الأحد 23 أغسطس 2026

حلمكم يا هؤلاء

المتحلقون حول سدة الحكم رهنوا العقل، سجنوه بزنزانة المدح وكيل المديح لمن بيديه مفاتيح باب الجنة، لكن جنة الرحمن متاحة للطبيبين الصادقين من البشر، أما جنة من تعلى حكم فهي جنة المسنود من سحابات ذوي الجاه، أباطرة عدم اليقين، ما أمطرت يوماً خيراً للبلد، لكنها سحابات بها لغط ولغو، حكمته من جاور السعيد يسعد حسب قاموس جحا بسوق شرطه: اصمت، أغمض عينيك وأذنيك، انساها، تنل شفاعة من تدر يداه ما يخرس العقل، لكن تفتح الشهية، تسر الناظرين، فجامل ما تيسر من قاموسك جملاً تأشيرة للعبور، ليضمك المختار لقوائم من صدرت بهم باركات ما مثلها نالها حازها، خامل ينام بعدها العقل واللسان تردد ترهات القول.

وهنا كارثة العقل المصادر بدولة، عقلها كيس يسيل بالمال الوفير لدولة غابت عن الوعي، أضاعت بلداً يبحث بين الظلمات سبيلاً للخروج، لا شيء يأتي ممن رهن السلطة لمن توافرت بهم صفات التابع الذليل، يتم ضمه لمعترك السياسة عبر بلادة العقل، قلة الضمير. تلك شروط قيادة الدول عبر أجهزة ألسنتها تراوغ، تلعق العسل من وادٍ مثمر من شجيرات شجر السدر المدر لعسل، حسب مواصفات من أرسى المزاد، اختار قوائم من بهم يحكم أمر كل بلد دونما جدال أو نقاش أو اعتراض، فقط عقول ألسنة تصمت، تلعق العسل مدراراً ذهباً يسيل.
ومن اختارتهم عناية من ربى شجر السدر بأرض طيبة وشعب غفور، يسيرون على منوال مولى النعم، يرتبون شؤون الدار، أمور البلد بذات الوصايا العشر، وعبر الصفات والمواصفات التي عبرها تأهلوا ليكونوا سادة اللحظة، سادة البلد. أن مسهم شيء جلل، فعناية ضارب الدف بقصر هيئة الأمم ووكلاء الدعم عند الخطر بسرعة البرق يعيدون ترتيب الورق، وعلى ذات الشاكلة تمضي أمور البلد ضمن فراغات هندسها معتمد يدير ملفات أكثر من بلد، سياسات صراعات ما حان بعد يوم الخلاص، خارطة السياسة، صراعات المصالح لها اعتبارات، مقاييسها تحت سيطرة أيادٍ أمينة، لكنها تلعب بالبيضة والحجر من أول غزة ببلاد الشام، امتداداً من الأناضول حتى هرمز، يهمس باب المندب سراً جهاراً حسب ترددات لهيب الحرب بالبحر والمحيط.
بلادنا أسيرة تسويات عنها حكامنا أبعد ما يكون، وشعبنا يدفع الثمن باهظاً، دماراً شتاتاً، وتغول أسواق من باعوا، يبيعون عقولهم لرهانات لا تقبل الجدل، على قراءات وتحليلات يحار القارئ، والعقل الرشيد يسأل ويتساءل: من أجل ماذا، وأين خارطة الطريق كي تخرج من اليم، يمنٌ غريق؟ لا شيء واضح، وما تبقى من عقل رصين يتساءل: وأين التصدي على من اعتدى على سيادة البلد؟ قد كان يوماً قاب قوسين أو أدنى من قلب الحديدة، وما الجديد بعد جهد السنين؟ يجري من مفاجآت من العيار الثقيل، مفاجآت كانت دلالاتها تقرأ، تقول إن الأجل قد حان لاستعادة الدولة وتجريد من عليها تغول من مفاعيل تغوله، لنكتشف أننا ما نزال ندور داخل حلقة مفرغة.
هنا يحق القول: وأين حكماء بلد لهم عقول تفكر؟ وإلى متى يطول بنا زمن الغربة والاغتراب؟ نسمع خلاله خطابات لا تسمن ولا تغني من جوع. قد حان وقت استعادة زمام مبادرة وطنية تعالج، تجتاز ما علق بالجسد السياسي شمالاً وجنوباً من تصدعات. حان وقت تحويل الوعود إلى خارطة طريق أساسها:
توافق وطني شامل شمالاً جنوباً.
وما المانع من إتمام حوارات الجنوب جنوب وحوار مثيل لها بالشمال؟ لما ضياع الوقت؟ ومن صادر الدولة يتغول، يتمدد، يطال، يتطاول على المخا، يرمي عينيها بالرمد. أتذكرون حكمة التاريخ يوم نادى من كان اسمه طارقاً، نادى قائلاً: البحر أمامكم، والعدو خلفكم، فما عساكم فاعلون؟ يومها فتحوا ديار الأندلس، واليوم نسأل: المخا، معركة وطن مكتملة الأركان، ينبغي أن تخاض عبر مؤسسة جيش وطني تسخر له كافة إمكانات الشرعية، التحالف، المجتمع الدولي الغائب في ملكوت من يدفعون له الرواتب وتنظيم لقاءات ومؤتمرات لا طائل منها.
من هنا نقول: من يكتب فليكتب حقاً، ومن يداهن أو يطلي وجه سلطة تأخرت، تقاعست، ظلت أسيرة مشاكلها البينية، كانت سبباً استغله من أسقط الدولة قبل عقد ونيف من الزمان. والآن حان وقت السؤال: متى، متى تدخلون الحديدة؟ قلب تهامة، ومعها حرروا مدينة تعز. تحريرهما يعني سقوط الانقلاب.
فمت، يا ترى، يستكمل المشروع الذي حرر يوماً مدينة عدن، ثم توقف دونما سبب وجيه، ومن يومها ما نزال ننتظر تحرير ما تبقى من أراضٍ تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة عبر مفاعيل تمدها بالدعم القوى الداعمة للشرعية، وأن تخرج الأمم المتحدة من عباءة من ينظر من فوق الشجرة.
وهنا دور مستجد للدبلوماسية الوطنية تلعبه على أبواب دبلوماسية تغادر دبلوماسية الصمت إلى دبلوماسية تؤازرها قوة تتحرك على الأرض نحو تحرير الحديدة، تعز، وكل الوطن. عدا ذلك، فلعبة كراسي دوارة تنتهي بخروج من لم يحسن قراءة واستخدام ما تحت يديه من أوراق قوة وضغط، لكن عملية تاريخية تعيد ترتيب أوضاعه الداخلية تماماً، عسكرية، أمنية، اقتصادية، وما بينهما من ملفات ملتهبة جنوباً وشمالاً.
ومن هنا تكون أولى خطوات تحرير البلد وإسقاط الانقلاب أو عبر عملية سياسية مكتملة الأركان أساسها:
استعادة مقومات الدولة الوطنية.
وحدة مؤسسات الدولة.
مرحلة انتقالية تعالج خلالها كافة ما أنتجها الانقلاب وآثار الحرب، وفي المقدمة تحقيق مصالحة وطنية شاملة تتضمن معالجة حقيقية لأسباب وجذور القضية الجنوبية.