عزيز.. "الحجر بتطعفر"
قال نبيل غالب في رثائه وتعزيته: "بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، تلقيتُ نبأ وفاة المغفور له بإذن الله تعالى المخرج المسرحي القدير الأستاذ عبدالعزيز عباس، أحد أعمدة المسرح في عدن، وأحد بناة الذائقة الفنية في معهد الفنون الجميلة.

وبهذا المصاب الجلل، أتقدم إلى الصحفية الأستاذة الفاضلة القديرة نادرة عبدالقدوس حفظها الله، بخالص العزاء وصادق المواساة، وإلى نجلكم الحكم آزال، وإلى كافة أسرتكم الكريمة ومحبي الفقيد.
ولا شك أن رحيل الأستاذ عبدالعزيز خسارة كبيرة للثقافة والمسرح اليمني، فقد كان فنانًا مخلصًا، ومربيًا للأجيال، وصاحب بصمة واضحة في بناء خشبة المسرح وتخريج المواهب، وترك إرثًا أدبيًا ونقديًا سيبقى شاهدًا على عطائه.
أسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته وعظيم مغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهمكم وجميع محبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون".
وأنا أعود إلى تلك الأيام الجميلة... أيام "دوم اسبرانتوف" في موسكو، السنة التحضيرية، كنت في الطابق العاشر وعزيز، نادرة ونادر وعادل في الطابق التاسع.. في غرفتي كان هناك "فيكتور" الروسي، وأولي وزميله من فنلندا... وبجانبنا أحد أسوأ خلق الله الذي جاء من عدن بكل سيئاته، لن أذكر اسمه، بل أقول إن مصيبة الحزب الاشتراكي كان سببها أمثاله من "المعقدين"، قلت لمحفوظ هادي محفوظ، وكان الأمين العام المساعد لمنظمة الشباب اليمني "أشيد" أيامها:
لم كل هذا السوء في هذا الرفيق؟
قال محفوظ الذي انتهى سلفيًا:
هذا النزق كان إمام جامع، ثم قفز إلى أقصى اليسار! وهنا تكمن مصيبة كل القوى التي راهن عليها المستقبل، القفز من النقيض إلى النقيض!
كان عزيز عباس إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يفيض إنسانية وبراءة لم أرها في مخلوق.
قلت يا عزيز ضاقت نفسي في الغرفة، صرت لا أطيق البقاء بجانب هذا النزق الذي حاول ذات ليلة أن يجبر "بنات الحزب" -كما قال- على أن يرقصن أمام الطلبة الأجانب، ليشاهدوا "الفن الشعبي اليمني" كما قال. هن بالطبع رفضن ونحن معهن... للأسف كان ذلك السيئ "روائيًا" كما قال، والتحق في معهد غوركي الذي تخرج منه، ثم ضاع اسمه لسوء أخلاقه.

قال عزيز والبسمة ترتسم بين الأذنين:
انزل عندي، هناك سرير لا يشغله أحد.
وبالفعل انتقلت للعيش أشهرًا مع العزيز النبيل ونادر وعادل محمد قائد..
وكم هي اللحظات الإنسانية التي عشناها..
ذات مساء كنا في الطابق السادس عشر، أنا، ذلك السيئ، محمد حوات، عبدالرحمن خُبارة... متحلقين حول الماسة، لنفاجأ بأن القناديل تلعب، والأوراق أمامنا تسبح على الماسة، سمعنا أصواتًا، خرج أحدنا يستطلع الأمر، وجد الطلبة يتجهون نحو الدرج، والروسي يصرخ:
لا تستخدموا المصاعد، انزلوا من الدرج.
كان زلزال رومانيا قد تماوجت الأرض تحته حتى أحسسنا بها في موسكو. الزلزال وقع في 4 مارس 1977..

بعد أن هدأت الأرض وتوقفت المباني عن الرقص، حيث تصمم لاتقاء الهزات، عدنا إلى غرفنا..
لمست جرس الغرفة، وبعد دقائق ظهر عزيز، لاحظت أنه لم يبتسم، قلت:
أين أنت؟
الطلاب كلهم كانوا تحت، الوحيد أنت غير موجود..
همس في أذني:
كنت في الغرفة. وسحبني في اتجاه "الكوريدور"، همس في أذني مرة أخرى:
حتى الجن موجودون في الاتحاد السوفيتي؟
استغربت:
أيش من جن!
عاد يهمس:
كنت في الغرفة وحدي، فجأة تمايلت الستائر وتساقطت الدفاتر والأقلام، وأنا تجمدت، يا أخي جن، تعال ندور غرفة ثانية...
انفجرت ضاحكًا، استغرب:
تضحك؟!
قلت يا عزيز الناس كلهم خرجوا بسبب الهزة الأرضية وأنت ولا لك علم..! قال باللهجة العدنية المحببة:
أيش من زلزال؟
قلت: زلزال، وأنت ولا لك علم.
شد على شعره:
أش ده، زلزال وأنا أحسب جن تحركوا، كيف لو كان حصل لي شيء..!
كان نقيًا، نظيف الروح، جميل النفس.
وكان يعاني من آلام الكلى، حيث حولت حصوة حياته إلى جحيم.
كنت إذا دخلت إلى الغرفة ووجدته يتلوى، أصرخ:
ما لك؟
وسط الألم، يضحك ويرد بلهجته العدنية الجميلة:
يا أخي الحجر بتطعفر. أضحك والًالم يفتك به وبي خوفا عليه..
كانت نادرة عبدالقدوس زميلتنا، هي أحد أجمل البشر نفسًا وروحًا.
تزوجا فيما بعد.
تواصلت معهما لبعض الوقت حتى طغت الهموم علينا جميعًا، وعندما كنت أتصل به، أسأله:
الحجر تطعفر وإلا لا؟
يضحك ويرد:
تطعفر.
حتى فوجئت من صفحة نبيل غالب بخبر وفاته.
كم أنا حزين على ذلك الإنسان الجميل والمهني المتميز.
العزاء للزميلة نادرة ولنجله آزال ولنا.
وعلى روحك سلام الله.



