الأحد 23 أغسطس 2026

عزيز.. "الحجربتطعفر"…

قال نبيل غالب في رثائه وتعزيته:
"بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، تلقيتُ نبأ وفاة المغفور له بإذن الله تعالى المخرج المسرحي القدير الأستاذ/ عبدالعزيز عباس، أحد أعمدة المسرح في عدن، وأحد بناة الذائقة الفنية في معهد الفنون الجميلة.

عزيز عباس
عزيز عباس
وبهذا المصاب الجلل، أتقدم إلى الصحفية الأستاذة الفاضلة القديرة/ نادرة عبدالقدوس، حفظها الله، بخالص العزاء وصادق المواساة، وإلى نجلكم الحكم أزال، وإلى كافة أسرتكم الكريمة ومحبي الفقيد.
ولا شك أن رحيل الأستاذ عبدالعزيز خسارة كبيرة للثقافة والمسرح اليمني، فقد كان فناناً مخلصاً، ومربياً للأجيال، وصاحب بصمة واضحة في بناء خشبة المسرح وتخريج المواهب، وترك إرثاً أدبياً ونقدياً سيبقى شاهداً على عطائه.
أسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته وعظيم مغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهمكم وجميع محبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون."
وأنا أعود إلى تلك الأيام الجميلة… أيام "دوم اسبرانتوف" في موسكو، السنة التحضيرية، كنت في الطابق العاشر، وعزيز، نادرة ونادر وعادل في الطابق التاسع… في غرفتي كان هناك "فيكتور" الروسي، وأولي وزميله من فنلندا… وبجانبنا أحد أسوأ خلق الله الذي جاء من عدن بكل سيئاته، لن أذكرإسمه، بل أقول أن مصيبة الحزب الإشتراكي كان سببها أمثاله من ال"المعقدين"، قلت لمحفوظ هادي محفوظ، وكان الأمين العام المساعد لمنظمة الشباب اليمني "أشيد" أيامها:
لم كل هذا السوء في هذا الرفيق؟
قال محفوظ الذي انتهى سلفيا:
هذا النزق كان إمام جامع، ثم قفز إلى أقصى اليسار!!، وهنا تكمن مصيبة كل القوى التي راهن عليها المستقبل، القفز من النقيض الى النقيض!!
كان عزيز عباس انسانا بكل ماتحمله الكلمة من معنى، يفيض انسانية وبراءة لم اراها في مخلوق…
قلت ياعزيز، ضاقت نفسي في الغرفة، صرت لاأطيق البقاء بجانب هذا النزق الذي حاول ذات ليلة أن يجبر"بنات الحزب"، كما قال، على أن يرقصن أمام الطلبة الأجانب ليشاهدوا "الفن الشعبي اليمني"، كما قال، هن بالطبع رفضن ونحن معهن… للأسف كان ذلك السيء "روائيا"، كما قال، والتحق في معهد غوركي الذي تخرج منه، ثم ضاع إسمه لسوء أخلاقه…
بجاش عزيز عادل محمد قائد
بجاش، عزيز ،عادل، محمد قائد
قال عزيز والبسمة ترتسم بين الأذنين:
إنزل عندي، هناك سرير لا يشغله أحد.
وبالفعل انتقلت… للعيش أشهرا مع العزيز النبيل ونادر وعادل محمد قائد…
وكم هي اللحظات الإنسانية التي عشناها…
ذات مساء كنا في الطابق السادس عشر، أنا، ذلك السيء، محمد حوات، عبدالرحمن خُبارة… متحلقين حول الماسة لنفاجأ بأن القناديل تلعب، والأوراق أمامنا تسبح على الماسة، سمعنا أصوات، خرج أحدنا يستطلع الأمر، وجد الطلبة يتجهون نحو الدرج والروسي يصرخ:
لاتستخدموا المصاعد، انزلوا من الدرج.
كان زلزال رومانيا، قد تماوجت الأرض تحته حتى أحسسنا بها في موسكو، كان الزلزال قد وقع في 4 مارس 1977..
عبدالله عقلان في الخلف امامه عزيز بجاش
عبدالله عقلان في الخلف امامه، عزيز، بجاش، زميلهم من أمريكا اللاتينية ونادر
بعد أن هدأت الأرض وتوقفت المباني عن الرقص، حيث تصمم لاتقاء الهزات، عدنا الى غرفنا…
لمست جرس الغرفة، وبعد دقائق ظهر عزيز، لاحظت أنه لم يبتسم، قلت:
أين أنت؟
الطلاب كلهم كانوا تحت، الوحيد انت غير موجود…
همس في أذني:
كنت في الغرفة، وسحبني في اتجاه "الكوريدور"، همس في أذني مرة أخرى:
حتى الجن موجودين في الإتحاد السوفيتي؟
استغربت:
أيش من جن!!
عاد يهمس:
كنت في الغرفة وحدي، فجأة تمايلت الستائر وتساقطت الدفاتر والأقلام وأنا تجمدت، يااخي جن، تعال ندور غرفة ثانية…
انفجرت ضاحكا، استغرب:
تضحك؟؟
قلت ياعزيز، الناس كلهم خرجوا بسبب الهزة الأرضية وانا ولا لك علم… قال باللهجة العدنية المحببة:
أيش من زلزال؟
قلت زلزال وانت ولا لك علم.
شد على شعره:
أش ده، زلزال وأنا أحسب جن تحركوا، كيف لو كان حصل لي شيء…
كان نقيا، نظيف الروح، جميل النفس.
وكان يعاني من آلام الكلى، حيث حولت حصوة حياته إلى جحيم…
كنت إذا دخلت الى الغرفة ووجدته يتلوى، أصرخ:
مالك؟
وسط الألم، يضحك ويرد بلهجته العدنية الجميلة:
ياأخي الحجربتطعفر، أضحك والالم يفتك به وبي خوفا عليه…
كانت نادرة عبدالقدوس زميلتنا، هي أحد أجمل البشر نفسا وروحا…
تزوجا فيما بعد.
تواصلت معهما لبعض الوقت حتى طغت الهموم علينا جميعا، وعندما كنت أتصل به، أسأله:
الحجرتطعفروالالا؟
يضحك ويرد:
تطعفر.
حتى فوجئت من صفحة نبيل غالب بخبروفاته.
كم أنا حزين على ذلك الانسان الجميل والمهني المتميز.
العزاء للزميلة نادرة ولنجله آزال ولنا.
وعلى روحك سلام الله.

.