الأحد 9 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • تساؤلات سريعة عن أبعاد التحالف التركي - السعودي -الباكستاني؟

تساؤلات سريعة عن أبعاد التحالف التركي - السعودي -الباكستاني؟

 في مقال سابق، بعنوان (العالم يتشكل من جديد، فأي مكان لنا فيه؟)، نشرته في عدد من المواقع الالكترونية، بتاريخ 27 نوفمبر 2021م، ثم نشرته في الجزء الثاني من كتابي (أوراق متفرقة)، طرحت سؤالاً محورياً: ما هو مكاننا نحن العرب في التنافس الدولي وفي التشكل الجديد للعالم؟ وحاولت أن أجيب عنه على النحو الآتي:      

"للإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن ننطلق من بديهية، نعرفها من خلال تمعننا في كافة الظواهر الطبيعية والبشرية. فاستمرار أي ظاهرة مرهون بتوازن عناصرها الداخلية وتوازن علاقاتها بمحيطها الخارجي. فإذا اختل التوازن انهارت الظاهرة وتلاشت. وهذا قانون يحكم الكون كله، بمجراته اللامتناهية، كما يحكم كوكب الأرض، الذي إذا ما اختل توازن عناصره انتهت كل مظاهر الحياة فيه. وينطبق هذا القانون حتى على أجسام البشر والحيوان والنبات. فالأمراض التي قد تصيبها، إنما تنتج عن اختلال في توازن العناصر المكونة لها.
وقياساً على ذلك يمكن القول إن الوطن العربي مختل التوازن، داخلياً وخارجياً. وهذا هو السبب الكامن وراء ضعفه واعتلاله وتخلفه. فعلى المستوى الداخلي، نرى بنية حكوماته وعلاقتها بالشعب وعلاقة مكونات الشعب (الاجتماعية والسياسية) بعضها ببعض، نراها كلها مختلة التوازن، إلى حد كبير. ويولد هذا الاختلال تخلفاً في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعلى المستوى الخارجي، ترتبط الحكومات العربية بقوى خارجية على قاعدة مختلة التوازن أيضاً. فالقوى الخارجية تصنع هذه الحكومات وتسخرها لخدمتها، وتتعمد إبقاءها ضعيفة أمام الإرادة الخارجية، مرتهنة لها، خاضعة لمشيئتها. 
وفي ظل اختلال التوازن، داخلياً وخارجياً، وما يتولد عنه من ضعف داخلي، ومن علاقات خارجية غير متكافئة، مبنية على التبعية، مفتقرة إلى الندية والاحترام المتبادل، يبدو مستقبل الوطن العربي في إطار الصورة الاجمالية للعالم الذي يتشكل الآن، مستقبلاً لا يبشر بخير، ما لم تتحرك قواه الفاعلة، وتغير واقعه، وتعيد التوازن الداخلي والخارجي، بحيث يتمكن الشعب العربي من الانطلاق نحو الأمام، وفرض وجوده المؤثر بين شعوب الأرض، واحتلال مكانته اللائقة بتاريخه العريق وجغرافيته الممتدة وكثافته السكانية المتجانسة وموقعه المتميز وثرواته المتنوعة". 
كانت هذه محاولة للإجابة عن السؤال المطروح في المقال المشار إليه. واليوم ها نحن نتابع ما أُعلن في مكة المكرمة، بما لها من رمزية دينية، من تشكيل تحالف دفاعي جديد، مكون من تركيا والسعودية وباكستان، هدفه، بحسب الإعلان، مواجهة أي عمل عدواني تتعرض له أي دولة من الدول الثلاث، واعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجوماً عليها جميعها. بمعنى أن الدول الثلاث تلزم نفسها مجتمعة، بخوض (حرب دفاعية)، إذا تعرضت إحداها لهجوم مسلح من أي جهة. ورغم أن ملامح وأبعاد هذا التحالف لم تتبين بعد، لا سيما من الناحية العملية، فإن مجرد الإعلان عنه يثير تساؤلات عديدة، منها:
١- هل انفراد دولة عربية بالانخراط في تحالف عسكري مع دولتين غير عربيتين ناتج عن يأسها من إمكانية تشكيل تحالف دفاعي عربي فاعل، بعد أن فشلت اتفاقية الدفاع العربي المشترك الموقعة في 18 يونيو 1950م، ثم اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي الموقعة في 21 ديسمبر 2000م، وبعد أن تبدى عجز الحكومات العربية عن معالجة الصراعات المسلحة التي تعصف بالوطن العربي، أو عدم اكتراثها بها؟  
٢- من المستهدف من وراء إنشاء هذا التحالف الجديد؟ هل هي إيران، التي ترى فيها المملكة العربية السعودية تهديداً لها من الغرب، كما ترى في المكونات العربية المرتبطة بها تهديداً لها من الجنوب ومن الشمال، أم أن المستهدف هو الكيان الصهيوني ومشروعه التوسعي في المنطقة، الذي سيلحق الضرر بكل الدول المحيطة بفلسطين المحتلة، بما فيها المملكة العربية السعودية؟ 
٣- ما الذي يدفع تركيا وباكستان إلى الانخراط في هذا التحالف؟ هل هناك ثمة حسابات مستقبلية للدولتين، وتخوف لديهما من أن تشكل إيران في المستقبل خطراً على مصالحهما ونفوذهما في المنطقة، قد يتصاعد إلى مستوى الصدام المسلح؟   
٤- ما علاقة هذا التحالف بالصراعات الدائرة في المنطقة، وما هو موقف دوله الثلاث من المشروع الأمريكي المعلن (الشرق الأوسط الجديد)، ومن المشروع الصهيوني المكمل له؟
٥- كيف ستنظر القوى السياسية اليمنية المختلفة إلى هذا التحالف؟ هل سترى فيه حافزاً إلى الالتفات نحو وطنها اليمن وسلامته وأمنه واستقراره، فتسارع إلى التصالح فيما بينها وتقديم التنازلات، بعضها لبعض، في سبيل الصالح العام، واعتبار السلطة حق عام للشعب كله، يختار لها من يرى فيه صلاحاً لحاضره ومستقبله، عبر انتخابات حرة نزيهة، وتتجه إلى إنهاء الانقسام وتوحيد بلدها وإقامة دولتها اليمنية الواحدة، على أسس الشراكة الوطنية الحقيقية والمواطنة المتساوية والتبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات؟ أم سترى فيه سنداً لطرف يمني على طرف يمني آخر، يمكِّنه من تصفية الحسابات معه، عبر الحرب التي طال أمدها واشتدت على الناس وطأتها.   ٦- هل يمكن لهذا التحالف، بوجود تركيا وباكستان فيه، البعيدتين جغرافياً عن اليمن، هل يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في خفض التوتر بين الحركة الحوثية والرياض، على طريق إحلال السلام في اليمن، وتحقيق توافق وطني بين اليمنيين، يفضي إلى بناء الدولة اليمنية الواحدة، الضامنة لوحدة واستقرار اليمن وإنهاء الانقسام ووضع حد للفوضى الداخلية، التي من شأنها، إذا ما استمرت، أن تؤثر سلباً على أمن واستقرار كل جيران اليمن، وتحول دون إقامة علاقات طبيعية معهم، مبنية على أسس الاحترام المتبادل وحسن الجوار وتنمية المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في شؤون اليمن الداخلية؟ أم أنه تحالف سيرجح خيار الحرب على خيار السلام، ويساعد اليمنيين على الإمعان في جهالتهم والإيغال في سفك دمائهم وتدمير مقومات حياتهم والقضاء على كل أمل في بناء مستقبل آمن لأبنائهم؟   
٧- وأخيراً: هل سيكون هذا التحالف عامل استقرارٍ وأمنٍ وسلامٍ في المنطقة، ترحب به شعوب المنطقة التي تعاني من الحروب و(الفوضى الخلاقة)، أم سيكون مجرد اصطفاف جديد، يمكن أن ينزلق في أي وقت من اصطفاف دفاعي إلى اصطفاف هجومي، يزيد المنطقة اضطراباً وعدم استقرار؟
هذه مجرد تساؤلات سريعة، خطرت في الذهن الآن، قد تفتح الباب للنظر بعمق إلى مجمل التفاعلات السياسية في المنطقة، التي قد تتخذ مسارات أخرى بعد هذه الاتفاقية، يصعب التنبؤ بها، كما يصعب في هذه اللحظة تبين مدى تأثيرها على الأحداث داخل اليمن، ومدى تأثيرها على علاقة اليمن بجيرانه وبالعالم من حوله. كل هذا على افتراض أنها ليست مجرد ظاهرة إعلامية عابرة، كغيرها من الاتفاقيات والتحالفات التي سبقتها.