زخات متناثرة من أسفار عبدالرحمن بجاش..!

توطئة مهمة
يجلس الكاتب الأديب الأستاذ عبدالرحمن بجاش في مقعد الرائي، لا ليمنحنا تقريرًا صحفيًا باردًا، بل ليقد من صدر المسافات شظايا روح تمتزج فيها حبر المحابر بدموع الخيبة ومواقد الحنين المشبوب.
هو ليس جامع أخبار، بل هو جراح وعي، يمسك بمشرط الكلمة الشريفة لينبش عن جوهر الإنسان اليمني الصعلوك النبيل في زمن تكالبت فيه المطامع، وسقطت فيه الأقنعة عن وجوه نخبويّة باعت حُلْمَ الجيل ببطاقة مشيخ عند أبواب مصلحة شئون القبائل.
عندما نقرأ لبجاش، فإننا لا نقرأ حروفًا مصفوفة، بل ندخل في نفق الذاكرة معه، نشم رائحة القات في المقايل، ونستمع إلى غصة الساقي، ونرى غبار الطريق الممتد من صعدة إلى المهرة، حيث تقف الجغرافيا شاهدة على جمهورية قُتلت في المهد بحروب الضم والإلحاق.
إن مقام هذا المبدع هو مقام الوفاء الذي يأبى أن يموت، وهو موقف العصامي الذي يمشي على أرصفة الخذلان دون أن تتسخ عباءته الطاهرة بغبار الوظيفة أو فيد المسؤول الكبير.
هنا أحاول العبور في حدائقه النصّيّة، مقتفيًا آثار بعض كتاباته المنشورة في بعض المواقع الإلكترونية، وهي كتابات ليست للزينة الأدبية، بل هي خريطة وجدانية لليمن الذي نعرفه ونحبه.

أقول بعض كتاباته وليس كلها، وهذا البعض (33 مقالة تقريبًا) انتقيته من بين ما يزيد عن 200 مقالة له، كي أبني منها جدارية هذا القلم الذي لم ينحنِ يومًا، ولم يكتب إلا بإملاء الضمير وخفقان العروق.
من تلك المقالات التي وقفت أمامها متمعنًا، أستطيع الجزم أن أغلب الثيمات التي تعتمل في ذاكرة أستاذنا عبدالرحمن بجاش، وتتمحور مظاهر اشتغالاته الإبداعية إن في كتاباته الصحافية أو في كتاباته الأدبية، على النحو الذي سنأتي عليه لاحقًا.
1. سير الأمكنة وتحولاتها في القرية والمدينة
في تلافيف نصوص بجاش، تتحول المدينة إلى كائن حي يملك رئتين وقلبًا يحفظ ملامح الراحلين، لا جدران صماء أو أسمنت بارد، بل دفاتر عشق مفتوحة ومساحات وجدانية.
إنه لا يكتب عن شارع أو بيت أو مقهى، بل يكتب عن أمكنة تحولت إلى مدافن للأحلام، ومرآة لصدق الإنسان أو زيفه، وشهود عيان على تراجع القيم والانكسار روح الجمهورية التي آمن بها.
إنه يقرأ في تفاصيل "زقاق شارع الذهب" حكايات البسطاء الذين تهافتوا إلى صنعاء، ويحفظ حركة الأقدام في حارة "الصافية" التي احتضنت أحلام القادمين من الأرياف النائية محمولين على أجنحة الفقر والأمل.
في قراءته للمكان، نجد أن صنعاء ليست عاصمة سياسية، بل هي خزانة للذكريات الحميمة التي تلاشت تحت أقدام الغرباء والانتهازيين، و"بيت الصافية" ليس مجرد جدران طينية أو حجرية، بل هو شاهد تاريخي يسأل بجاش عبره: أي زعامات مرت من هنا وتركت أثرًا لا يمحوه الزمن؟
يتحدث عن "باب موسى" أو شارع "26 سبتمبر" في تعز، لا كموقع جغرافي طوبوغرافي، بل يعرض شريطًا سينمائيًا وبوابة كانت تفضي إلى زمن عفوية الناس الكريمة وحيث كانت أقدامهم تحفر طرقات الكفاح، مستودعًا للأسرار واللقاءات التي لا تتكرر.

وعندما يكتب عن "بيت التويتي" في شارع القيادة بصنعاء، فهو لا يؤرخ لبناء، بل يتتبع بأسى كيف تحول مقر صحيفة "الثورة" من منارة للفكر والمناكفة النبيلة إلى جدران صامتة شهدت خريف العمر الصحفي والرحيل.
المكان عنده هو الرحِم التي ولدت الهوية، ولذلك يبكي الأزقة عندما يعود إليها فيجد الصمت البليد يلف الجدران بعد أن مات أهلها وتبدل ساكنوها.

إن بجاش يوثق في مقالاته جغرافيا المحو؛ حيث يرى بأم عينه كيف تبتلع العمارة القبيحة ملامح التاريخ، وكيف تغتال السكينة في الأزقة القديمة، وكيف تمزق نسيج المدن بفعل الزحف العشوائي الذي أكل "بيت الصافية" كما أكل "أحلام الصافية".
إن ارتحاله الدائم بين تعز وصنعاء وعدن والحديدة، ثم حنين النيل في القاهرة، هو ارتحال في أعماق الذات اليمنية الباحثة عن مرسى ثابت في زمن التمزق والنزوح، ومسافة عمر يرى فيها الكاتب وجهه المتبدل مع تبدل أحوال الوطن.
يتتبع بدقة تبدلات المدن والشوارع والزقاق، رافعًا شهادة حية على الحجارة التي هدمت صمت الصابرين، والأرصفة التي تلاشت عليها أحلام البسطاء.
ولا أدل على ما أطرحه هنا من مقاله الوجداني والتوثيقي الشجي المعنون بـ"صنعاء حَوَت كل فنّ!.. كلهم قالوا، ماذا قلنا نحن؟"، الصادر في يناير 2021.

إذ يتخذ من صنعاء قلب اليمن النابض وعاصمة الروح، منطلقًا، فلا يكتفي باجترار عبارات الغزل والمديح التي ساقها المستشرقون والرحالة، بل يواجه الذات اليمنية بسؤال الفضول اللاذع للأستاذ النعمان القائل: "قد نحنا داريين ماذا قالوا.. ماذا قلت وفعلت أنت؟"، معريًا فظاعة التجريف والمسخ المنهجي الذي تتعرض له جوهرة المدن التاريخية بفعل الجهل والفساد وغياب الدولة.
ويستدعي بجاش انبهار مشاهير الفكر العالمي بصنعاء، مثل بازوليني ومورافيا وكلوديا فايان، لكنه يرى أن هذا المديح لم يشفع للمدينة التي تُرِكت نهبًا للتشويه، منتقدًا عقلية "المكارحة" لدى اليمني الذي يستحضر عبارة "صنعاء حوت كل فن" للنكاية والمفاضلة الجوفاء، دون تحويل هذا الفخر إلى سلوك مسؤول يحمي جدرانها من التآكل.
ويبكي بجاش بحرقة خسارة أبواب صنعاء التاريخية التي أُزيلت ولم يبقَ منها سوى باب اليمن، موثقًا حقيقة كشفتها عدسة صحيفة "الثورة" عام 2012 بوجود الباب التاسع شرق قصر السلاح والمخصص لدخول قوافل الحبوب، فضلًا عن وصفه للتشويه المعماري الذي طال البيت الصنعاني؛ حيث استبدل الأهالي الأبواب الخشبية بالحديد والنوافذ بالألمنيوم، ورفعوا طوابق عشوائية من البُلُك الخرساني الذي شوّه البلاد كلها.

ويروي الكاتب ثلاث شهادات غربية مؤلمة تبرز الفارق بين تقدير الآخر لصنعاء واستهتار أبنائها، أولاها صرخة المستشرقة الألمانية في وجه مسؤول يمني بأنهم لا يستحقون هذه المدينة، وثانيتها تأكيد سفيرة ألمانيا في برلين أن صنعاء التاريخية توفر لليمن ذهبًا لا مالًا فحسب، وثالثتها نشيج كلوديا فايان صاحبة كتاب "كنت طبيبة في اليمن" وهي تروي فاجعة نهب صنعاء وإلقاء المخطوطات حول الجامع الكبير، قبل أن تعود أيام القاضي الإرياني لتقدم من جيبها 20 ألف دولار لتأسيس نواة المتحف الوطني.
وينصف الكاتب تجربة الدكتور عبدالرحمن الحداد بدعم من رئيس الوزراء الراحل عبدالعزيز عبدالغني، لترميمه السماسر والمقاشم ورصف الشوارع بعين فنان، كما يوثق مرافقته للأديب جمال الغيطاني في الثمانينيات وهو يطوف بالأزقة مسجلًا تفاصيل القمريات والآبار المائية الخاصة بالبيوت.

وفي المقابل، يوجه نقدًا حادًا لعملية رصف سائلة صنعاء لتجاهلها نصائح المهندسين بضرورة استحداث حفر تغذية للمياه الجوفية، مما أدى لتجفيف الآبار بالتوازي مع تبخر مشروع بحيرة السائلة الذي تبرع له الملك فيصل بخمسة ملايين ريال في دهاليز الفساد.
يختتم بجاش مقاله مستشهدًا بذهول فتاة يمنية مغتربة عادت من أمريكا لتوثق حجم القبح والتجريف خلال سنوات الحرب التسع، ليضع روشتة إنقاذ عاجلة تتمثل في منع دخول السيارات إلى عمق المدينة القديمة، ومنع الباعة المتجولين من تشويه أسواقها، والإيقاف الفوري لعبث الكتابة على الجدران، ومنع استحداث طوابق خرسانية جديدة.
وتظل صنعاء عند بجاش كائنًا حيًا وامرأة جميلة تشوه نفسها لجهلها، والمسؤولية لإنقاذها تقع على عاتق الكل؛ لأن البديل هو بقاء المدينة رهينة في يد من يحمل مخدش عصيد يلوث معالمها، بدلًا من ريشة فنان تليق بجوهرة التراث الإنساني.
2. أنسنة الهامش، وتخليد البسطاء في الوجدان
لا تكتمل صورة بجاش دون الالتفات إلى أولئك الذين وضعهم في قلب السرد، لأنهم عنده بمثابة "ملح الذاكرة"، ويرى أنه بدونهم لا طعم ولا تذوق لقيمة كتابته، الأمر الذي جعله مسكونًا بهم، ويستمد منهم عوامل الاستمرارية ليس في الكتابة فقط، وإنما في عيش تفاصيل حياته برمتها، فهم الملح لذاكرته، والوقود لبقاء ذاكرته متوهجة بالحياة.
لا يجد بجاش أبطاله في صالونات السياسة، بل في دكاكين "محمد وعبدالله لاهب"؛ فدكان لاهب ليس مجرد مطعم للسلتة، بل هو محراب الكرامة.

وكأن هؤلاء الأبطال يمنحون المثقفين "السلتة" والكرامة، ويحملون همومهم في دفاتر ديون لا يطالبون بها أبدًا.
يصف بجاش كيف كان "لاهب" يغضب حين يطلب منه الحساب، كأنه يقول للكاتب: أنت صاحب قضية، فلا تشغل بالك بفتات الخبز.
في نصوصه، تتحول شخصية عامل المقهى، و"بائع اللحوح"، وبائع الصحف، والموظف المنسي في زوايا البيروقراطية، إلى أبطال تراجيديين وقامات وطنية لم تدنسها ألاعيب السلطة.
هو يكتب عنهم لا بدافع الشفقة، بل بدافع الإجلال؛ لأنهم يملكون النظافة التي فقدها الكبار.
إنهم "ملح الأرض" الذي يحفظ توازن البلاد من الانحطاط.
إن مقالاته مليئة بالقصص عن البسطاء الذين كانوا يطعمون البلاد بجهدهم، بينما كانت النخبة السياسية تأكل الأخضر واليابس.
يصف بجاش كيف كان هؤلاء الناس يتقاسمون لقمة العيش وشجن الحكاية، وكيف صمدوا في وجه عواصف الفساد بصبر أيوبي نادر، وكيف كانوا يطعمون "الطفارى" بصمت، دون أن ينتظروا جزاءً أو شكورًا من سلطة تتجاهلهم..؟
إن أنسنة الهامش في مشروعه هي قلب المشروع ونقد صريح لكل الأيديولوجيات التي تجاهلت الإنسان في سبيل صراعها على الكرسي.
وهنالك أسماء شخوص راسخة في وجدان الزميل عبدالرحمن بجاش، ولا يمكن لقلبه أو عقله أن يطالها النسيان مهما توالت الأيام.
أسماء ستظل معشعشة في ذاكرته الغنية، يستحيل أن تنمحي مهما تقادم به العمر وتباعدت السنوات عن رحيلها من الحياة، ومن أبرز تلك الأسماء الخالدة في وجدانه؛ قاسم صالح الرز، ذلك الصديق الوفي لوالده والذي لم يفرق بينهما سوى الموت القسري.
كان يسكن ويعيش معهم في رحاب الدار كأنه فرد حقيقي من أفراد الأسرة الكريمة.
ولم يحسسه والده بأي يوم من الأيام بالدونية أو النقص كونه من المهمشين، بل كان يغمره بالتقدير والاحترام.
بل إن أستاذنا عبدالرحمن بجاش لم يحدث في أية مرة يتذكره فيها أن وصفه بلفظ "الخادم" أو حتى بمصطلح المهمش، ودائمًا ما يذكره باسمه المجرد بكل إجلال العم قاسم صالح الرز.

وأكثر ما يعجبه في سيرته العطرة وتفاصيل حياته هي تلك القصة الخالدة للحب الشهيرة التي جمعت بين قاسم الرز وبين زوجته الوفية فاطمة.
وكثيرة هي التفاصيل الحية التي يحتفظ بها في مخيلته، وأشهرها ذلك اليوم الأغر عندما قام بزفه بالدف في شارع 26 سبتمبر بتعز، وهو صغير، لتصير تلك الزفة حديث حافة إسحاق وكل الأرجاء.
كثيرة الحكايات التي تتزاحم إلى جانب قصص قاسم الرز، حكايات العم قاسم إسماعيل صاحب دكان القرية المعتاد، ذلك الطبَل (مراسل القرية) الذي كان يقوم بنقل المراسلات الحية من وإلى القرية من مدينة عدن النابضة بالحياة.
وتبرز أيضًا قصة عبدالله عبداللطيف العزي الفريدة، وقصة حبه العميق لزوجته، وقصة ابنتهما الحزينة التي ماتت ودفنت بمكان متميز كتميز جمالها الفريد الذي كان محط نقاش أهل القرية وكل القرى المجاورة.
كما لا ينسى عبدالرحمن بجاش أن يسرد بوفاء ذلك الارتباط الوجداني الكبير بجدته أم والده، وبعمته شريفة التي ربته هو وإخوانه بحنان بالغ منذ أن كان عمره سبع سنوات عقب وفاة أمه.
وكيف أن عمته شريفة تمنت الموت وهي تضحك بملء فمها.. وتحققت أمنيتها الساطعة حيث وجدت ميتة بسكينة داخل غرفتها بعد أن دخلت من خارج البيت عقب نوبات ضحك بريئة مع جاراتها اللاتي كن يتحدثن معها ويضحكن معًا.
يحتفظ عبدالرحمن بجاش بكل تفاصيل القرية الدقيقة كأنها نقوش على حجر؛ أهلها الأوداء، ودورها الطينية العتيقة، وحقولها الغناء، ومساقيها المنسابة، وطرقها المتعرجة، وأبقارها الأليفة، ومأكولاتها الشعبية الشهية.
ولذلك كان يحرص أشد الحرص على زيارتها سنويًا في مواسم عيد الأضحى المبارك، باستثناء السنوات الخمس الأخيرة بسبب تعقيدات الحرب القاسية التي جعلت زمن السفر يتمدد إلى 17 ساعة قاسية بعد أن كانت لا تتجاوز 4 ساعات ممتعة من صنعاء إلى حضن القرية.
كان كلما زار القرية يوزع مدة إقامته فيها بحكمة المحب وتؤدة العارف؛ فتارة يجتمع مع أبناء القرية وخاصة أصدقاء طفولته المخضرمين ليخزن معهم ذكريات الأمس الجميل.
وتارة أخرى يزور عجائز القرية اللاتي مازلن على قيد الحياة، ليسلم عليهن ويجلس معهن طويلًا يتساقرون حديث الماضي.
وتارة ثالثة يزور الدار القديم مسقط رأسه، ويتنقل بين غرفه الموحشة التي بلاها الدهر، ويجلس طويلًا بإصطبل الثور والبقرة يستنشق عبق الماضي العريق.
وكثيرًا ما يتعثر بدموعه الساخنة وهو يشاهد أطلال الماضي تلوح كباقي الأوشام الحية على أوجه الجدران المقاومة عوامل الاندثار والتعرية.
لقد حدت ذروة الشغف العارف بالقرية عند عبدالرحمن بجاش أنه حرص كل الحرص على إلزام أولاده بدوام زيارة القرية على الأقل في فترة الأعياد والمواسم.
وذلك تجنبًا لحدوث أية فجوة شعورية بينهم وبين جذورهم الأولى، كما حدث ويحدث لكثير ممن استقروا بالمدن الصاخبة فانقطعوا عن قراهم ونسوا ينابيعهم الأولى.
3. أدب التفاصيل الصغيرة واللقطات التوثيقية العفوية
تتجسد التفاصيل الصغيرة كواحد من أهم المحاور التي يشتغل عليها الأستاذ عبدالرحمن بجاش في كتاباته.
يكفي العودة إلى قصة العمة قبول وبائعة البيض في منطقة كلابة بتعز، وكيف استطاع الكاتب أن يلتقط من تفاصيلها اليومية البسيطة نظامًا إداريًا صارمًا ودرسًا إستراتيجيًا عميقًا في التخطيط من خلال مقاله الإنساني البليغ المعنون بـ"حسن الإدارة.. صاحبة الضباب والبيض!"، الذي كتبه في يوليو 2021.
مقال أكد فيه بجاش على عبقريته في ممارسة الصحافة الإنسانية، بالتقاطه قصة امرأة ريفية بسيطة ليصنع منها درسًا استراتيجيًا عميقًا في الإدارة والتخطيط، عاكسًا مأساة الحرب التي التهمت أحلام البسطاء ودمرت بنيان الوطن.
يمكن تفكيك هذا النص المترع بالذكاء والأسى عبر النقاط التالية.
تأتي العمة قبول من وادي الضباب الشهير إلى مدينة تعز وتحديدًا منطقة كلابة، لتصنع هويتها ومكانها باختيار زاويتها التجارية بعناية هندسية فائقة تواجه ثلاثة اتجاهات للمارة.
فهي لا تبيع مجرد بيض بلدي، بل تبيع التزامًا وثقة جعلت الزبائن يقصدونها من حارات بعيدة، وتدرك قيمة الموقع الإستراتيجي في السوق لذا كانت ترفض أن ينازعها فيه أحد.
وفي حوار طريف وعميق مع الكاتب، تكشف العمة قبول عن نظامها الإداري الصارم؛ فبينما يشخطط الصحفي على الورق، كانت هي تشخطط بالطبشور على الجدار لتصنيف دجاجاتها الـ300: مَن بَاضت، ومَن لم تَبِض، ومن هنّ في سن الخدمة، ومن حان وقت تقاعدهن، لتكون بذلك مديرة لنظام متكامل للموارد والتغذية والرعاية والإنتاجية.
يستلهم بجاش من تجربة العمة قبول نموذجًا لإسقاطه على واقع الأفراد والدول؛ فيرى أنها كانت تمشي وفق دورة إدارية علمية تبدأ بالتخطيط ثم البرمجة فالتنفيذ والالتزام الصارم بالوقت.
ويوجه الكاتب هنا صفعة نقدية مبطنة للنخب التي تدير البلاد، مؤكدًا أن بالفهلوة لا تبني إنسانًا ولا بلدًا، وأن الخطابات الرنانة والدعاء المجرد لا يبنيان الأوطان ولا يديران الثروات، بل إن الإرادة والإدارة والرؤية والمشروع والعلم هي الطريق الوحيد للمستقبل، لتصبح العمة قبول في نظره بمثابة وزارة تخطيط تمشي على قدمين.
يربط بجاش بحزن شديد بين أمكنة المقال وتحولاتها الكارثية؛ فمنطقة كلابة التي كانت سوقًا ومستقرًا للعمة قبول تحولت إلى خط نار، وورشة قريبه السمكار أصبحت متاريس للمتقاتلين من الطرفين.
وكانت العمة قبول تطمح لتوسيع مشروعها وإنشاء مزرعة دواجن كبرى لتأمين دراسة سبعة من أولادها وبناتها، لكن الحرب جاءت لتقضي على الحلم تمامًا وتفرقت الدجاجات هاربات بين خطوط القتال، وضاع معها حلم الدولة المدنية المنظمة التي كانت تمثلها هذه المرأة في سلوكها اليومي.
يختتم الأستاذ بجاش مقالته بنهاية مفتوحة على الوجع السائد في تعز واليمن، متسائلًا بمرارة عن مصير العمة قبول: هل مازالت على قيد الحياة تكابد وعثاء النزوح؟ أم أن رصاصة قناص أو شظية صاروخ عابر حصدت حياتها وحلت محل أحلامها؟
هذا المقال هو صياغة مكثفة تلخص فلسفة عبدالرحمن بجاش؛ حيث تصبح قصة بائعة بيض بلدي مرآةً تُعرّي غياب الرؤية السياسية والاقتصادية لدى صناع القرار، وتوثق كيف تقتل الحروب العبثية المشاريع الصغيرة التي هي النواة الحقيقية لبناء أي مجتمع مستقر.
وطبعًا تتكامل مع مقالة قصة العمة قبول كثير من النصوص التي ترصد لقطات الحياة اليومية الحميمية والمشاهد العابرة التي تختزل زمنًا وثقافة بأكملها، لتنقل المقال الصحفي من مسار التعليق إلى مصاف السرد الروائي الواقعي الخالد.
تَتَمَيَّزُ عَيْنُ الأَدِيبِ القَاصِّ عبدالرحمن بجاش هنا بقُدْرَتِهَا الْفَذَّةِ عَلَى الْتِقَاطِ المَشَاهِدِ العَابِرَةِ والتفاصيل اليومية الحميمية التي قد لا يراها العابرون، لكنها تختزل زمنًا وتاريخًا وثقافة بأكملها، لتنقل المقال الصحفي من مسار التعليق إلى مصاف السرد الروائي الواقعي الخالد.
يبرز ذلك في لوعة غصته على كتابه أساطير هندية الذي أعاره لعلي السنباني قبل حركة أكتوبر بأيام، ولم يتمكن حتى من كتابة اسمه مكتبة بجاش على صفحته الأولى، ليصمت لأول مرة ولا يطالب بكتاب معار معتبرًا إياه خسارة الأهم، لتصبح القصة رمز لخسارة الوطن في لحظة إعدام وكل ما فقدناه في تلك الأيام القاسية.
يوثق بنبرة ساخرة وسوريالية حكاية السيكل النار للمسّاح، وكيف قايضه بكلب ألماني مع البرح، ليتحول الحبل في شارع علي عبدالمغني إلى رمز للصعلكة الحُرَّة التي تزدري المظاهر، معبرًا عن بساطة جيل كان يرى في اقتناء كلب رمزًا للحرية والتمرد على قيود المدينة الجافة.

ينقلنا إلى مشهد إنساني عميق للمسّاح النائم في ليالي المدينة الباردة على حصيرة فوق سرير شبك بارد بلا دفء في باب موسى، ليوفر قروشًا صغيرة يشتري بها الوزف والحلقة والملح ليرسلها إلى أُمّه في القرية عبر الطبل، في لقطة تنبض بالوفاء الفطري.
هذه اللقطات العفوية ليست حشوًا في نص، بل هي شظايا الروح وجوهر الأدب الواقعي اليمني الذي يقتنص اللحظة التي تسبق الانهيار أو تلي الفقد.
تضم مقالات بجاش تفاصيل حيّة عن الحياة اليومية في حقب الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؛ فرائحة القهوة صباحًا، وصوت المذياع الناقل لأخبار لا تصدق، وملابس العيد كحلم للأطفال، وتفاصيل كيف كان الناس يعيشون ويغنون ويحبون، كلها صور تحفظ الذاكرة من التآكل وتجعل المقال وثيقة إنسانية تضج بالحياة بفضل قلم يرى ما لا يراه الآخرون.
4. الحياء والنزاهة والمعارك القيمية ضد التشويه الأخلاقي
في هذا المحور نقف بإجلال أمام الكاتب الصحفي والفكري عبدالرحمن بجاش الذي خاض ومايزال يخوض بكل شجاعة وصلابة من خلال مقالاته الرصينة معارك قيمية فكرية ضارية ضد التحولات المشوهة والوقاحة المتمثلة في انتهازية المتربحين، مفتشًا بدقة عن سيكولوجية الحياء الرفيع، وعزة النفس الأبية، وطهارة اليد النظيفة كأرقى درجات المقاومة المجتمعية في زمن الجشع المادي والانحطاط القيمي.
إن مقاله التاريخي البارز المعنون بـ"عبدالغني علي.. الرجل الشامل!، سيأتي يوم يزال فيه الغبار عن اسم ذلك الرجل"، الصادر في سبتمبر 2020، يعد بحق من أهم المقالات إن لم يكن المقال الأهم على الإطلاق الذي قام برد الاعتبار التاريخي المستحق لواحد من أنقى وأذكى عباقرة الرعيل الأول للجمهورية اليمنية، وهو الخبير الاقتصادي والمالي الفذ الراحل عبدالغني علي أحمد، أول وزير خزانة يمني حقيقي بعد قيام ثورة 26 سبتمبر الخالدة.
إن نص ذلك المقال العميق لا يعد مجرد رثاء متأخر لمسيرة راحل عظيم، بقدر ما هو محاكمة قلمية شجاعة وموضوعية لجحود الذاكرة الوطنية الرسمية والشعبية التي تعمدت لأسف شديد دفن وتهميش وإقصاء مهندس مداميك الاقتصاد اليمني الحديث وباني أركانه الأساسية.
ينطلق الكاتب عبدالرحمن بجاش في استعراض هذه الملحمة من تفصيل إنساني عابر ودافئ يعود لعام 2013 أثناء تلقيه واجب العزاء في وفاة والده المرحوم قاسم بجاش في مدينة تعز، حين تقدمت منه امرأة وقورة لتُعرّفه بنفسها بكل كبرياء قائلة بعبارات موجعة: "أنا شفيقة زوجة عبدالغني علي أحمد".

عبرت تلك المرأة الفاضلة بحسرة بالغة عن انزعاجها الشديد من صدور كتاب غير منصف ولا دقيق عن شقيق الراحل، وهو كتاب لا يليق أبدًا بمكانة وقامة زوجها التاريخية، وهو الموقف الإنساني النبيل الذي ظل بمثابة الشرارة الحافزة لبجاش لينبش في أوراق التاريخ المنسية مستندًا في ذلك إلى كتيب توثيقي نادر للأستاذ سلطان أحمد زيد كمرجع أساسي شبه وحيد عن هذا الرجل الشامل.
يعدد بجاش بافتخار واعتزاز المؤسسات السيادية العملاقة التي ولدت وتأسست من عبقرية عبدالغني علي المفرطة في ستينيات القرن الماضي تحت مظلة وثقة رئيس الجمهورية الأسبق المشير عبدالله السلال، تلك الفترة التي شهدت ولادة نواة الدولة الحديثة.
من أبرز هذه المؤسسات الوطنية الكبرى البنك اليمني للإنشاء والتعمير بفكرة إنشائه العبقرية الرائدة عبر دمج بنكي الأهلي والإندوشين ليكون أول بنك وطني صلب يقود قاطرة الاقتصاد الوطني الناشئ، إلى جانب تأسيس وزارة الخزانة ولجنة النقد اليمنية التي تحولت لاحقًا وبتطور طبيعي إلى البنك المركزي اليمني.
شمل ذلك العطاء العظيم أيضًا تأسيس الشركات والمشاريع الزراعية الاستراتيجية الهامة مثل شركة المخا للزراعة ومشروعي جميشة وسردود الحيويين بهدف بناء أمن غذائي حقيقي ومستدام للبلاد في مرحلة التأسيس.
يتتبع المقال بأسلوب سردي مشوق نبوغ عبدالغني علي المبكر الذي انطلق فيه صاعدًا من ريف تعز الأنيق إلى عدن المتاخمة للثقافة ثم القاهرة وأمريكا طلبًا للعلم، ليعود إلى الوطن قبل قيام الثورة ويختاره الإمام البدر بنفسه عضوًا في المجلس الأعلى للإنعاش للاستفادة القصوى من عقليته الإدارية والعلمية الفذة.
لكن الإمام البدر تاه للأسف تحت سطوة وثقل موروث والده الاستبدادي الإمام أحمد عاجزًا تمامًا عن استيعاب أفكار عبدالغني العصرية المتطورة، مما عجل بالتدخل العسكري الحاسم للجيش والثوار وحسم الموقف التاريخي في 26 سبتمبر 1962.

حمل الريال اليمني الجمهوري الورقي الإصدار الأول التوقيع الرسمي لعبدالغني علي بصفته وزيرًا للخزانة، ليحرص اليمنيون الأحرار على وضعه بفخر في جيبهم الأيسر الملاصق للقلب مباشرة كحرز مقدّس يحمي ذاكرة الثورة الفتية من محاولات الطمس والتجريف الممنهج.
يثني الكاتب بحرارة بالغة على نقاء وسجية المشير عبدالله السلال الذي وضع ثقته المطلقة في عبدالغني واعتبره أكثر من مجرد وزير ومستشار عابر، وذلك دون الالتفات إطلاقًا للمناطقية البغيضة التي تحولت لاحقًا بفعل أمراض الصراع السياسي إلى ما يشبه لعنة الفراعنة المعاصرة لتلغي كفاءات أبناء تعز والحجرية ظلمًا وعدوانًا.
يستنكر الكاتب بمرارة واضحة غياب اسم هذا الرمز الوطني الكبير عن أروقة جامعة صنعاء وقاعات التدريس فيها وعن أرشيف وزارة الخارجية، رابطًا بخيط تحليلي رفيع فكره الاقتصادي المتسق بمسار تلميذه الوفي الراحل عبدالعزيز عبدالغني الذي قاد لاحقًا في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي عملية مأسسة الدولة عبر إنشاء الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ونيابة الأموال ولجنة التصحيح الكبرى.
يستشهد الكاتب في متن مقاله بشهادة أديب اليمن الكبير وشاعره الفذ عبدالله البردّوني في حق عبدالغني علي حين قال عنه بكل صدق إنه كان قوي الحس بالوطن، ولم يترك وراءه عمارة فارهة أو أرصدة بنكية ضخمة، بل خرج من المناصب الوزارية السيادية نقيًا تمامًا خروج الأمطار البيضاء من ضمائر السحب العالية.
يختتم بجاش مقاله بمرارة واختناق حول النهاية المأساوية لهذا العبقري الفذ الذي عاش سنوات عمره الأخيرة فقيرًا منسيًا ومغتربًا بصمت قسري في مصر حتى وافاه الأجل المحتوم عام 1977 دون حتى إقامة جنازة رسمية تليق بحجم إنجازاته ومكانته التاريخية الكبرى.
يؤكد الكاتب بوعيه الصحفي والوطني النافذ أن طمس معالم هؤلاء الرواد العظام هو جزء لا يتجزأ من جناية الجهل الكبرى المرتكبة بحق الدولة اليمنية الحديثة، وأن إزالة الغبار عن سيرهم العطرة هو العتبة الأولى والأساسية لاستعادة روح سبتمبر الحقة وبناء الغد المأمول على أسس متينة من النزاهة والعلم والكفاءة.
5. اخضرار الذاكرة بطين الأرض، ومواسم الزراعة
يتمظهر هذا المحور بوضوح في المقال الوجداني والبيئي البديع والمعنون بـ"فبراير مطير!" (فبراير 2016)، حيث يمزج الأستاذ عبدالرحمن بجاش ببراعة فائقة بين الحنين الشفيف إلى تفاصيل الطبيعة اليمنية البكر وبدائعها الزراعية، وبين التحذير الموجع من اندثار المعرفة الزراعية التقليدية وهجران المدرجات الزراعية التي نحتها الأجداد بجهد مضنٍ.
تحتل الأرض في فكر بجاش التنموي والفكري مكانة رفيعة هي أقرب إلى العقيدة المنسية وحكاية حب قديمة راسخة في الوجدان؛ فالطين ليس مجرد تراب يُداس بالأقدام، بل هو الرحم الدافئة التي منحت اليمني وجوده الأصيل وحريته وهويته الزراعية العريقة بامتياز، حيث يتحول خروج اليمني من الأرض وانسلاخه عنها إلى خروج حقيقي من التاريخ نفسه ومرافعة حانية في عشقها في مواجهة جيل الاستهلاك والمستورد.
يمزج الكاتب بين الحنين العميق إلى تفاصيل الطبيعة وبين التحذير الجاد من ضياع الموروث الزراعي، مستحضرًا الذاكرة المناخية لمدينة صنعاء التاريخية حيث كان الغيث ينهمر مدرارًا ابتداءً من شهر فبراير لتتهيأ الأرض تمامًا لعملية البذار والحرث في شهر مارس.
يربط الكاتب بوعي عميق بين هبة الطبيعة ووعي القيادة السياسية في فترة السبعينيات المجيدة، مترحمًا على الرعيل الأول والرواد الأبرز، مثل الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، وأحمد عبده سعيد، وعبدالرحمن نعمان، أولئك الذين جعلوا من شهر مارس عيدًا وطنيًا حقيقيًا للتشجير والاهتمام بالغطاء النباتي.

يقف الكاتب مذهولًا أمام ما يمكن تسميته "الوعي الفلكي الزراعي" للأجداد، والذي كان يمارس كأنه طقوس مقدسة، مقدمًا توثيقًا أنثروبولوجيًا رفيعًا للقاموس الزراعي اليمني القديم وعلامات السماء، مستعينًا في ذلك بحكمة جدته الحنون "نعمة" حين كانت تصعد لسقف الدار وترنو ببصرها إلى جبال الصلو، فإذا لمع البرق أو ما يسميه "البويرق"، نزلت ممتلئة بالفرح العارم لتأمر نساء الدار بالاستعداد التام لغيث الغد، مستحضرًا أيضًا نموذج العم قاسم علامة القرية الذي كان يستقرئ الشتاء بحنكة، إضافة إلى نموذج البصير في الصلو الذي يقبض بحرص حفنة من تراب الأرض فيأمر أهله بالذري، مستذكرًا أسماء المواسم الزراعية العريقة مثل "الرديس، البتلة، البذر، الفقح، التحويض، وأمطار الصيف والشتاء"، في استذكار دقيق كيف كان الفلاح اليمني يقرأ صفحة السماء، ويعرف وقته بدقة من حركة النجوم بفطرة علمية أصيلة.
يوثق الكاتب بأسلوب شيق عبقرية الفلاح اليمني في مناطق مثل حجة في برمي الأحجار الصغيرة حول شجيرات البن لحمايتها الفعالة والحفاظ على رطوبة التربة، وهي الوسيلة الذكية والفريدة التي انبهر بها أحد الخبراء الأجانب حين شاهدها بأم عينه.
يوجه الكاتب نقدًا حادًا وقاسيًا لجيل "البقالة" والمستهلك الكسول الذي هجر المدرجات الزراعية الباهرة التي نحتها الأجداد وحفرها الأولون بأظافرهم في صدور الجبال الشاهقة، محذرًا بشدة من خطر الاتكال التام على المستورد والعيش على ما تأتي به الأسواق التجارية بحثًا عن أوهام الخلاص السهل.
تعد المقارنة الدقيقة التي يعقدها بين الفلاح الأصيل والجيل المستهلك مقارنة موجعة، لكنها ضرورية ولا غنى عنها، إذ تحول المدرجات في مقالاته إلى قصائد حجرية شاهقة يسكنها غضب الكاتب الساطع على حاضر لا يزرع ولا يحصد إلا الخيبة، غارقًا في بلادة السهر وهجران المدرجات، حيث يمر شهرا فبراير ومارس دون أي انتباه أو التفاتة للأرض وخيراتها.
إن غياب "الحنان تجاه التربة" وهجران المدرجات الزراعية هو في نظره النافذ بداية الخراب الحقيقي، حيث حل ثالوث التخلف المتمثل في "القَاتِ وَالنَّوْمِ وَالتِّلْفِزْيُونِ" محل الفأس الأصيل وأغنيات المطر الفطرية، معزيًا هذا التبلد المجتمعي الخطير إلى سيطرة هذا الثالوث البائس على عقول الأجيال.
يأسف الكاتب بمرارة لكون الأجيال الجديدة لا تعرف شيئًا يذكر عن الأشهر الزراعية ومعانيها، مما جعل العشق القديم للأرض يتلاشى شيئًا فشيئًا، رصدًا متعمقًا لتفتت الملكية الزراعية وغياب دور الدولة ومؤسساتها، مما يجعل المزارعين يخسرون أموالهم الطائلة في عملية الذري لعدم التزامهم العلمي بموعد الحصاد المناسب.
مع تفاقم التغيرات المناخية الحديثة، يقف الفلاح اليمني اليوم وحيدًا بلا إرشاد أو دعم، مما أدى بصورة مباشرة إلى هجران المزارع وحلول دكان البقالة كبديل بائس لإنتاج الأرض الوافر وعطائها المستدام، فالأرض بطبيعتها لا تعطي خيرها أبدًا لمن يهجرها ويسخط عليها.
يختتم عبدالرحمن بجاش مقاله المتبوع بهذا الشجن بتساؤل عميق يحمل في طياته غصة وأمنية غالية: "الآن هل يكون فبراير موعدًا لبدء الخصب؟ وهل نرى مارسًا موهبًا للتشجير؟"، ليرد الأمر في الأخير لله سبحانه وتعالى، مؤكدًا في الوقت ذاته أن اليمن السعيد لن يستعيد سعادته الحقيقية ومكانته المنشودة إلا إذا عادت العربة والحصان إلى مكانهما الطبيعي لتَدور آلة الإنتاج الحقيقي في المزارع لا في خيالات المقيلين العابثة.
6. حراسة الذاكرة الوطنية ومحاكمة عجز النخب الحزبية
لتأكيد مضمون هذا المحور اكتفيت من بين عشرات المقالات بثلاثة مقالات قرأتها بعمق كالمقال المعنون بـ"المبصر الأكبر"، رثاء رائي اليمن الشاعر عبدالله البردّوني، والمقال الذي يوثق نضالات أبناء الحجرية ودورهم المحوري في تثبيت مداميك النظام الجمهوري وحماية الثورة، وكذلك المقال الذي يرثي أرملة القائد عيسى محمد سيف، ويحاكم عجز النخب الحزبية عن تدوين تاريخ الرواد والشهداء الأبرار الذين طواهم النسيان عمدًا أو تقصيرًا.

سنلاحظ في المقالات الثلاث كيف يتحول قلم عبدالرحمن بجاش إلى محكمة للتاريخ وموضوع ملحّ ومتكرر عندما يتناول ملف الرواد والشهداء الذين طواهم النسيان عمدًا أو تقصيرًا من النخب الحزبية، صارخًا بحرقة في أعمدته متسائلًا: "أين عيسى؟ أين السنباني؟ أين السقاف؟ أين محمد إبراهيم؟"، ومشيرًا إلى أن كبريات الأحزاب قتلت نفسها ووأدت تجاربها حينما أهملت ذاكرتها.
يرفض معزوفة الأعذار الجاهزة (مافيش وقت، مش وقته)، وموجهًا نقدًا لاذعًا لعجز القيادات التاريخية عن التدوين، معتبرًا أن تدوين سيرة الأبطال ورموز الحركة الوطنية (ثورة سبتمبر وحركة أكتوبر 1978) هو طوق النجاة للأجيال الجديدة حتى لا تتوه في دهاليز الهويات الضيقة وزرعها في رؤوس الشباب كدليل هاد للمستقبل.
يهاجم صديقه الكاتب حسن العديني بحبّ حادّ، مطالبًا إياه بجلد الذات وإخراج شهداء حركة 15 أكتوبر 1978 إلى العلن، فلا يكفي أن نتغنى بأسمائهم في المناسبات ثم نمضي، بل يجب نبش وإخراج سيرهم من أدراج الوثائق الحزبية المغلقة.
الذاكرة عند بجاش هي الخط الدفاعي الأخير عن الجمهورية؛ فعندما يُسأل المخضرم الكبير من شابّ انضم حديثًا "من هو عيسى؟"، ويقف عاجزًا عن الجواب، فتلك هي الفاتحة على نهاية المشروع النقي، مما يجعل حفظ الذاكرة ونشر سير الأبطال واجبًا حتميًا لا يحتمل التأجيل.
في مقال وجداني حزين ومعنون بـ"المبصر الأكبر"، أغسطس 2020، يفتح الأستاذ عبدالرحمن بجاش سفر النحيب الوطني على رحيل رائي اليمن الأكبر الشاعر والمفكر العظيم عبدالله البردّوني.

النص ليس مجرد رثاء متأخر، بل محاكمة قلمية شجاعة وجلد صارم للنخب والسلطات والمجتمع الذي غرق في العمى الوجداني، ليتعامل مع قامة بحجم البردّوني بجهل وجحود، واصفًا إياه بأنه كان المبصر الوحيد في بلد كله عميان.
يستهل بجاش مقالته بتساؤل فلسفي: كيف لبلد أن يمتلك بصيرة حين تغيب عنه الحكمة والعقل ليتحول إلى قطيع من أغنام لا تدري من راعيها؟
ورفضًا للتشاؤم، استدعى مقولة الدكتور عبدالكريم الإرياني بأن "الأمل يشتي عمل"، فالوصول إلى الإنقاذ يتطلب جهدًا مضاعفًا لا شعارات جوفاء.
يتحسر بجاش على مصير البردّوني في وطنه، مؤكدًا أنه لو كان في أمة تحترم مبدعيها لُصيغت من سيرته التماثيل والمناهج الدراسية.
ويوثق بمرارة لفلفة جنازته كأنه نكرة، في وقت كانت الدولة تنكس أعلامها لموت الفاسدين، منتقدًا موت العقول الذي ينتظر قرارات فوقية للفرح أو الحزن.
يوجه الكاتب عتابًا لاذعًا لورثة البردّوني الذين اختلفوا على متاع مادي، تاركين منزله ركامًا وخرابًا، معلنًا أن الشاعر يُقتل كل يوم بينما يكتفي الجميع بالولولة ثم النسيان.
كما يبدي حزنه لعدم وجود قاعات أو شوارع كبرى تحمل اسمه سوى مسقط رأسه بذمار، معتبرًا أن بلدًا عجز عن تسمية شوارعه غير جدي بحجم البردّوني.
وأمام هذا الموت الجماعي للذاكرة، ينحني بجاش احترامًا لجهود شخصيات أبقت جذوة الشاعر مشتعلة، ممتدحًا الأستاذ محمد القعود رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، آنذاك، لجهده المحلي، والأستاذ محمد جسار، لجهوده عبر الفضاء الرقمي.
يختتم بجاش مقالته بلقطة إنسانية حين اقترب من البردّوني أمام مكتبة أبو ذر بصنعاء، فهمس له بصدق: "أقسم إنك المبصر الوحيد في هذه البلاد"، لتلاحقه ضحكة البردّوني الساخرة.
وبعد أسبوع مات الشاعر، وبعد أسبوع نسيته البلاد بأمر الرئاسة وسلطة الحكم التي ضاقت بإناراته.
يصرخ بجاش في وجه التبلد السياسي والثقافي، مبينًا أن البردّوني كان الرائي الاستراتيجي الذي قرأ مستنقع الجهل، مبرئًا ذمته بمقته للنفاق، ومؤكدًا بحسم: وسيأتي من يقول: يا رجال لا تحاكم الأموات.. هزلت!
يمثل هذا المقال قراءة وجدانية وتاريخية عميقة من الكاتب والصحفي القدير عبدالرحمن بجاش، يمتلك من خلالها ذكريات حية عن مرحلة التكوين، ليسلط الضوء على شهادة تاريخية ووجدانية لإنصاف منطقة "الحجرية" (جنوب تعز) وأبنائها، مستعرضًا تضحياتهم الكبيرة ودورهم المحوري في تثبيت دعائم النظام الجمهوري، وحماية وتثبيت المكتسبات الوطنية لثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، وتحديدًا دفاعهم المستميت عن الجمهورية خلال حصار صنعاء، وبناء الدولة اليمنية الحديثة.
يفرد الكاتب مساحة خاصة للقائد البطل عبدالرقيب عبدالوهاب كقائد للمظلات ورئيس للأركان وقائد الصاعقة والمظلات في ملحمة السبعين، منتقدًا بشدة محاولات طمس تاريخه وقبره واسمه بسبب عدم انتمائه لـ"قبيلة ومشايخ يهزون العصا".

روى الكاتب قصة رفض عبدالرقيب إغراءات مغادرة صنعاء إلى القاهرة أثناء الحصار قائلًا: "لا أملك من الدنيا غير هذه البدلة، سأظل أقاتل حتى النهاية".
ينقل شهادة رفيقه اللواء يحيى محمد الكحلاني (الذي سكن معه في بيت واحد)، حيث أقسم إنه لم يكن حزبيًا، بل كان مقاتلًا مهمومًا بالوطن.
يستحضر الكاتب مأساة الأديمي (رافع شعار "الجمهورية أو الموت") الذي عانى الجوع في قريته أواخر أيامه، والوحش وغيرهم من القادة (مثل محمد صالح فرحان، مثنى جبران، علي شعنون) الذين طالهم النسيان.
يبرز الكاتب دور عبدالغني علي كعقل اقتصادي ورجل مال (وليس مجرد سكرتير للسلال)، ويستذكر الشيخ عبدالحق الأغبري الذي قال عنه المشير السلال للمصريين: "هذا الشيخ الوحيد الذي يعطي للثورة، ولا يطلب من الدولة شيئًا".

يستشهد الكاتب بشهادات وتصريحات قادة كبار عاصروا الأحداث مثل اللواء حمود بيدر (صاحب مقولة "أنتم وقود الثورتين ولا تدرون")، واللواء علي عبدالله السلال، واللواء علي مغلس، والأستاذ أحمد محمد النعمان.
يؤكد الكاتب أن أبناء الحجرية شكلوا النواة الصلبة للحرس الوطني الذي حمى ثورة سبتمبر قبل وصول الجيش المصري، مؤكدًا على لسان اللواء علي عبدالله السلال أن السواد الأعظم من هؤلاء المقاتلين الرواد كانوا من أبناء الحجرية الذين تدفقوا من عدن ومناطقهم للدفاع عن الجمهورية الوليدة.
يشير الكاتب بالفم المليان إلى التدفق البشري الهائل من أبناء المنطقة نحو الكليات العسكرية، وسلاح الطيران، وتدفقهم بكثافة كطيارين ومهندسين وضباط في ألوية الصاعقة والمظلات.
خاض أبناء المنطقة المعارك دفاعًا عن الجمهورية في كل جبال وسهول وأودية شمال الوطن ضد الملكية، دون أن يقلل ذلك من أدوار بقية أبناء اليمن، بالإضافة إلى دورهم البارز في الكفاح المسلح لثورة 14 أكتوبر انطلاقًا من جبال ردفان في الجنوب.
يوضح المقال كيف استُخدم شعار "الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة" كسيف مسلط للتخلص من قادة وضباط الحجرية عقب أحداث أغسطس المشؤومة، وتحويل الكثير من الكفاءات المدنية والعسكرية إلى "شهداء أحياء" بالإقصاء والإحالة القسرية إلى البيوت أو القطاع المدني.
يناقش المقال كيف استُخدمت تهمة "الحزبية" لإقصاء الكفاءات العسكرية والمدنية، برغم أن قادة آخرين من مناطق أخرى كانوا حزبيين ولم يطلهم نفس الكيل بمكيالين.
يوثق بجاش الهجرة الإيجابية لأبناء الحجرية عقب الثورة صوب المدن الكبرى (تعز، الحديدة، وصنعاء)؛ حيث أسسوا شركات المقاولات، وفتحوا الدكاكين في باب اليمن وشارع علي عبدالمغني ممتدين حتى صعدة، وحرثوا الأرض والبحر جنوبًا طلبًا للرزق وإنعاش المدن.
ساهم تجار المنطقة بأموالهم وتجارتهم في تأسيس وتدعيم البنك اليمني للإنشاء والتعمير والشركات التابعة له ورفع رأسماله.
حرص أبناء المنطقة على دفع أبنائهم للتعليم والابتعاث للخارج، وإسهامهم في جنوب الوطن والتفافهم حول التعليم، مستشهدًا بـ"كلية بلقيس" التي افتتحها الأستاذ أحمد محمد النعمان في عدن لتعليم أبناء اليمن وتأهيلهم.

يختتم الأستاذ عبدالرحمن بجاش مقالته بلفتة إنسانية نبيلة حول طبيعة أبناء الحجرية بالتأكيد على ميزة أساسية فيهم؛ وهي "العطاء دون مَنّ"، فبعد كل ما قدموه من دماء في جبهات القتال وأموال في عصب الاقتصاد، عاد مقاتلوهم وبسطاؤهم إلى قراهم وجبالهم بصمت ودون مطالبات بمناصب أو امتيازات.
ينوه الكاتب في النهاية بأن تسليط الضوء على هذه الأدوار لا يأتي أبدًا من باب الانتقاص من تضحيات بقية أبناء اليمن الجمهوري في كل المحافظات، بل هو صياغة بليغة تنبض بنبرته المعهودة التي تجمع بين إنصاف الرموز المنسية وتوثيق التاريخ من منظور اجتماعي وإنساني بعيد عن الحسابات السياسية الضيقة.
كتب الأستاذ عبدالرحمن بجاش مقاله المعنون بـ"هذه المرة لمريم وأمها!" في مايو 2017، عقب رحيل أرملة القائد الناصري الشهيد عيسى محمد سيف، قائد حركة 15 أكتوبر 1978، ليكون مرثية تذكير برحيل امرأة عانت مرارة الفقد والتشهير وإعلاء لقيم الكرامة لعوائل الشهداء الذين ماتوا فقراء.

يستهل بجاش مقاله بتقديم فلسفة عميقة يرى فيها أن موت أرملة عيسى محمد سيف أعاد التذكير بالقيمة الأخلاقية الكبيرة للشهيد، موثقًا الكفاح الصامت لأم عظيمة حولت سنوات التيه والعذاب إلى عطاء فأثمرت "حمدان" قلمًا حرًا، و"مريم" التي تصنع بنزاهتها حياة تليق باسم والدها.
يكشف الكاتب عن حقيقة مؤلمة تشهد لنزاهة عيسى الذي مات ولم يترك سكنًا لزوجته وأولاده لا في القرية ولا في المدينة، ليجزم بأن أولاده الشرفاء يتنقلون اليوم من دبّاب إلى دبّاب بحثًا عن اللقمة المعجونة بالكرامة في مفارقة مع الفاسدين.
يوجه بجاش خطابًا نقديًا للتنظيم الناصري داعيًا إياه لتجديد الخطاب والأدوات ليتلاءم مع عصر الديجيتال بدلًا من الانكفاء على القرارات المعلبة، ومطالبًا ببروز مشروع جديد يصهر المشتركات بين الفكرين القومي واليساري للخروج برؤية عصرية للعدل الاجتماعي.
يطالب بجاش بتحويل المناهج التعليمية إلى حوامل تخلد الرموز الحقيقيين أمثال عيسى محمد سيف، وعلي السنباني، ومحمد إبراهيم، وسالم عبدالقادر السقاف الذي لايزال بيته في حي الصافية بصنعاء يحكي قصة الزعامات النقية.
يتساءل بحرقة عن توثيق تضحيات الكوكبة الممتدة من عبدالقادر سعيد، وعبده محمد المخلافي، وجار الله عمر، ويوسف الشحاري، ويحيى البشاري، وصولًا إلى أم مريم، مكررًا نداءه لإخراج الأسماء الذهب إلى النور.

يكمل بجاش رؤيته باستدعاء مقاله الآخر المعنون بـ"مرة أخرى.. أين عيسى؟!"، الصادر في 12 أكتوبر 2020، ليطلق صرخة وفاء تعيد فتح ملف شهداء الحركة الناصرية ومحاكمة عجز النخب عن تدوين تاريخ رموزها.
يعود بشريط الذاكرة إلى مقاعد الدراسة بمدرسة ناصر بتعز، مستعيدًا وجوهًا كزميل مقعده عبدالله حزام أحمد نعمان، والقاحلي عبدالله محمد سيف، وسلطان محمد شمسان، وعبدالواسع، وعبده أحمد صالح، وغازي، ومفيد.
يتساءل بسخرية عن سبب عدم محاولة أحد تنظيمه معقبًا بأن ابن الشيخ ليس له مكان، بينما لايزال صوت الشهيد عيسى محمد سيف وهو يناديه بـ"كيفك يا بن الشيخ" يرن في أذنه مع صورته ببدلته السوداء على مدخل جامعة صنعاء.
يستعرض قائمة الرموز الذين ابتلعهم غياهب الإعدام كرفيقه محمد إبراهيم، والمذحجي، والرازقي، وقاسم منصر الشيباني، ويتوقف بغصة عند زميله علي السنباني ومطالبته بكتاب "أساطير هندية" المعار، وتذكره للاعب محمد فلاح في ملعب الظرافي.
يوثق صوت القائد عيسى أثناء محاكمته وهو يصرخ بشجاعة "أنا المسؤول وحدي"، موجهًا هجومًا حادًا لصديقه الكاتب حسن العديني ليخط سيرة عيسى والشهداء، ومثنيًا على محاولة الكاتب عبدالله عبدالقادر تدوين بعض السير.
يختتم الأستاذ بجاش مقالته بتحية لروح الشهيد وأرملته الصابرة وموجهًا أمل في كفاح مريم، ومعلنًا قراءة الفاتحة على العجز الجماعي في توثيق تاريخ الحركة الوطنية ورموزها التي يتهددها الفناء والنسيان.
إن محاكمة عجز النخب الحزبية وحراسة الذاكرة الوطنية عبر نصوص ومقالات عبدالرحمن بجاش، تشكل معًا خريطة طريق متكاملة لإعادة الاعتبار لتاريخ اليمن الحديث والرموز الخالدين الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم من أجل تثبيت دعائم النظام الجمهوري، الأمر الذي يضع على عاتق الأجيال الجديدة والباحثين مسؤولية وطنية كبرى في حفظ هذه الذاكرة الحية وعدم السماح بطمسها أو نسيانها تحت أي ظرف من الظروف السياسية أو الحزبية العابرة.
7. الأبوة الروحية والتلمذة العابرة للاختلافات الأيديولوجية
من الأحرى بنا هنا التطرق إلى الروافد الأولى التي تشكل منها المعمار الثقافي، والفضاء المعرفي للأستاذ عبدالرحمن.
إن رجلًا بهذا الثبات الوطني، والتمسك بقيم النزاهة، ونظافة المعدة، والكف والروح والذهنية، والتماهي اللاحصري مع الأشياء في كافة تفاصيل الحياة على كافة المستويات من قريته بالكدرة إلى عزلته بقدس مرورًا بمديرية المواسط فالحجرية فمحافظة، ومدينة تعز بكافة حواريها وحافاتها، وأزقتها، وصولًا إلى صنعاء التي حوت كل فن، وكل مدن اليمن، والوفاء لكل الناس الذين عرفهم من سنوات صباه من قاسم الرز في قاع المجتمع إلى الأستاذ النعمان والرعيل الأول من رموز حركة الأحرار، ورجال، وأبطال وشهداء الحركة الوطنية، وصولًا إلى جمال عبدالناصر في ذروة الزعامة العربية، وغاندي ومانديلا كزعامة إنسانية.

إن رجلًا اعتجن بكل تلك الأشياء من جماليات قيم الناس والمثل العليا، وعبقريات الأمكنة في الريف والمدينة لا شك أن هناك كثيرًا من الروافد الكثيرة بعضها ذاتية وبعضها موضوعية أسهمت إلى حد كبير في تحديد مساراته الحياتية والمهنية، وتوجيه قناعاته المدنية، والثقافية، وترجمة كل ذلك في إبداعاته سواء السردية في الأدب، أو كتاباته في الصحافة.
وقد يطول بنا المقام والمقال إن حاولنا استحضار كل تلك الروافد ومتعلقاتها، ومحدداتها، وصيروراتها وكينوناتها، ناهيك عن أنه لا يحق لي قول ما لست متأكدًا منه كوني لا أعرف الرجل إلا من خلال كتاباته وما يلقى إلى سمعي من أحاديث الناس عنه، وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد ناجي أحمد النبهاني.
لهذا أكتفي هنا بإيراد أبرز الروافد التي أثرت في طبيعة الكينونة الذاتية والموضوعية في شخصية أستاذنا عبدالرحمن بجاش تأثيرًا كبيرًا، ويستطيع استنتاجها كل من وقف أمام كتاباته ومقالاته المنشورة، وكم هو باعث على الفخر اكتشاف الأبوة الروحية العظيمة، والتلمذة العابرة للاختلافات الأيديولوجية التي وجهت أستاذنا منذ يفاعة سنه، علاوة على التكوين الذاتي لشخصيته الإنسانية والإبداعية على حد سواء.
في هذا المحور تتجلى جذور الأستاذ عبدالرحمن ومكانة والده الشيخ قاسم بجاش المؤثر الأول في تكوينه المبكر، ثم تأثير الأستاذ أحمد النعمان، وغيره ممن تعرف عليهم في سنوات الصبا والشباب في محافظة تعز، وبعد ذلك في القاهرة، وفي صنعاء.
في هذا المحور يبرز عبدالرحمن بجاش من خلال توثيق شبكات الاحتضان الإنساني والمثاقفة وخرائط العلاقات التي صنعت وعي الجيل، مؤكدًا أن الإنسانية النبيلة تتجاوز خنادق السياسة الجافة وأن روابط الاحتضان الفكري أبقى من تحزبات اللحظة.
يشتغل بجاش على توثيق شبكات الاحتضان الإنساني والمثاقفة وخرائط العلاقات التي صنعت وعيه، مبينًا لنا أن الإنسانية النبيلة تتجاوز خنادق السياسة الجافة، وأن روابط الاحتضان الفكري أبقى من تحزبات اللحظة العابرة، ليكتب عن جيل الآباء الذين أسسوا دولة الوعي بلغة تملؤها التقوى الأدبية باعتبارهم منارات تهدينا في ظلامنا.
يروي باعتراف وامتنان عميقين عن أبوته الروحية والتلمذة المشتركة مع المسّاح تحت رعاية الأستاذ الأديب "يحيى العرشي"، في علاقة تلميذ بأب روحي لا علاقة صحفي بمسؤول، وكيف كان العرشي يحتضن خوفهم وهواجسهم ويطلب سماع وسحب "كل ما في رأس المسّاح" من حكايات كأنما يطلب دواءً للروح في زمن القمع، لتكون الكلمة عنده موقفًا.

يذكر بتهيب مدرسة "النعمان الابن" (مصطفى أحمد نعمان) كنموذج للمثقف الذي يعرف كيف يربي أجيالًا على الكرامة لا على التبعية، والذي كان يمنح المسّاح مالًا ليشتريه بدلة وكرافته ليعلمه السياسة، فيأخذها المسّاح ليرسلها لأمه في القرية.

لا ينسى وقوفه إجلالًا لشهامة "البورجوازي النبيل الحاج فارع العزعزي" صاحب المقهاية، الذي كفل والدة المسّاح ماليًا في قريتها ليتفرغ الابن ويكمل دراسته في القاهرة بعد موت أبيه المعدوم.
هذه العلامات والوفاء لهذا الجيل من الآباء تصنع نسيج الوفاء العابر للطبقات والأفكار، حيث يلتقي اليساري بالقومي والعصاميون بالبورجوازي النبيل في مساحة واحدة تقديس الصنيع الإنساني الخالص، ليكون بجاش حقًا حارسًا لتراثهم الروحي.
يُعد الوالد الشيخ قاسم بجاش العنصر المؤثر الأول في تكوين شخصية الأديب والكاتب الصحفي عبدالرحمن بجاش، فقد استمد منه ذلك النفس القريب من الأرض والبسطاء، والمسؤولية الأخلاقية والوطنية التي جعلته يترفع عن الصغائر ويسخّر حبره بالكامل للدفاع عن الدولة والجمهورية والمواطنة المتساوية، مترجمًا قيمة "العطاء بصمت" التي عُرف بها والده في خدمة القرية والناس.
هاجر الشيخ قاسم بجاش في مطلع شبابه من قرية العُفيف التابعة لمنطقة الكدرة -عزلة قُدَس بمديرية المواسط- إلى مدينة عدن، وهناك عمل في عدد من المهن منها تعلم قيادة السيارات فكان من أوائل الذين يقودون السيارات في ناحية قدس حينها، وتنقل في أماكن كثيرة حتى استقر به الحال في مدينة تعز.
ليس ثمة ريب أن هذه المحطات في حياة والده قاسم بجاش قد رسمت ملامح شخصية عصامية ومتفتحة على مدن الريادة اليمنية أفضت فيما بعد عند الاستقرار في مدينة تعز إلى خلق تقارب مع الرعيل الأول لرواد الحركة الوطنية، وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد محمد نعمان المؤسس الأول لحركة الأحرار الوطنية والصانع الأول للقضية اليمنية، إلى جانب صلته الكبيرة بكبار الشخصيات الجمهورية كالشيخ محمد علي عثمان، وغيره من المناضلين والمثقفين، ومن ذلك تشكلت حاضنة وطنية مبكرة انعكست على وعي كل أفراد العائلة ومحيطها، والذي كان عبدالرحمن بجاش من أوائل المتأثرين بها.
يؤكد الأستاذ أحمد ناجي أحمد، الأمين العام المساعد لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، أن الوعي القومي والبوصلة التحررية لدى الشيخ قاسم بجاش تجلت أكثر ما تجلت بتأثره العميق بحركات التحرر العربية إلى درجة اختياره الواعي لأسماء أبنائه تيمنًا برموز الكفاح والنهضة؛ فسمى نجله عبدالناصر تيمنًا بالزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر، وعبدالسلام تيمنًا بالزعيم العراقي عبدالسلام عارف، وعبدالرحمن تيمنًا بالرئيس العراقي عبدالرحمن عارف.
وفي مقال وجداني وتوثيقي نبيل معنون بـ"عن المسني..!"، أكتوبر 2014، يعود الأستاذ عبدالرحمن بجاش ليصيغ فلسفة أخرى للبطولة في اليمن، وهي بطولة لا ترتدي الكرافتات ولا تسكن القصور، بل تولد من عرق الدكاكين وأرصفة الشوارع ومقاهي البسطاء.
النص جغرافيا إنصاف لرجال غيبهم الموت، يستدعي فيه بجاش ذاكرة تعز في أيام عزها، ويرثي المناضل محمد عبدالملك المسني، داعيًا النخب لتوسيع التاريخ ليشمل ملح الأرض.
يفتتح بجاش مقاله بكسر الصورة النمطية، مؤكدًا أن الرجال الكبار ليسوا وزراء، بل رجال عاديون حرثوا الأرض بحثًا عن لقمة العيش وربوا أولادهم على الوطنية.
وينتقد غياب توثيق أثر هؤلاء البسطاء في الدكاكين وخلف العربات وعمال الورش.
يستدعي بجاش شواهد حية كـ: العم إبراهيم رجل المرور أمام الباب الكبير بتعز، ومقاهي الوعي مثل مقهاية فارع العزعزي في عدن والحديدة، ومقهاية الإبي وشاي عبدالله الإبي في تعز، ولاهب صاحب السلتة في صنعاء الذي أطعم الطلاب والجنود مجانًا، ومستودعات البشرية عبدالله عبداللطيف القدسي، ومحمد طارش مستودع الوحدة العربية، وسيف القدسي، ومحمد عبدالرب القدسي.
في محور محمد عبدالملك المسني رادار الثورة، يوثق بجاش رحيل العم محمد متذكرًا طفولته أمام مخبز التيسير في طريقه إلى مدرسة الثورة الابتدائية.
ويرسم لقطة تاريخية لاجتماع المسني، وأحمد قاسم، وأمين قاسم، وجده عم أبيه محمد عبدالله نعمان، أمام الدكاكين لتبادل أخبار راديو لندن وصوت العرب بترديد: "جمال قال... السلال فعل".
يصف شارع 26 سبتمبر بأنه لهبة تشتعل ثورة، وبابور أحمد الغنامي يوزع الأعلام.
ويعتبر المسني ممن رفعوا عبدالناصر من شارع 26 بتعز إلى القاهرة، وأن نجله عبدالرحيم ثمرة تلك المدرسة.
يعبر بجاش عن حزنه لرحيل المسني، وعتابه لنفسه لأنه لم يزره في دكانه.
يختتم بجاش بصرخة للأحزاب بكتابة سير البسطاء وتوسيع التوثيق الوطني، مؤكدًا أن تاريخ اليمن الحقيقي خبأته تجاعيد العم محمد عبدالملك المسني وأقرانه.
8. النقد الاجتماعي الساخر
سخرية بجاش هي سخرية مؤلمة، وهو لا يرحم "المثقفين المأزومين".
هو لا يضحكنا ليُسلينا، بل ليُرينا عورة الواقع والنخبوية.
يصف النفاق الاجتماعي بعبارات لاذعة، ويفضح ثقافة المظاهر التي تسيطر على نخبنا، ويسخر منهم حين يتحدثون عن فولتير وهم لا يعرفون أين تقع قريتهم.
يصف كيف تتحول شعارات "العلمانية" إلى طقوس استعراضية في مقايل صنعاء.
المقال الساخر لدى بجاش هو مبضع جراح؛ يقطع به الأورام الأخلاقية التي أصابت جسد المجتمع.
يكشف كيف يرتدي هذا المثقف "قناعًا" ليخفي خلفه رغبته الدفينة في الحصول على راتب أو منصب أو "بطاقة مشيخ".
هو يضحك من المثقف الذي يبيع موقفه من أجل عشاء فاخر، ومن المسؤول الذي يظن نفسه إلهًا وهو لا يملك من أمره شيئًا، ويستخدم السخرية كمشرط ليفضح هذا الفصام الذي يعيشه "مثقف المقيل".
ومصداقًا لهذا النهج، يتجلى هذا العمق الساخر بوضوح في مقاله المعنون بـ"ماهيش عصيد واعبده..!"، الصادر في السابع عشر من أغسطس عام 2013، حيث يفتتح بجاش رؤيته باعتراف قاسٍ بأن الربيع العربي سُرق في لحظة تيه غاب فيها العقل الاستراتيجي، ليحل محله الشتاء العربي، موجهًا صفعة نقدية لاذعة للمثقف اليمني الذي يقف ذليلًا أمام مصلحة شؤون القبائل بحثًا عن بطاقة مشيخة، ومتهكمًا على المشايخ الجدد مقارنة بالسابقين، فضلًا عن تعريته لفقر الوعي بالمصطلحات السياسية حين يظن البعض أن القائمة النسبية نوع من الطماطم، أو أن الفيلسوف فولتير يعود أصله إلى كدرة قدس في تعز، ليهزوا رؤوسهم زيفًا في المقيل وهم مستعدون لشج رأسك عند الاختلاف، مستدعيًا عبارة مواطن صعيدي بأن السلعة وصلت ولم يأتِ معها الكتالوج، ليخلص الكاتب إلى أننا لم نغادر مربع القبيلة والعشيرة والمذهب، ومحذرًا بعبارة مقبل علي الساخرة أن السياسة الدولية وقرارات الكونجرس ومجلس الأمن لا تُدار بعفوية العصيد، بل بمصالح جافة لا ترحم المغفلين.
9. الهوية الوطنية والجمهورية المستعصية على التمزيق
من بين إجمالي المقالات التي وقفت أمامها تتبلور الهوية الوطنية والجمهورية المستعصية على التمزيق كواحدة من أهم المحاور التي يشتغل عليها الأديب القاص والكاتب الصحافي عبدالرحمن بجاش في كتاباته.
وحسبي هنا ثلاثة مقالات وقفت عندها بالتأمل هي المقالة المعنونة بـ"لم يفت الأوان بعد!.. اقرؤوا النعمان من جديد"، والمقالة المعنونة بـ"لا" رثاء للمناضل والبرلماني يوسف الشحاري، والمقالة المعنونة بـ"عاش اللي قال..."، احتفاء بمئوية الزعيم جمال عبدالناصر.
عندما يكتب الكاتب عن الجمهورية يتناولها وكأنها حبيبة معذبة وحلم إنساني مستعص ومفهوم لدولة ذات سيادة كاملة ودستور ومواطنة تحترم القانون لا سيّد فيها ولا مسود، ممتدة جغرافيًا من صعدة إلى المهرة ومرورًا بنشطون والخراخير وسقطرى وميناء عدن الذي يجب أن يبقى حاضرة المدنية النابضة، ليرى أن صون الحدود والسيادة يبدأ بصون كرامة الإنسان.
وعند تفكيك المقالات الثلاثة سنجد أن الأستاذ عبدالرحمن بجاش في مقال "لم يفت الأوان بعد!.. اقرؤوا النعمان من جديد" (أبريل 2021)، يطلق دعوة استراتيجية ملحة لاستدعاء "العقل والبراغماتية الوطنية"، متخذًا من شخصية الأستاذ أحمد محمد النعمان بوصلة وطوق نجاة للخروج من النفق المظلم الذي تاهت فيه البلاد بسبب الجهل، والشطط، وغياب الإنصات لكتاب الداخل.
ويمكن استقراء المراجعات التاريخية العميقة والتشخيص السياسي الدقيق الذي قدمه بجاش حين يضع يده على المقتل التاريخي للثورات اليمنية شمالًا وجنوبًا المتمثل في غياب التبصر والاندفاع خلف "الشعارات المستوردة" التي هبت كالريح وصمت الآذان عن أصوات العقلاء كالنعمان والبردّوني.
إذ يرى الكاتب بمرارة أن أصحاب المشاريع الأيديولوجية قرأوا "كتاب الخارج"، وعجزوا عن قراءة "كتاب الداخل"، ولو أنهم انطلقوا من قراءة فاحصة لـ"أنّات النعمان" الأولى واللاحقة، لأدركوا مكامن العلة في بنية المجتمع اليمني.
مستشهدًا بقصة اللقاء التاريخي والدال في منتجع "فارنا" ببلغاريا عام 1969، حين اقتحم النعمان غرفة مسؤول حزبي كبير من عدن، وظل يستمع إلى تنظيراته وشعاراته الطوباوية لساعات، ليعلق النعمان في النهاية بعبارته التهامية الساخرة والبليغة: "يهي يا بني، من أين أجيب لك بلاد تسع الذي في رأسك!".
ويتطرق المقال إلى رؤية النعمان التقدمية التي استشعرت مبكرًا أن الثورة في بيئة يغطها الجهل ستقود الثوار إلى "مهاوي الردى".
لذلك آمن النعمان بأن التعليم هو عتبة النجاة الأولى عبر محطات كـ"كلية بلقيس"، لكن النخب الجاهلة والشعاراتية نقلت عللها إلى واحات التعليم ذاتها لينتصر الجهل في النهاية برغم "الكرافتات والبدل المزهنقة".
وعندما اصطدم النعمان بجدار الشمال السميك المليء بـ"الصمم" السيادي والقبلي وبجدار الجنوب المأخوذ بالشطط واجه التخوين والمؤامرة وسحب الجوازات وصولًا إلى فاجعة اغتيال عينه واليد التي سبقت عصرها نجله محمد أحمد النعمان في بيروت عام 1974.
ويسلط الكاتب الضوء على لحظة اليأس المريرة التي عاشها النعمان في خريف عمره حين تنحى جانبًا وسحب كرسيًا لتفرج على الزحف الممنهج للجهل برعاية الحكم وصولًا إلى نصيحته السوداوية لنجله مصطفى: "لا تعُد.. اليمن أصبح مستنقعًا لن يجف أبدًا!".
ومن وحي هذه النبوءة يقدم بجاش جردة حساب قاسية وتشريحًا واقعيًا للخارطة السياسية الراهنة ليثبت عقم اللحظة.
حيث يقتات الحزب الاشتراكي على ذكريات الماضي، وعلق الحزب الناصري عند نقطة محددة ويرفض مغادرتها، وتلاشت أحزاب كالبعث والقوى القومية أو أكلتها الأرضة.
وبدا المؤتمر الشعبي بلا ملامح أو رائحة، بينما الإصلاح عندما يتمكن لا يرى أحدًا غير أقدامه، وتظل القوى الصاعدة حديثًا حبيسة الماضي وتفتقر للرؤية بالأساس.
وتشقى القبيلة مع من غلب بين إمام الذهب وإمام المذهب، وتتركب أحزاب الدين المسيس ناقة تائهة بلا خطام.
ويرى بجاش أن الجمهورية هي "وليد الوحدة المباركة" التي جرى سرقتها أو تأخير قطارها وأصابها مرض "الإدارة الفاسدة".
مؤكدًا أن مشروع 22 مليونًا والدولة التي كان يجب أن تكون للجميع هو قدر حتمي لا بديل عنه ولوج الغد.
ورافضًا خطايا "الضم والإلحاق" وحرب صيف 94 التي أفرغت الديمقراطية من مضمونها، وخرافات الخداع السياسي الموصوفة بـ"الحكم المحلي واسع أو ناقص الصلاحيات" باعتبارها محاولات لتأجيل الصراع لا لحلّه.
ويفرد بجاش حيزًا هامًا لعبقرية النعمان في فهم العلاقة مع الجوار والمحيط الإقليمي حيث كان الرجل يدرك بوعي رجل الدولة أن محيط اليمن الجغرافي سيتحول إلى وبال عليها ما لم تُصغ معه علاقة تقوم على "التطمين والاطمئنان المتبادل" عبر رؤية حكيمة تستوعب المخاوف وتزيلها بالعقل بدلًا من شعارات التصدير الثوري أو التبعية المطلقة متمنيًا في لحظة وجع أن تأتي "طامة" تأخذ أحد الطرفين إلى أقرب محيط للتخلص من هذه المعادلة الصعبة.
ويتمسك الكاتب بدولة الدستور وحقوق الإنسان ومواطنة تحترم القانون لا قانون الأقوياء وديمقراطية الصندوق الحقيقي الذي يأتي بالحاكم نزيهًا من أية طائفة أو منطقة. رافضًا جمهورية "السيد" أو "الشيخ"، ومؤمنًا بأن اليمن الكبير لا يمكن أن يستقيم إلا بدولة لا سيّد فيها ولا مسود، بعيدًا عن تحكم العصبيات والمتصارعين.
يختتم الأستاذ عبدالرحمن بجاش صرخته بنبرة أمل تتحدى قسوة الواقع، مؤكدًا أن الأوان لم يفت بعد.
وطالما أن اللحظة الحالية عقمت ولم تلد مشروعها المنقذ، فإن الواجب الأخلاقي والوطني يحتم على من تبقى في رؤوسهم "بقية عقل" أن يعودوا فورًا لإعادة قراءة إرث النعمان الفكري والسياسي.
إذ إن الغاية من هذه القراءة ليست التحنط في الماضي، بل تهيئة التربة والظروف لولادة "نعمان جديد" يمتلك روح العصر ومتطلباته وينطلق من "كتاب الداخل" وفهم توازنات الجغرافيا والواقع لإعادة استعادة اللحظة والإمساك بزمام المستقبل.
وسنجد أستاذنا في المقال الثاني المعنون بـ"لا"، والصادر في سبتمبر 2020، يقدم مرثية استثنائية وبليغة لواحد من أبرز فرسان الموقف والكلمة الحرة في تاريخ اليمن الحديث المناضل والبرلماني والشاعر والمسؤول الأمني الراحل يوسف الشحاري، نائب رئيس مجلس النواب الأسبق.
حيث لا يعد النص مجرد تذكير برجل غيبه الموت، بل هو صرخة صحفية تُعلي من شأن كلمة الرفض في وجه الطغيان، وتعرّي زمن الهوان والمداهنة عبر استدعاء نموذج رجل عاش فقيرًا، نزيهًا، صليبًا، وانحاز على الدوام لملح الأرض وبسطائها.
يستهل بجاش مقاله بمدخل فلسفي تكررت فيه عبارة قليلون جدًا ليدلل على ندرة الرجال والنساء الذين يمتلكون القدرة الشجاعة على قول "لا" في لحظتها التاريخية المناسبة. معتبرًا أن اليمن خسرت الكثير من هؤلاء المبدئيين الذين يقرؤون سر الواقع ويستشرفون المستقبل، ومؤكدًا أن أصحاب المواقف يظلون أحياء في الضمير الجمعي للشعوب بينما يذهب الغثاء المتملق إلى العدم بلا أثر.
يرسم بجاش لوحة إنسانية مهيبة للشحاري مبرزًا بساطته وزهده الشديد الذي لم تغفره المناصب، وظل محتفظًا بهويته البصرية الشعبية من نظارته وكوته وقميصه وفوطته وصندله.
وبهذا المظهر البسيط وقف في وجه الظلم والقهر، مدافعًا عن البسطاء الذين ينحتون الصخر، ورافضًا مساومتهم أو التعامل معهم كعبيد.
ومحاربًا الموبقات والفتن بصوته النثري والشعري دون مهادنة، مستحضرًا بيته الشعري الشهير الذي يجلد نفاق النخب السياسية حين قال: "قتلوها وأمعنوا في البكاء/ وأحالوا الربيع فصل شتاء/ وأطالوا الزفير حتى/ حسبنا أنهم من سلالة الأنبياء".
يكشف بجاش في مقاله عن حقائق مهنية متعددة في سيرة الشحاري، فهو الضابط الصارم المتخرج من مدرسة الشرطة عام 1956 وتولى أمن حيس وتعز والحديدة وكان معلمًا ملهمًا في كلية الشرطة بصنعاء.
وهو الرائد الصحفي الذي تولى إدارة تحرير صحيفة الثورة الرسمية وهي المفارقة المشتركة مع كاتب المقال.
وهو الصوت العالي تحت قبة البرلمان ممثلًا عن فقراء تهامة والحديدة كأحد مؤسسي المؤتمر الشعبي العام، دون أن يخفت صوته أو يساوم على مصلحة الناس وهو في قمة هرم السلطة التشريعية.
يوثق بجاش الوفاء المتبادل بين قامات اليمن مستحضرًا مرثية الشحاري للرائي الأكبر عبدالله البردّوني.
ولحظة رحيل الشحاري عام 2000 حين انبرى شاعر اليمن الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح ليرثيه بكلمات نابضة بالضوء والخلود مؤكدًا أن مثواه في القلوب لا في التراب وأن أفكاره تومض في بهاء الضوء والظل.

ليختتم بجاش مقاله مؤكدًا أنه لا يبكي يوسف الشحاري كشخص بل يبكي غياب قيمة الرفض والمبدئية، ليعيد تقديمه كعنوان لوطن نقي يؤكد للأجيال أن الكرامة الوطنية تُبنى بنزاهة اليد وقوة كلمة "لا" في وجه المنعطفات.
وسنجده في المقال الثالث المعنون بـ"عاش اللي قال..."، فبراير 2018، يستلهم لحظة تاريخية استثنائية أحيتها تعز في غمرة وجع الحرب، متمثلة في الاحتفاء بمئوية الزعيم جمال عبدالناصر التي نظمها التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري.
النص مكاشفة شعورية لجيل الحركة الوطنية؛ يستدعي فيها بجاش وهج الطفولة وشموخ الرعيل الأول، ليرسخ أن الشعوب في لحظات انغلاق الأفق لا تلوذ بالماضي ترفًا، بل لتقبض على جوانبه المشرقة كحبل نجاة ضد النسيان.
يفتتح بجاش مقاله بصباح بهي انهمرت فيه دموع الفرح على خدود الرجال اعتزازًا بمئوية ناصر، مؤكدًا أنه لم يكن إلهًا بل بشرًا يخطئ ويصيب، وكلما زاد الحاكم تقزمًا كبر ناصر في أعماقنا.
ويتذكر ملمحًا عائليًا بأنه لم يرَ دموع والده الشيخ قاسم بجاش إلا يوم التنحي ويوم موت ناصر.
يلتقط بجاش عنوان مقاله من حنجرة الفنان عزيز الوجيه الملقب بعبدالحليم حافظ اليمني، وهو يشدو بروعة: "عاش اللي قال.. يا مصرنا مافيش محال".
ويعرج إلى زمن العمالقة مستدعيًا مقاربة تهكمية للصحفي فؤاد عبدالقادر، حين سأله محمد الزرقة عن انطباعه بمؤتمر عدم الانحياز، فأجاب حسرة: "كنت تلتفت يمينًا تشوف تيتو، تلتفت يسارًا تشوف نهرو.. ذلحين لا ترى حولك سوى سواقين!".

ويعلق بجاش بسخرية مع احترامي لنقابة السائقين التي أثبتت أنها أفضل من نقابة الصحفيين.
يوجه بجاش شكرًا خاصًا للأستاذ محمد سيف ناجي وشبابه، وللأستاذ محمد سعيد ظافر لنجاح الفعالية بعيدًا عن البهرجة.
ويتوقف بفرح عند طفل شقي هو حفيد القائد الشهيد عيسى محمد سيف حين ألقى أبياتًا للشاعر محمود غنام، ممثلًا الروح القادمة لليمن.
يوثق بجاش لحظة مؤثرة بمساعدة عبدالمجيد ياسين، متذكرًا مصطبة جامعة صنعاء حين وجد الشهيد عيسى محمد سيف يجلس ببدلته السوداء يناديه: "كيف حالك يا بن الشيخ؟"، مرسلًا تحية لصاحبه علي السنباني والآخرين.
ويتساءل بجاش بمرارة عن مصير مخرجات الحوار الوطني والسيادة الجغرافية بعد أن أكلتنا الحرب، مظهرًا حنينًا دافقًا لليمن الكبير الذي يظل وفيًا له، ليقف صوته مدافعًا عن المواطنة التي أضاعها المتصارعون، ومؤمنًا بأن خلاصنا هو بالعودة الحتمية إلى دولة القانون والكرامة.

يختتم بجاش مقاله بغصة ونداء حار للكاتب حسن العديني: "أخرج عيسى من صدرك إلى رأس قلمك إلى الورق".
يثبت بجاش أن الصحافة حراسة للهوية والذاكرة الوطنية.
10. الابتهاج الشعبي وأفراح البسطاء كفعل مقاومة
يكتب بجاش عن الفرح الفطري والأغنية كفعل نضالي ومقاومة أصلية وسط كل هذا الشجن المقيم وثقل الحرب والموت، ليرى أن أغنية أيوب طارش وثيقة وطنية ليست أقل شأنًا من الدستور، وأن الرغبة في الحياة والفرح أطول عمرًا من بنادق القَتَلة ومشاريع التمزيق، ليقول لنا من خلال صوت شجي وفرحة عابرة: نحن مازلنا هنا، ونحن مازلنا نحب.
يلتفت بنظرة روائية محبة ليوثق اللحظات البسيطة التي تتحدى الموت وتصنع الحياة من لا شيء، مستذكرًا الأعراس التاريخية التي كانت تحولت إلى تظاهرات ثقافية كبرى وطقوس مقدسة لرفض الموت في حارات تعز (مثل عرس الضابط الشاب محمد شرف في الستينيات)، حيث تمتلئ الضبوعة بالنور والأغنيات ويأتي الفنان العظيم "أيوب طارش" ليحيي الليل بصوت يغسل أرواح الناس ويزرع فيهم حنين الأرض وأهازيج المواسم الخصيبة وتضميد الجراح.
يرسم ببراعة فرح الأمهات والجدات القرويات بمقدم المطر وهنّ "مهردات بالهرد والحناء والقرنفل"، يستقبلن السحاب بأدعية طاهرة تنبعث من قلوب تعرف معنى الحياة بالفطريّة، ليرى في ضحكة الأم و"مهرداتها" وسعادتها انتصارًا للحياة على الحزن الذي يحاولون فرضه علينا.
يعتبر هذا الابتهاج الشعبي والفرح هو السد الأخير الذي يحمي الهوية من التآكل، فالفن والأغنية والبهجة العفوية هي الوسيلة التي حفظت بقاءنا، وأكدت أن هذا الشعب العظيم لا يموت أبدًا.
وليس ثمة برهان يؤكد على طرحنا هنا من مقاله المعنون بـ"يا عاشق الليل" الذي نشره في أغسطس 2013، حيث اقتنص في لحظة صفاء نادرة الأثر الذي راحت تلك اللحظات بكلمات الشاعر أحمد الجابري، وصوت أيوب طارش، تتغلل في وجدانه وتتناقله بين تفاصيل شتى لا حصر لها من ضجيج المدينة إلى شجن القرى، ورائحة المطر، والطين، والليل والسمر، وهنا ينبري إلى قلمه ليدون تفاصيل تلك اللحظة.
وهو هنا لا يكتب مراجعة فنية، بل يكتب بوعي المثقف العاشق الذي يرى في صوت أيوب معادلًا موضوعيًا للهوية اليمنية، وذاكرةً حية للبلاد من المهرة حتى القشلة، ليوثق ليلة تحولت بفعل النغم والشجن من ظلام الليل إلى نهار الروح.
ينطلق بجاش من كواليس ليلة عادية كان يعد فيها زاويته الأثيرة، ليرن الهاتف بنغمته الكلثومية المحببة إليه، يحمل صوت الصديق الغزير أدبًا وعلمًا وعلوًا عبدالعزيز سلطان المنصوب، الذي يصفه بجاش بصاحب ابن علوان ومحيي الدين بن عربي، وينحني للطفه وأدبه.
يسوق المنصوب لبجاش المغريات بقوله: "من هواهم من صاحب المولد.. سيأتي أيوب طارش"، فلم يزد الكاتب على قوله المتلهف: "مكانني ظمآن"، لينطلق بين بيت بوس والعشاش وهو يردد في أعماقه: "هات لي قلبك وخذ قلبي معك.. قلبي معاك".

في حضرة أيوب وبصوته الخفيض النبيل، يحكي بجاش كيف أراد كسر رهبة اللحظة الأولى وجلالها أمام هذا النقي نقاء ماء السواقي، فبدره بمداعبة حانية قائلًا: "يا أستاذ أيوب.. والدي يتوفى ولا تعزيني؟"، ليرد أيوب بتواضعه الأثير مستذكرًا والد الكاتب الشيخ قاسم بجاش بالقول: "كان أبونا".
يستعيد بجاش اللحظة الأولى التي طرأ فيها اسم أيوب في وعيه بالستينيات في تعز، حين أصروا أن يحيي أيوب عرس الضابط الشاب محمد شرف أحد ضباط ما بعد الثورة وزميل عبدالرقيب عبدالوهاب وعلي مغلس وشرف محمد عبده، لتتحدث تعز كلها من جبلها صبر إلى ضبوعتها عن ذلك العرس، ومن يومها دندنت الحواضر والقرى: "بالله عليك يا مسافر" و"يوم السفر".
يصوغ بجاش أدق وأجمل تشبيه لإنسانية أيوب طارش؛ فحين تجلس بجانبه تحس كأنك تجلس إلى بتول ومحراثه الفلاح، أو إلى زرع صغير تهزه الريح فيصدر عنه أعذب الأنغام.
في ضحكته وصوته، يلمح الكاتب وجوه الجدات الطيبات والأمهات القرويات المهردات بالهرد، الحناء، الأزاب، البياض، والقرنفل، وصوته وهو ينشد للمحاجن وللحلم الكبير الذي سرقه اللصوص.
في تلك الليلة المباركة، لم يكن أيوب وحده، بل حضر معه عبر كلماته وألحانه رفاق دربه وصانعو مجده الإبداعي؛ فحضر الفضول عبدالله عبدالوهاب نعمان، والجابري، وأبو ماهر، والشائف، وعباس الديلمي، ومحمد شرف الدين.
امتزجت أحرف هؤلاء الكبار بدموع فرحة الحاضرين ودقات قلوبهم، وهم يدندنون طوال الليل عشاقًا: "يا عاشق الليل"، "هيمان"، "والهجر يومين"، لتأخذهم النشوة مع أيوب نحو تهامة الكبرياء عبر أنشودة "يا شفاه الورد في روض الخمائل"، لينشد في أرواحهم أنشودة الرعيان والمطر.
يستيقظ بجاش من نشوة النغم ليجد الساعة قد شارفت على الواحدة صباحًا، ليفترق السمار وكلٌّ يمضي في اتجاه تحت سماء صنعاء.
ظل قلب الكاتب يردد طوال طريق العودة لحن أيوب وكلمات الجابري: "يا عاشق الليل... ماذا أنت تنتظر.. نامت عيون العذارى واختفى القمر"، ليختم المقال بيقين الكاتب والإنسان بأن الفلاحين ينامون، والقمر يغيب، لكن "أيوب لا يختفي.. يظل يشرق في أعماقنا".
يؤكد الأستاذ عبدالرحمن بجاش في هذا النص مجددًا انحيازه الكامل لـ"أصوات الأرض" ونبض البسطاء؛ فأيوب طارش في نظره ليس مجرد ظاهرة غنائية، بل هو النسيج الوجداني الذي وحّد وجدان اليمنيين في زمن التشظي، وهو المحراث الذي زرع الحب والوطنية في وعي الأجيال، والمقال بمثابة انحناءة شكر وتقدير من قلم كاتب متميز لحنجرة بتولٍ نذر صوته للتراب والفلاحين والوطن.
11. مراثي الفقد وخلود الوفاء
ليس غريبًا أن مرثيات الخلود تمثل الختام في مشروع بجاش الإبداعي، فالموت في مقالات بجاش هو "مفارقة لا تحتمل".
عِنْدَمَا يَمُوتُ الشَّرِيفُ فِي اليمَنِ، لَا يَكْتُبُ بَجَاش نَعْيًا تَقْلِيدِيًّا، بَلْ يَفْجُرُ يَنَابِيعَ الشَّجَنِ الكَوْنِيِّ لِيُحَوِّلَ الرَّحِيلَ إِلَى وَثِيقَةِ وفَاءٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْفَظُ حَقَّ الرَّاحِلِ.
كثيرة هي محطات الفقدان التي أوجعت أستاذنا بجاش.
وسيطول بنا المقام والمقال إذا ما حاولنا استحضار عناوينها مما كتبه ونشره خلال العقد ونصف العقد من السنوات، ناهيك عمن فقدهم قبل 2010.
ولهذا تتجلى قمة هذا الوجع في حالتي فقدان؛ الأولى هزت كل شعيرات جسمه وكيمياء وجدانه وذاكرته، والأخرى كسرت ظهره، وتجلي ذلك الوفاء الخالد لبجاش أمام الفقد الفاجع في مقالين كتبهما على النحو أدناه.
مقال زوربا الصحافة اليمنية.. مرثية الأبد لصديق العمر المساح
في هذا المقال النابض بالفجيعة والوفاء، يكتب الأستاذ عبدالرحمن بجاش مرثية استثنائية لصديق عمره وتوأم روحه الصحفية، الكاتب والأديب الساخر الكبير محمد المساح، صاحب العمود الشهير "لحظة يا زمن" في صحيفة الثورة، والذي رحل بعد رحلة كفاح مريرة ونقاء إنساني.

يستهل بجاش مقاله بوجع إنساني خانق، متمنيًا لو أن النوم دفن رأسه في وسادته لكيلا يستيقظ على فاجعة رحيل توأم روحه.
تنهال الرسائل المرعبة من الرفاق: محمد صادق، مصطفى راجح، انتصار السري، ووليد البكس، فيهرب بجاش من واقعية الفاجعة بالاتصال بالمساح، لكن الهاتف يكرر صمته البليد، لينتهي القلق بنبأ سهيل نجل المساح الذي رماه في وجهه كالصاعقة: "أبي توفي".
يستدعي بجاش مفارقة زمنية موجعة؛ فقبل أيام من رحيل المساح، قاده الحنين إلى شارع الذهب ليسأل عن أخوين قدما ملاذًا دافئًا لطغمة المثقفين الفقراء في صنعاء، هما محمد وعبدالله لاهب أصحاب مقهاية السلتة الشهيرة، لتكون الصدمة بأن الاثنين ماتا، فارتمى بجاش إلى الجدار يبكي زمنًا مضى.
يعيد بجاش رسم اللقطة حين كان يدخل مع المساح وسعيد أنعم إلى دكان لاهب والجيوب تسكنها الريح، فيصيح المساح بكبريائه الساخر: "كم حسابك يا أخي.. وكم الباقي من المرة الأولى؟".
يرده محمد لاهب بابتسامة حانية وشتيمة أليفة، ليعلق سعيد أنعم منقذًا الموقف: "اخرج يا مساح قد نحنا طفارى عميان عادك اشتسجل!".
يتذكر المناكفات الطريفة للمساح حين قايض دراجته النارية بكلب ألماني مع شخص يُدعى البَرِح، وكيف كانوا يسيرون في شارع علي عبدالمغني نهارًا يمسكون حبل الكلب، صعودًا إلى بيت التويتي مقر صحيفة الثورة بشارع القيادة.

يوثق بجاش العلاقة الخاصة التي ربطتهما بالأستاذ القدير يحيى العرشي، الذي كان يتصل يوميًا ليطلب حضور المساح ليحصل على كل ما في رأسه، ليكون العرشي الأب الروحي الحقيقي لهما.
يستحضر الكاتب لقطة باهرة حين كانا يسيران معًا، فتقف فجأة سيارة لاندكروزر تخص النعمان الابن مصطفى أحمد نعمان، فيقفز المساح إلى الداخل تاركًا بجاش يواصل سيره هيبةً.
عندما يعود المساح، يخبره بأن النعمان الأب صاح حين رآه: "ليش تجيب معك هذا الشيوعي؟".
يجر النعمان الابن المساح جانبًا ليعطيه مالًا ويقول له: "خذ واذهب اشتري بدلة وكرافتة وجزمة"، لكن المساح يرفض البدلة ويقول لبجاش: "امشي باروح أرسل مصروف لأمي والباقي لنا".
يعود بجاش ليفتش في تاريخ المساح بمدينة تعز؛ متذكرًا حين كانت الجماهير تحمله على الأكتاف نازلين من ميدان الشهداء بالعقبة لأن المساح استولى بالحرفنة على الكأس، ليردد الدكتور منصور الهلالي ضاحكًا: "من يستطيع الاقتراب من المساح المُدارج".
يُذكر الكاتب تضحيات المساح في باب موسى؛ حيث كان يشتغل ليلًا في مطعم عبده سيف العزعزي، وفي الليالي الباردة ينام على حصيرة فوق سرير من شبك مقتطعًا القروش ليرسل بها الوزف والملح والدقيق لأمه في القرية.
يوثق بجاش لحظة تاريخية فارقة أثناء دراسة المساح في القاهرة؛ حين قرر بوفاء نادر ترك قسم الصحافة والعودة لليمن لرعاية أمه فور وصول رسالة وفاة والده الفلاح الفقير.
يروي بجاش كيف كتب المساح رسالة للحاج فارع العزعزي صاحب المقهاية الشهيرة في عدن والحديدة يبلغه بقرار عودته، فجاءه الرد التاريخي من هذا البرجوازي النبيل: "واصل دراستك وأنا سأصرف على أمك"، وصَدَقَ في عهده حتى تخرج المساح.
يختتم بجاش رثاءه لزوربا الصحافة اليمنية بدموع وغصة أبدية، مؤكدًا أن محمد المساح ظل معادلًا لزوربا اليوناني في حيويته وعشقه للحرية، وأن رحيله هو انكسار متجدد لجيل نقي من الرواد عاشوا من أجل الكلمة الشريفة.
مقال انكسر ظهري.. مرثية الشقيق عبدالسلام بجاش
إزاء ذلك البكاء الأخوي المرير المعنون بـ"انكسر ظهري"، يخلع الأستاذ عبدالرحمن بجاش عباءة الصحفي ليكتب مرثية إنسانية جارحة، راثيًا رحيل شقيقه ومستودع أسراره عبدالسلام قاسم بجاش.
يفتتح بجاش النص معتكفًا في بيته، وبينما الحديث يدور حول شقيقه عبدالناصر، يقتحم ابنه حسام الخلوة ليخبره بوجود عمه في الإنعاش.
ترن نغمة الهاتف أثناء الغداء مع ابنته تاج وحسام والصغيرة جوان، فيقوم حسام فزعًا، وتتجمّد اللقمة في حلق الكاتب بينما تشخص عيون ابنته نحو صورة عمتهم الراحلة شذى المعلقة على الجدار.
يصلون إلى المستشفى، وأمام الجسد المسجى يكاد بجاش يصرخ: "يا رجل يكفي نوم، هيا".
ليتجمد على جبين أخيه الطاهر طابعًا قبلة العمر كله، مستذكرًا جبينه الذي نضح حياءً ونقاءً.
يرسم بجاش ملامح عبدالسلام بوصفه فريدًا بحسن اللسان، والصمت، والضحك وقت الحاجة، وكونه مستودع أسراره.

يستدعي مداعباتهما وذكريات الطفولة في تعز حين ذهبت والدتهم خديجة إلى المستشفى الجمهوري وتركته عنده، مترحمًا على والدتهم الحنونة وكريمة النفس.
يكشف الكاتب عن تحجر مشاعره وعجزه عن البكاء، متحولًا الوجع إلى حوار داخلي: "انكسر ظهري يا أخي، لم فعلتها فينا ولم استعجلت؟".
يعاتب شقيقه على هذا الرحيل القاتل، متسائلًا كيف سيفتقد اتصاله الصوتي وكيف يتركه وحيدًا وقد أخذ أسراره معه.
برغم الغياب، يجد بجاش شقيقه شاخصًا في عينه، وقلبه، وعقله، وفي أولاده وإخوته، وفي كل الورود والسنابل وعصافير الأودية.
يستدعي رمزية وادي الجنات في إب، حيث تتدفق روح عبدالسلام مع مياهه الزلال، وتردد الطيور صَوْتَهُ الخفيض تسأل أين أنتم.
يختتم بجاش رثاءه بدعوة شقيقه للنوم بسلام، مستودعًا روحه عند الله، ومثقلًا بحب لا تحده بحار من الشجن، في وثيقة تؤكد أن أقسى الانكسارات هي فقدان مرآة الروح والظهر الذي يستند إليه الإنسان.
بجاش في مرثياته يكتب عن الفقد لا كحدث بيولوجي، بل كانخساف في أرض القيم بلغة العارف، الذي يعرف أن الرحيل ليس نهاية الحكاية، بل بداية ذاكرة ستظل محفورة في وجدان من أحبوه، محولًا الدموع المتحجرة إلى وثائق وفاء ملحمية.
هو يكتب عن أصدقائه الراحلين ليثبت أن الوفاء لم يمت، وليقدم محاكمة لزمن يرحل فيه الأخيار هادئين، ليتركونا في صحراء قاحلة موحشة، حيث يتحول الفقد الشخصي إلى انكسار جماعي لجيل طاهر عرف النزاهة وعاش لها.
مرثياته هي من أجمل ما كُتب في الأدب اليمني المعاصر، ورغم أنها نصوص نثرية قصيرة غير أنها أشبه بتراتيل حزينة لا تجعلنا نبكي فحسب، بل تجعلنا نحب الراحلين أكثر، لأنها تحمل بكثافة صدق الوجع وقداسة الذكرى.
مرافئ الختام
يقف الأستاذ عبدالرحمن بجاش في نهاية المطاف كحارس أمين لفنار الوعي اليمني، يأبى أن ينطفئ النور حتى ولو تقاذفت المركب أمواج الخريف المجدب.
إن جمعه لشتات هذه السير المجيدة، ونبشه المستمر في تفاصيل الحياة اليومية للبسطاء، هو الترجمة الحقيقية لمعنى الانتماء العميق للطين والأرض.
نحن لا نملك أمام هذا القلم النابض إلا أن نعترف بأنه صنع لنا رئة نقية نتنفس من خلالها هواء اليمن الذي نحبه، اليمن الذي لا سيد فيه ولا مسود.
لقد كانت هذه الإطلالة المنتقاة على مشروعه بمثابة مخطوطة وفاء طويلة، حرسنا فيها دموع عيسى، وأغاني أيوب، وصعلكة المساح، وأحلام الطفارى على موائد لاهب.
وما دامت قلوب الناس تنبض بهذه الكلمات، فإن القطار اليمني سيعود يومًا إلى محطته الأولى، وستخضر المدرجات المهجورة من جديد لتستقبل رسائل المطر.
إن هذا النص -يا صديقي القارئ- هو محاولة لاستعادة جوهر الحكاية في بلد يحاولون فيه نسيان كل شيء.
إننا حين نقرأ بجاش، نحن لا نقرأ صحافة، نحن نقرأ سيرتنا الذاتية التي ضاعت في زحام المآسي.
سنظل نكتب، وسنظل نقتفي أثر هذه الكلمات، لأنها الضمانة الوحيدة لكيلا نتحول إلى أرقام في سجلات النسيان.
إن جداريات عبدالرحمن بجاش سواء في عموده اليومي الشهير بصحيفة الثورة "ن.. والقلم" أو على صفحته بالفيسبوك، وفي الصحافة والمواقع الإلكترونية، ليست مجرد كلمات، بل هي هوية سترثها الأجيال، ليظل صوت الإنسان اليمني حرًا، عاليًا، ونظيفًا كطين الأرض.
سلامٌ على فكر هذا المبدع الكثير.
سلامٌ على قلمه النابض بثراء، وترف ورفاهية الجمال، وعلى كل الأقلام التي لا تبيع حبرها، ومافتئت تواصل صلاة الكتابة في محاريب فجر الوطن الصبي من أجل الإنسان اليمني.



