".
ما تمكنت من استخلاصه واستنتاجه من أحاديثي المتفرقة مع عبدالله عبدالعالم، أنه كان يخشى ويحرص على عدم وقوع الفتنة السياسية والاجتماعية الداخلية التي قد يدفع البعض إليها دفعًا وقصدًا لخلط الأوراق ولإرباك المشهد السياسي والوطني اليمني، بخاصة مع الحضور الفاعل للأيادي الخارجية (السعودية)، في دعمها السياسي والأمني والعسكري لجماعة القتل والانقلاب.
عمومًا، هذه أمور وقضايا نتركها للتاريخ السياسي، والكتابة التاريخية لتقول كلمتها حول كل ذلك.
فقط، أكرر للمرة العاشرة، المطلوب اليوم ألا تمر جريمة اغتيال الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي ومعه مشايخ وأعيان تعز دون مساءلة نقدية، سياسية وقانونية (قضائية) وتاريخية.
والمطلوب -كما سبقت الإشارة- الاستمرار في تجميع الأدلة والوثائق والشهادات ممن تبقى على قيد الحياة، بل وانتزاع بعض الأدلة من بعض المذكرات والشهادات والحكايات التي كتبت حول كل ذلك، فهي قضايا لا تسقط بالتقادم.
نقرأ ونكتب حول كل ذلك من الوجهة التي نراها ونقدرها أنها صائبة وتخدم الحقيقة التاريخية، ونترك للتاريخ في صيرورته الحكم على ما كان، وهو ما سيكون.
اليوم سقطت الكثير من دعاوى نظام القتلة في تقييد القضية ضد مجهول، ومحاولاتهم إغلاق ملف القتل بأمر السلطة، بعد أن أصدرت سلطات القتل حكمها ضد الضحية/ المنفي، عبدالله عبدالعالم، وبعد أن تم إسكات الأصوات المعارضة بالترهيب والترغيب و"الوعد والوعيد" حتى ملاحقة الشهود برصاصات القتل حيثما وجدوا.
كيف نفهم ونفسر إصدار العديد من قوانين العفو عن العديد من الجرائم والقتلة وحتى اللصوص.. الجرائم التي ذهب ضحيتها المئات والآلاف طيلة الأربعة أو الخمسة عقود، ويتم استثناء عبدالله عبدالعالم من كل ذلك حتى رحيله عن دنيانا منفيًا عن وطنه؟ وكأننا أمام حالة انتقام شخصي وسياسي سلطوي من قائد وطني كبير، حالة انتقام قادها نظام بكامله موظفًا عدته السياسية والإعلامية والأمنية لتشويه صورته، حتى قُتل أحد أقربائه في العاصمة صنعاء مع أنه مدني، ولو كان قاتلًا كان بإمكان النظام تقديمه للمحاكمة، وليس قتله على طريقة العصابات والمليشيات بعد أن تم استدعاؤه والعفو عنه رسميًا من قبل سلطة علي عبدالله صالح. هذا وحده يكشف لك حجم حالة العداء والكراهية والانتقام الكامنة في عقل ونفس علي عبدالله صالح من عبدالله عبدالعالم؛ لأنه نقيضه الجذري في كل شيء: سياسيًا وعسكريًا وأخلاقيًا ووطنيًا، فهو ابن المؤسسة العسكرية وخريج كلياتها العسكرية في مصر وفي اليمن، وأحد المدافعين عن ثورة 26 سبتمبر 1962م، وأحد أبطال حصار صنعاء، وباني العديد من الوحدات العسكرية الحديثة، ومن هنا شعور علي عبدالله صالح أمامه بالنقص والصغر والقزمية، على الرغم من امتلاكه -بعد ذلك- كل السلطة والمال والجيش والإعلام بيده.
عمل الحزب الاشتراكي اليمني، في سياق المشاورات حول الوحدة، وبعد قيامها التحرك لإصدار قرار عفو خاص عن عبدالله عبدالعالم، وكان رد علي عبدالله صالح، بصوت واحد وكلمة واحدة: لا، هذا قاتل.
حقًا شيء محزن وفاجع ومأساوي وغريب في نفس الوقت، أن تجد "القاتل العظيم"، يصف أحد أبرز رموز ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م، بالقاتل! وهو الذي بدأ سيره نحو السلطة بقتل رئيس الدولة وأخيه، وعشرات غيرهما، وبالتعاون مع دولة أجنبية، رئيس يقتل د. عبدالسلام الدميني، أحد رموز فك الحصار عن صنعاء، وعضو لجنة الحوار الرسمية مع السلطة في صنعاء، ومعه أخواه، وترمى بجثثهم من على رأس نقيل يسلح، بعد قتلهم، وهو ما أثبته تقرير الأطباء الصينيين في ذمار، وقتل العقيد ماجد مرشد، مستشار وزارة الدفاع في قلب المدينة صنعاء، وقصف منزل بل وغرفة نوم رئيس برلمان دولة الوحدة، د. ياسين سعيد نعمان، بصاروخ لا تمتلكه سوى الدولة، ووصل به قمة الانحطاط القيمي والأخلاقي، بالتجسس على غرفة نوم نائبه علي سالم البيض، في مجلس الرئاسة، ومئات حالات الاغتيال للمعارضين قبل الوحدة وبعدها.

وتأتي مذكرات اللواء علي صلاح -مع الأسف- لتبرئ ساحة قائد لواء تعز، علي عبدالله صالح، رئيس الجمهورية لاحقًا من مسؤوليته المباشرة في قتل الرئيس الحمدي، ومشايخ وأعيان تعز/ الحجرية.
فمع أن صورة الضحية واضحة جدًا، نجد صورة الجاني مغيبة، أو موزعة على أكثر من صورة (رواية)، من خلال تسريب العديد من الحكايات والروايات.
كان عبدالله عبدالعالم يتشوق للعودة إلى الوطن، دون جدوى.
عودة إلى موضوعنا، مذكرات اللواء علي محمد صلاح، واستمراره -والحملة في قمة حصارها لتعز وضربها لبعض المناطق في الحجرية- في الحديث عن: "محاولات المساعي التي جرت مع عبدالله عبدالعالم لحل الإشكال بينه وبين الغشمي، لوضع حلول مناسبة ترضي الطرفين بما يحفظ ماء وجهه وعدم التفريط به، ذهبت أدراج الرياح لحرصهم الشديد على تجنيب المنطقة وأهلها أي مكروه، وأنه السبب -أي عبدالله عبدالعالم- في إفشال كل تلك المساعي والمحاولات" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص413).
ما يثير الغرابة والعجب هو حديث اللواء ابن صلاح عن "حفظ ماء الوجه" وهو الذي قَتَل -أي الغشمي وصالح- زعيمه ورئيس دولته وأخاه في عزومة غداء وفي قلب بيته، متجاوزًا لجميع الأعراف والتقاليد الاجتماعية والدينية والقانونية!
لقد حولت الحملة العسكرية العديد من قرى ومناطق الحجرية، بما فيها منطقة عبدالله عبدالعالم (القريشة/ الأبطال) وغيرها، إلى مناطق قصف وقتل ونهب، مع أن قوات المظلات لم تواجه الحملة بأي مقاومة جدية وحقيقية، وكانت انسحاباتهم من المنطقة تدريجيًا وسلميًا هي الرد على الحملة، ولذلك تمت السيطرة على كل المنطقة من بداية الدخول إلى تعز، إلى التربة، إلى المناطق المختلفة دون مواجهات عسكرية مسلحة، وهذا ما تدل عليه وتقوله مذكرات اللواء علي محمد صلاح.
فقط حديث عن أن عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات حولوا المنطقة إلى سجون تم حبس كل من له مواقف معارضة لعبدالله عبدالعالم فيها، إلى جانب سجن المشايخ والأعيان الذين كانت مهمتهم الوساطة فقط، دون سبب محدد سوى قول اللواء علي محمد صلاح إنهم كانوا معارضين لمواقف وتصرفات عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات، دون تحديد ما هي هذه التصرفات إذا كانوا بالأساس لم يواجهوا الحملة عسكريًا في كل المناطق حرصًا وخوفًا على أبناء المنطقة ومناطقهم التي تم نهب بعضها، وحول ذلك يكتب اللواء علي محمد صلاح التالي:
"عندما سيطرنا على قيادة التربة وجدنا فيها عددًا كبيرًا من المساجين جرى حبسهم من قبل عبدالله عبدالعالم وقيادته بسبب مواقفهم المعارضة لهم ومن تصرفاتهم والبعض منهم كانت عليهم قضايا شرعية أو جنائية، وبحثنا عن المشايخ المعتقلين ولم نجدهم، وعلمنا من زملائهم، أنه بعد اعتقالهم لم يمكثوا في السجن سوى أربعة أيام فقط، بعدها تم نقلهم إلى مكان مجهول (...) وفي ذات الليلة كنا نشاهد انفجارات عنيفة في جبل منيف من قبل المظلات، واتضح أنهم كانوا يفجرون مخازن الذخائر والأسلحة استعدادًا للهرب من المواقع".
هكذا كتب علي صلاح، ضمن سياق حديث مطول عن قوات المظلات (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص416-417).
هل هذا السلوك العسكري يعكس إرادة في المواجهة والقتال وتدمير المنطقة نتيجة هكذا قتال؟ وهو حقيقة ما كان يسعى ويهدف إليه علي عبدالله صالح تحديدًا.
من يعرف المنطقة جيدًا من التربة إلى ذبحان إلى الأصابح إلى أديم والقريشة وجبل منيف، يعلم أن أدنى مقاومة للحملة كانت ستكبد الحملة وناس الحملة وكل المنطقة خسائر كبيرة في الأرواح والأموال والمساكن، وأن المعركة قد تستمر في هذه المنطقة بدءًا من نهاية تعز المدينة وصولًا إلى التربة وما بعدها من مناطق لأشهر طويلة.
لم يكن لدى عبدالله عبدالعالم خيار شمشوني في الخراب والتدمير لكل شيء في المنطقة، ولذلك كان قرارهم بالانسحاب المتتالي من القرى والمناطق حاسمًا بعد أن أدركوا الهدف العسكري والسياسي للحملة، وهو ما أدركه مبكرًا الشيخ أحمد سيف الشرجبي، ولذلك تم تفويت الفرصة على قائد الحملة بعدم المواجهة، فكسبت المنطقة سلامة الأرواح وحفظ المنطقة.
والسؤال: ماذا يستفيد عبدالله عبدالعالم من اعتقال وسجن مشايخ وأعيان المنطقة العزل والمسالمين؟!
وهو بحاجة ماسة إليهم وهم أبناء منطقته، على الأقل لعدم اصطفافهم مع قادة الحملة والنظام.
في هذا السياق يواصل اللواء علي صلاح القول: "في صباح اليوم الثاني ومع بزوغ الضياء الأول بدأ الاتجاه الفرعي الثاني تنفيذ المرحلة الثانية لدخول عزلة القريشة، حيث انطلق من المشارف الغربية لعزلة الأصابح التي توقف فيها نهاية اليوم الأول بتغطية نارية من أسلحة المدفعية والدبابات على المواقع والمرتفعات التي تتواجد فيها المظلات في جبل منيف ومرتفعات القريشة المطلة على قرية السبل ومرتفعات وادي أديم والحضارم ومرتفعات شرجب (...) وعندما بدأت القوة بالتقدم واجهت مقاومة خفيفة من بعض المواقع المحيطة بالقريشة وضربات هاون من جبل منيف، وتم التعامل مع مصادرها وإسكاتها، وتمكنت القوة من الوصول إلى أهدافها المحددة ودخول عزلة القريشة والقرى المحيطة بها وفقًا لخطة اليوم الثاني حتى وصلت إلى أسفل جبل منيف وتوقفت (...) عندما سيطرت الحملة على تلك المواقع كان أفراد المظلات قد انسحبوا منها إلى الوديان والسوايل (...) وتمكنا من دخول منزل عبدالله عبدالعالم ومنازل كبار قادته في القريشة بتعاون من بعض أبناء المنطقة الذين عملوا معنا أدلاء" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص417-418).
هكذا يصف اللواء علي صلاح دخول الحملة إلى التربة والقرى والمناطق المختلفة، وصولًا إلى القريشة، ومنزل عبدالله عبدالعالم.
من كل ذلك يتضح الحرص الشديد من عبدالله عبدالعالم وقيادة قوات المظلات على تجنيب المنطقة والناس وأرزاقهم ومصالحهم أية تداعيات لأية عملية عسكرية مسلحة في مواجهة الحملة، وكل العنف والقصف والتدمير الذي طال بعض القرى والمناطق كان بسبب قصف الطيران والمدفعية والمدرعات التي كانت تستعرض قوتها على مناطق آمنة، وذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء، مشايخ وغيرهم، أي قصف مناطق عشوائيًا لا وجود لقوات المظلات فيها بعد انسحابها شبه المعلن!
وقد أشار اللواء علي محمد صلاح إلى أنهم كانوا يسمعون تفجيرات الذخائر التي تفجرها وتتخلص منها قوات المظلات قبل يوم من تحركهم إلى هذه المناطق، ما يدل على أن الطريق سلمية ومفتوحة أمامهم، ومن أنه لا رغبة ولا قرار بالمواجهة المسلحة، ولا داعي لاستعراض القوة بالقصف بالمدفعية والطيران من بعيد على القرى والمناطق الآمنة التي تم الخروج منها قبل قدوم قادة الحملة.
إن اللواء علي محمد صلاح يتحدث عن عبدالله عبدالعالم وقادة قوات المظلات الذين هم رجال سياسة وقادة عسكريون كبار، ومعظمهم من أبناء المنطقة ولهم تاريخ سياسي ووطني مشهود في الدفاع عن الثورة وفك حصار صنعاء، وكأن بينهم وبين أبناء قراهم ومناطقهم كراهية وعداوة تاريخية (سياسية واجتماعية)، هذا ما حاولت المذكرات تقديمه للناس في صفحات الكتاب المختلفة ذات الصلة بقضية اغتيال الرئيس الحمدي، وقتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية.
دون إنكار أو تجاهل احتمال أن يكون بين القوات المحسوبة على عبدالله عبدالعالم عناصر فوضوية، أو مندسة تعمل للتخريب لأهداف سياسية خاصة بها، أو لحساب الجهة الرسمية نفسها الممولة لها.
يكتب اللواء علي صلاح تحت عنوان "العثور على جثث بعض المشايخ": "أن بعض المشايخ جرى قتلهم من قبل المظلات في منتصف الوادي وأن جثثهم لا تزال موجودة بين الصخور، ومنهم من تمكن من الفرار ولا يعلمون مصير بقية المشايخ الذين اقتيدوا أمامهم أسفل الوادي كونهم بعيدين عن الأنظار. أخذت -أي علي صلاح- مجموعة من الأفراد ونزلنا إلى مسافة ليست بعيدة وعثرنا على جثة الوالد سعيد الأصبحي ملقاة بين الصخور عليها آثار الرصاص وليس بها أي أثر للدماء وكأنه في نوم عميق ولم يظهر عليها انتفاخ أو تورم، ثم تقدمنا مسافة أخرى من مكان تواجد جثة الوالد الأصبحي وعثرنا على جثتي الشيخ منصور شايف وولده، إلا أن جثتيهما كانتا متورمتين، والدماء عليهما غير ما كانت عليه جثة الأصبحي. حاولنا التقدم أكثر وسط الوادي لعلنا نجد جثث بقية المشايخ إلا أننا لم نعثر عليها، حينها توقفنا عن متابعة السير" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص٤٢١-٤٢٢).
والسؤال الجنائي الاستفهامي هنا: كيف تم العثور على جثة الوالد الحاج، سعيد علي الأصبحي وعليها آثار الرصاص وليس بها أي أثر للدماء، وقد تم قتله باستخدام الرصاص؟!
فهل تم قتله أولًا أو قبلًا بطريقة معينة، ثم بعد ذلك أطلق عليه الرصاص، ما يفسر عدم وجود دماء على الجثة؟
ثم ما هو دليله الملموس أن بعض المشايخ تم قتلهم من قبل قوات المظلات في منتصف الوادي! مع أن قصف الطيران لم يتوقف!
إن مذكرات اللواء علي محمد صلاح تعمدت إبراز وإظهار صورة عبدالله عبدالعالم ليس فحسب كمتمرد، بل وكوحش بعيد عن العاطفة الإنسانية ومجرد من كل ضمير، وهي جوهر الرسالة السياسية والإعلامية التي أسس مداميكها نظام الغشمي، وتحديدًا إعلام نظام علي عبدالله صالح.
من نماذج الخطاب السياسي والإعلامي في تشويه صورة عبدالله عبدالعالم في مذكرات اللواء علي صلاح أورد لكم التالي: "أثناء العودة أبلغنا المواطنين الذين كانوا يجتمعون في تلك الكهوف من أبناء قرية السبل أن عليهم العودة إلى منازلهم ليعيشوا حياتهم كما كانت عليه بكل أمان، وأن بيوتهم لم تتعرض للأذى ولا تزال كما تركوها في اليوم السابق، وأن عبدالله عبدالعالم وجماعته فروا جميعًا ولا خوف عليهم، حينها قمنا بالاتصال بالأخ علي عبدالله صالح قائد الحملة أبلغناه بعثورنا على جثامين الشهداء الأصبحي وشايف وولده بعد إعدامهم (لاحظوا قوله بعد إعدامهم) من قبل مجاميع المظلات، وعدم العثور على بقية المشايخ الآخرين الذين أخذوهم معهم" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص422).
هذه صورة بائسة من صور تحريضية عديدة؛ سياسية دعائية وإعلامية لإظهار عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات من أنهم مجرد قتلة ومتوحشين، القتل لديهم عادة وغاية وهدف مجرد.
والحقيقة أن جزءًا من هذا التصوير والتصور والخيال السياسي والدعائي والإعلامي الزائف أُلصق وعَلِق في أذهان البعض في واقع حصار وغياب الرواية الأخرى للحقيقة أو لما جرى، ولذلك فإن البعض صار مجرد ذكر اسم عبدالله عبدالعالم يثير حفيظتهم ونفسية الثأر والانتقام في نفوسهم، وهو ما اشتغل عليه نظام علي عبدالله صالح، طيلة أكثر من ثلاثة عقود ونصف.
إننا أمام إعلام سلطة غاشمة قاتلة، وصلت إلى قمة السلطة بالدم وبالقتل وبالحروب.
رحلة قتل مستمرة ومتواصلة، من قتل الرئيس إبراهيم الحمدي وأخيه ورفاقه، إلى قتل قيادات وشباب الناصريين، أكثر من ٢١ قائدًا سياسيًا مدنيًا وعسكريًا، وعلى رأسهم الشهيد عيسى محمد سيف، وسالم السقاف، وعبدالسلام مقبل، والقائمة طويلة وصولًا إلى حرب 1994م، وإلى حرب 2015م، وكل تداعيات الحروب القائمة اليوم هي امتداد واستمرار لما أسست له تلك البدايات الدموية.

الشيء الأكيد والحقيقي أنه توحدت إرادة أبناء المنطقة كلها من مشايخ وأعيان ومواطنين مع إرادة وقرار عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات بتجنيب المنطقة ويلات نتائج الحملة العسكرية على كل المنطقة التي كانت تداعياتها السلبية ستطال البشر والأرض كلها.
ومن هنا حرمان قادة الحملة العسكرية من الأهداف السياسية والعسكرية التي كانوا يبيتون لها تجاه المنطقة، في محاولة من علي عبدالله صالح، رسم صورة نصر عسكري خاص به.
لقد أدركت قيادة الحملة أن تهديد الشيخ أحمد سيف الشرجبي من أن أبناء المنطقة هم من سيواجهون ويتصدون للحملة، ومن أن هذه العبارات السياسية القوية التي أطلقها الشيخ أحمد سيف الشرجبي، في وجه علي عبدالله صالح، كانت هي كلمة السر لتجنيب المنطقة ويلات تداعيات الحملة العسكرية.
وهي ذات كلمة السر التي كانت تعكس إرادة ورغبة ورؤية وموقف معظم مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية.
وشخصيًا لا أستبعد -أقول لا أستبعد ولا أقرر- أن قتل بعض المشايخ وعلى رأسهم الشيخ الوطني الكبير سعيد علي الأصبحي ومنصور شايف، إنما كان بسبب رفضهم للحرب وللحملة، وضرورة الوصول إلى الحل السلمي؛ لأن لا مصلحة سياسية أو قتالية حقيقية لعبدالله عبدالعالم وقوات المظلات في قتل رموز سياسية واجتماعية وتجارية وطنية.
والحديث المتكرر عن قتل المشايخ والأعيان وعن تحويل عبدالله عبدالعالم المنطقة والتربة كلها إلى سجون، فقط لتشويه صورته السياسية والعسكرية والوطنية وتحميله وزر جرائمهم بحق مشايخ وأعيان المنطقة ليضربوا فيها أكثر من عصفور برصاص الفتنة بين أبناء المنطقة وهو ما لم يتمكنوا منه، بعد أن حولوا عبدالله عبدالعالم في إعلامهم السياسي إلى متمرد وإلى قاتل للمشايخ وأعيان تعز/ منطقته.
لقد ربحت السلطة نشر وتعميم جزء من سردية الرواية الرسمية ولو لفترة قصيرة، حتى فجرت ثورة الشباب في فبراير 2011م سؤال قتل الرئيس إبراهيم الحمدي وجميع جرائم القتل التي ارتكبت خلال فترة حكم الغشمي وعلي عبدالله صالح.

بمن فيه، سؤال المخفيين قسريًا وهم بالمئات طيلة فترة حكمه، وعلى رأسهم العقيد، والوزير، سلطان أمين القرشي، والرائد عبدالوارث عبدالكريم، وعلي محمد خان، والنقيب، عبدالعزيز عون، وغيرهم.
ألم يتحدث ويصرح اللواء علي محسن صالح الأحمر -وهو أحد أهم عظام رقبة النظام- من أن علي عبدالله صالح هو من دبر ارتكاب جريمة قتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية في خطاب علني بالصوت والصورة؟!
وقد حان الوقت ليفرج اللواء علي محسن الأحمر عن تفاصيل شهادته كاملة حول دور علي عبدالله صالح وغيره في مقتلة مشايخ وأعيان تعز، تبرئة للذمة أمام الله والتاريخ.
وهنا يأتي دور أولياء دم الضحايا في المطالبة بذلك، بهدف الوصول إلى شيء يقربنا من كشف وفهم بعض جوانب الحقيقة.
حقًا، إن منطقة التربة كما ذكر اللواء علي صلاح في مذكراته: "تمثل يمنًا مصغرًا كما هي مدينة تعز، تعيش فيها أسر وعوائل من مناطق مختلفة من أيام الحكم التركي وفترة الحكم الإمامي، عمل خلال تلك الفترات حكام وعمال وقضاة الكثير منهم عسكريون، والبعض منهم من نقل أسرته إلى هناك، ومنهم من تزوج واستقر فيها بشكل دائم وكونوا أسر وعوائل متداخلة لا تزال حتى اليوم لا تستطيع التمييز بينهم وبين أبناء التربة إلا من خلال ألقابهم فقط، مثل بيت الحلالي، وبيت الوزير، وبيت يعقوب، وبيت المداني، وبيت الهمداني، وبيت الجنداري وغيرها من البيوت الأخرى، متعايشين بأمان وسلام" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص426).
إن هذه الطبيعة التكوينية الديمغرافية والاجتماعية والثقافية والوطنية والسيكولوجية الاجتماعية لأبناء هذه المنطقة التربة/ تعز هي من ساهمت وساعدت في حماية المنطقة من تداعيات أي مواجهة عسكرية شاملة.
فتاريخ تعز المدينة والناس؛ السياسي والثقافي والوطني والقومي التحرري حاضر في كل التاريخ السياسي اليمني الحديث والمعاصر؛ من مواجهة العثمانيين الأتراك والإمامة الهادوية، إلى التأسيس والدعم السياسي والمالي لحركة الأحرار اليمنيين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، حتى وقوفهم في صف ثورة 26 سبتمبر 1962م وثورة 14 أكتوبر 1963م.
إلى الحلقة الخامسة والأخيرة...



