الأحد 23 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • في مذكرات اللواء علي محمد صلاح.. ملاحظات سياسية تاريخية(٥-٥)(ب)

اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي ومقتلة مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية

في مذكرات اللواء علي محمد صلاح.. ملاحظات سياسية تاريخية(٥-٥)(ب)

الإهداء:
إلى عبدالله عبدالعالم، الفارس الجمهوري النبيل، أحد رموز الدفاع عن ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م، وفك الحصار عن صنعاء في السبعين يومًا.
إليه.. رمزًا حيًّا للوفاء الصادق لرفيقه وقائده، الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.
عاش عبدالله عبدالعالم قامةً من الوفاء، ومضى إلى ربه منفيًا عن تراب وطنه؛ جَرّاء حقد العصور المتراكم في نفوس القتلة الذين أبوا إلا أن يحرموه من دفء الوطن حيًّا وميتًا، حتى امتدّ ذلك الضغن الدفين ليشمل أبناءه وأحفاده الذين يتجرّعون مرارة المنفى ذاته، قِصاصًا لوفائه ونقاء محبته لليمن الحر المستقل ولديمقراطيته المنشودة.
تحيةَ إجلالٍ ووفاء أبعثها إليه، وهو اليوم في دار الخلود، جوار الصديقين والصالحين والشهداء، وحسُنَ أولئك رفيقًا.

الحمدي وعبدالله عبدالعالم
الحمدي وعبدالله عبدالعالم

لعبة الشهادات المفبركة عبث سياسي بالتاريخ:

يكتب اللواء علي صلاح حول جمع الشهادات والأدلة بعد خمسة وثلاثين عامًا من الانتظار والبحث عن المعلومات الغائبة -كما يقول- لاستكمال فصول ووقائع هذه الأحداث التي بدأناها مع الشيخ شكري والشيخ المغلس: "وفقنا الله بالوالد القاضي أحمد الوزير الذي استكمل ما كان غائبًا منها، وقام بسرد وقائع وتفاصيل ما جرى له وللمشايخ الآخرين من حين اعتقاله في التربة ونقلهم إلى منزل الوالد الأصبحي، ثم اصطحابهم من قبل المظلات إلى منطقة المجزاع، وما جرى للمشايخ في نقيل السبل ووادي الزريقة والمضاربة، إلى أن زج به في سجن صبر في لحج مدة عام وسبعة أشهر، حتى أطلق سراحه ضمن تبادل المعتقلين الذين كانوا في سجون الشطرين عام 1979م" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص477).
والسؤال: لماذا لم يتم قتله كما تم مع المشايخ الآخرين الأبرياء والمسالمين، وهم ليس لهم صلة سياسية بالنظام، ومن أبناء المنطقة؟!
تقديري، أنه لم يكن موضوعًا ومطلوبًا ضمن قائمة القتل من الجهة المعنية، ولم يكن ضمن الوساطات، ولذلك تم الاحتفاظ به ليدخل ضمن صفقة تبادل الأسرى، التي تمت، كونه اسم سياسي محسوب على النظام في صنعاء، وشهادته المثيرة للجدل تقول ذلك.
هذا إذا صحّ أنها شهادته في كل تفاصيلها، دون تدخل خارجي.
ويبقى السؤال: هل صحيح أنه تم قتل الحاج والمقاول سعيد علي الأصبحي والشيخ منصور شايف وولده أمام أحمد علي شكري؟!
سعيد علي الأصبحي
سعيد علي الأصبحي
يقول اللواء علي محمد صلاح: "استعنت بالولد أحمد علي شكري الذي يعمل في اللجنة العليا للانتخابات؛ لأنه كان حاضرًا مع والده الشيخ علي شكري - لاحظوا قوله وتأكيده أنه كان حاضرًا مع والده - أثناء سرد تلك الأحداث التي وقعت في تلك الفترة والمحاولات التي قام بها المشايخ والأعيان، وكيف تم اعتقالهم واصطحابهم أثناء هروبهم إلى عدن، وكيف تم إعدام الوالد الحاج، سعيد علي الأصبحي والشيخ منصور شايف وولده أمامهما أسفل نقيل السبل، وتمكنه من الهروب من بين أيديهم والعودة إلى عزلة بني شيبة" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص478).
هي حكايات ليس فحسب لا تصدق، بل هي تدخل في نطاق مسرح اللامعقول من السرد السياسي الذي يقف خلفه موقف سياسي فائض عن قدرة وطاقة الحكاية التاريخية والسياسية، على فهمها ناهيك عن تصديقها، كما وردت في المذكرات.
في ختام مذكراته، حول الموضوع الذي نبحثه ونناقشه، أو بتعبير أدق نقدم ملاحظاتنا السياسية والتاريخية حوله، يحاول اللواء علي محمد صلاح جاهدًا إثبات وتأكيد أن قتل أو إعدام المشايخ إنما تم وكان بسبب مواقفهم المعارضة والرافضة لتصرفات عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات حيث يكتب التالي: "جرى قتلهم أو بالأصح إعدامهم بتلك الطريقة البشعة دون ذنب اقترفوه سوى أنهم تحملوا مسؤولياتهم الوطنية تجاه أبنائهم ومنطقتهم ووقفوا وقفة رجل واحد لدرء المخاطر التي كانت محدقة بالمنطقة (...) وكانوا ضحايا لمواقفهم الشجاعة التي وقفوها من أول يوم وحتى نهاية الأحداث، وهروب عبدالله عبدالعالم ومجاميعه إلى عدن، الذين لم يكتفوا أثناء هروبهم بما قاموا به ضد المواطنين من أعمال قمع وتعسف وخوف وترهيب، بل والتعدي على الممتلكات.." (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص479).
اللواء علي صلاح في الفقرة السالفة يؤكد بثقة فائضة عن قدرة الحقيقة التاريخية على احتمالها، وبيقين يصل إلى قمة الواقعية، يقول، من أنه تم قتلهم وإعدامهم -أي المشايخ- ومن أن الشيخ علي شكري وولده أحمد علي شكري قد شهدا المقتلة والإعدام!
هم حقًا ضحايا، ورموز وطنية نبيلة أُقحموا في لعبة سياسية قذرة، لا تشبههم، ولا صلة لهم بها، سوى نواياهم الطيبة في إنجاز السلم ومنع العنف والحرب، ولم يدركوا أن النوايا الطيبة في الغالب، وفي السياسة تحديدًا تقود إلى الجحيم.
بعد أن فرض على الكثيرين منهم الدخول ضمن لعبة ما يسمى الوسطاء الذين لم يكن من بينهم القاضي الجليل أحمد الوزير.
كنت قد حصلت على شهادتين وروايتين معتبرتين من شخصيتين لهما قيمة ومعنى، تقولان عكس ما ذهب إليه اللواء علي صلاح، ولم أسعَ لتثبيتهما في ملاحظاتي هذه لأن صاحبيها قد صارا في ذمة الله، رحمة الله تغشاهما، لأنهما -الشهادتين- ستكونان عرضة للتكذيب والتشكيك فيهما فتجنبت ذكرهما حرصًا على درجة أعلى من المصداقية التاريخية في القراءة والكتابة.
كنت -وما أزال- أشكك في مصداقية رواية اللواء علي صلاح، في كل ما ورد على لسان المشايخ، وتحديدًا على لسان الشيخ علي شكري، رحمة الله تغشاه، وتحديدًا حول رواية رؤيته لمقتل المشايخ أو إعدامهم، كما ورد في المذكرات، فالتقيت بالابن الأكبر للشيخ علي شكري، وهو الدكتور محمد علي شكري، نائب رئيس جامعة صنعاء الحالي، وهو كذلك قيادي سياسي في حزب البعث، وهو اليوم في السبعين من عمره، التقيت به في منزلي بطلب مني وكان ذلك يوم الأربعاء من هذا الشهر، بتاريخ ١٢ أغسطس ٢٠٢٦م، وتناقشنا لمدة ثلاث ساعات وربع متواصلة حول كل شيء، من مقتل الحمدي، إلى مقتلة مشايخ الحجرية، وكان رده الذي لم يعترض على نشره هو كالتالي:
"أن والده أخبره أكثر من مرة أنه لم يشهد مقتل أو إعدام أيًّا من المشايخ والأعيان، لا الشيخ سعيد علي الأصبحي ولا غيره، ومن أن الفوضى والارتباك والاضطراب والعنف كان هو السائد، والقصف من الجو قائم، فوضى شاملة.
والأهم أنه قال: إن أخاه أحمد علي شكري الذي قال عنه اللواء علي صلاح إنه شهد بأم عينيه إعدام الحاج سعيد علي الأصبحي، ومنصور شائف، وولده، قال: إن أخاه أحمد علي شكري لم يكن مطلقًا مع والده، ولم يرافق والده في هذه الرحلة نهائيًا، وإنه لا يعلم شيئًا عن قتل أو إعدام أي من المشايخ، لأنه في الأصل لم يكن متواجدًا مع والده الشيخ علي شكري، وكان في تعز، هذا ما قاله وما سمعته مباشرة من الدكتور محمد علي شكري، بما يتناقض جذريًا مع ما ورد في رواية اللواء علي صلاح، حول قتل وإعدام المشايخ والأعيان.
والدكتور محمد علي شكري وأخوه حيان يرزقان، أطال الله في عمريهما".
ثم تواصلت مع الأستاذ محمد شكري، الأخ الأصغر للشيخ علي شكري، وقال بوضوح وبلغة استنكارية أن ابن أخيه أحمد علي شكري لم يكن مع والده، ومن أن والده من المستحيل أن يأخذه معه إلى هكذا رحلة ومن أنه متأكد من هذا الأمر فطلبت منه أن أكتب هذا القول على لسانه، فقال لا مانع من قول ذلك على لساني.
وفي هذا الاتجاه كذلك كتب المهندس والكاتب الصحفي علي عبدالملك الشيباني في إحدى الصحف مقالًا حول ما جرى، قبل عشر سنوات كما أخبرني، وأرسل لي خلاصة ما كتب، ورأيه على الواتس الخاص بي، وجاء فيه بالنص التالي:
"بموجب شهادة الشيخ علي شكري، شيخ بني شيبة، وكنت حاضرًا وهو يتحدث بعد نجاته وعودته للقرية، وكان عمري حينها (١٨ عامًا)، قال: بأن هناك من قادهم من السجن إلى خارج التربة وبعيدًا عنها، وإذا بطائرة تقصفهم، ونتيجة لذلك تفرقوا هاربين كلًا إلى منطقته، مات الكثيرون ونجا القليل منهم الشيخ علي شكري، الذي عاش بعدها لفترة بسيطة، وهو يعاني نتيجة ما حصل وكان باديًا عليه، ثم توفي رحمه الله.
وأن هدف السلطة في النهاية كان يرمي إلى إحداث الصراعات البينية، بين الحجرية، وبقية المديريات".
هنا انتهى ما أرسله المهندس والكاتب الصحفي علي عبدالملك الشيباني، ونقلته وثبته كما أرسل، دون أي تدخل.
وهو كان من أوائل من التقوا في القرية بالشيخ علي شكري يوم عودته.
وهي روايات من قلب أسرة وعائلة الشيخ علي شكري، أخيه وابنه الأكبر، ومن بعض شباب المنطقة، الذين كانوا شهود عيان على حديث الشيخ علي شكري.
هذا بخصوص شهادات المشايخ التي أوردها اللواء علي صلاح، والذي يتضح أنها ملفقة ومفبركة (مزورة)، ولا صلة لها بالواقع، وتنسف صدقية المذكرات من الأساس، في هذا الجانب الذي نناقشه.
نحن هنا لسنا أمام اختلاف واجتهاد مشروع في وجهات النظر، أو في منهج قراءة مختلف، ولا في حالة اختلاف في التفسير والتأويل لمجرى ما جرى في التاريخ، نحن أمام كذب وتزوير علني وفاضح على الأموات والأحياء، ينطبق عليه قول الله تعالى: "ويخلقون إفكًا" (العنكبوت، ١٧)، إفك لم يرد على لسان الشيخ علي شكري، ولا على لسان ولده المفترى عليه، أي لم يقل أي منهما بذلك الإفك/ الشهادة، وهو افتراء مزدوج ومركب على الناس والتاريخ وعلى الله.
إن الجميع يعرف أن الشيخ منصور شائف العريقي كان من المقربين، أو بتعبير أدق من المحبين للرئيس إبراهيم الحمدي، سياسيًا، وهو الذي عُقد "مؤتمر الروضة" تحت رئاسته، في العام ١٩٧٥م، وصدر عن المؤتمر بيان، أعلن فيه الحاضرون مساندتهم لحركة ١٣ يونيو، ووقوفهم الداعم لكل توجهات قائدها (علي عبدالملك الشيباني، صحيفة الوحدوي، الثلاثاء، (العدد) (٨٨٨)، ٣ أغسطس ٢٠١٠م).
وظل كذلك حتى لحظة مقتله وابنه.
ومعروف أن الشيخ منصور شائف العريقي عقلية مدنية، وضد العنف، ومع فكرة وقضية دولة المؤسسات، ولذلك كان في صف حركة ١٣ يونيو منذ البداية.
العريقي
العريقي
ويحكي من يعرفونه من قرب من أبناء منطقته ومن غيرها، أنه رجل شجاع وصاحب رأي وموقف.
المعروف في الوساطة والوسطاء أن يكونوا اثنين، أو ثلاثة أو أربعة أو بالكثير خمسة أفراد، أما أن يتم تجميع وتحشيد أكثر من عشرين من الأسماء الكثير منهم رموز وطنية، وقريبة من الرئيس إبراهيم الحمدي، وحركة ١٣ يونيو، وبعضهم رفضوا أن يتحولوا في مناطقهم إلى كتبة تقارير "مخبرين"، ضد شباب المنطقة، لصالح الأمن السياسي، أو المشاركة في لعب السلطة الأمنية، ومنهم الشيخ علي شكري، الذي استقدم إلى لعبة الوساطة كرهًا، من خلال دعوة علي عبدالله صالح له من القرية للحضور إلى تعز ليبلغه بتكليفه بضرورة الذهاب إلى التربة، وهو ما ذكره كذلك اللواء علي صلاح.
هناك مشايخ أجبروا بالإكراه، أو بالإحراج، على أن يكونوا ضمن لعبة الوساطة.
وفي السرد الحكائي السياسي الفنتازي، الذي أورده علي صلاح قدم الخلاف والصراع في أكثر من موضع في صفحات مذكراته الخاصة بالقضايا التي نناقشها، وكأنه خلاف وصراع بين المواطنين والمشايخ والأعيان، وبين عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات "نتيجة التعدي على الممتلكات والتصرفات السيئة" لعبدالله عبدالعالم وقوات المظلات، وكأن لا قضية سياسية ووطنية نبيلة كانت من وراء احتجاج وخروج عبدالله عبدالعالم من صنعاء، تراجعت معه القضية السياسية والوطنية في قتل رئيس الدولة بالتعاون مع دولة أجنبية، وهي مسألة وقضية سياسية حساسة وخطيرة، لتتحول في مذكرات، علي صلاح، إلى صراع بين عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات، والمواطنين والمشايخ الوسطاء!
وهي الفرية والكذبة الفاضحة، في صورة تشويه وتزوير للحقيقة التاريخية، بما يتطابق ورؤية ورواية النظام.
وفي السياق ذاته من الحديث حول الشهادات، ما الذي يجعلنا بعد كل ذلك نصدق روايته التي أوردها اللواء علي صلاح على لسان القاضي أحمد الوزير.
اختزال مخيف وتشويه فاجع لحقيقة موقف عبدالله عبدالعالم السياسي والوطني في جريمة طالت رئيس الدولة وأخيه وقتل واعتقال مجاميع من مناصريه وأعوانه في وضح النهار بالاشتراك مع دولة أجنبية، واغتصاب السلطة ومصادرة إرادة الناس في مسرحية هزلية ومأساوية في نفس الوقت، عبر ما يسمى زورًا "مجلس الشعب التأسيسي" الذي شكله وعينه القاتل.
عبدالله عبدالعالم ـ الإرشيف
عبدالله عبدالعالم ـ الإرشيف
لقد استمرأ اللواء علي صلاح الحكاية الملفقة والمزورة، فذهب بها إلى نهايتها السياسية البائسة التي أرادتها السلطة الحاكمة، والذي بقي علي صلاح أحد أعوانها ورموزها طيلة تلك الفترة، حتى فترة أحداث انتفاضة شباب فبراير ٢٠١١م، والمحرقة التي طالتهم.
على أن الأنكى في كل حكاية المذكرات هو حديثه عن أن “قوات المظلات كانت مخترقة”، وكأن قوات المظلات حزب سياسي أو منظمة اجتماعية أو جهاز أمني مخابراتي حتى يتم اختراق قوات عسكرية منظمة في جيش دولة قائمة.
أتفهم أن هناك عناصر حزبية موجودة في معظم وحدات الجيش كأفراد، وليس كقوة عسكرية مستقلة. وهذا ينطبق على حالة معظم الجيوش العربية.
إلا إذا كان اللواء علي صلاح يرى وينظر إلى من كانوا منتسبين لقوات المظلات باعتبارهم صاروا عناصر مندسة أو غير مرغوبة بسبب موقفهم السياسي من اغتيال رئيس الدولة ومن مقتلة المشايخ!
إن العلاقة الشخصية الحميمية لكاتب المذكرات بـ علي عبدالله صالح هي التي قادته وجعلته يقلب الحقيقة التاريخية رأسًا على عقب، ويوظفها في خدمة من يهوى سياسيًا وشخصيًا، حتى يصل للقول إنه التقى بعلي عبدالله صالح في العام 1958م في عتمة -وعمر علي عبدالله صالح في حينه لا يتجاوز الرابعة عشرة- ومن أنه كان عسكريًا ضمن "سرية القناصة" في الجيش الإمامي، علمًا أن الالتحاق بسرية قناصة في أي جيش في العالم بحاجة لتجربة عسكرية ولخبرة طويلة في استخدام السلاح، وهي حكاية ورواية لا تنطبق على شاب صغير السن لا يتجاوز عمره الرابعة عشرة، وهي حكاية ورواية لأول مرة نسمع عن أنه كان مقاتلًا أو جنديًا في "سرية القناصة"، حتى أنها لم ترد في أحاديث وسيرة علي عبدالله صالح الذاتية، كل ذلك حتى يصنع مجدًا عسكريًا تاريخيًا وهميًا لعلي عبدالله صالح يضاف إلى سيرته العسكرية المعدومة، وهو الذي لم نقرأه ولم نعرفه عنه في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر 1962م وفي فك حصار صنعاء.
إن ما يؤكد حميمية علاقة علي صلاح بالرئيس علي عبدالله صالح -لاحقًا- هو اتصال علي عبدالله صالح بـ الرئيس المصري حسني مبارك لالتحاق علي محسن صالح الأحمر وعلي صلاح بأكاديمية ناصر العسكرية خلافًا للشروط الأكاديمية للقبول فيها، هذا كما ورد في الجزء الأول من المذكرات، ص٤١.
وصولًا إلى حديث اللواء علي صلاح -كما سبقت الإشارة- للقول: من أن قوات المظلات كانت مخترقة، وهو قمة التعسف السياسي والانحياز في قراءة التاريخ، بل وتزويره وفبركته ووضعه على لسان شهود أموات، بل وأحياء كما هو الحال مع ما أورده على لسان أحمد علي شكري من رؤيته المباشرة ووالده لقتل وإعدام المشايخ، وهو ليس فحسب انحيازًا سياسيًا للسلطة في صورة الغشمي وعلي عبدالله صالح، بل هو تشويه وتزوير للحقيقة التاريخية كما تمت لحساب حقيقة رواية السلطة، التي صارت رائجة أكثر مما يجب.
لقد اشتغل علي صلاح طيلة صفحات المذكرات الخاصة بالقضايا المثارة؛ قتل الحمدي والمشايخ، لتبييض سيرته وصورته، وإبعاد تهمة جريمة قتل الرئيس الحمدي عنه، وهو ما أوصله إلى الحديث الغريب العجيب عن أن قوات المظلات كانت مخترقة!
فقط، للنفاذ من هذا البعد والجانب، للقول إن قوات المظلات هي من قتلت المشايخ من قبل العناصر المخترقة لقوات المظلات!
وصولًا إلى قوله إن عبدالله عبدالعالم بقي طيلة: "تلك السنين يعيش حتى اليوم -أي يوم كتابة مذكراته- في منفاه الاختياري بسوريا منذ تلك الأيام" (علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص481).
وكأن عبدالله عبدالعالم كان يقيم منفيًا في الجنة، مع أن مطالبته بالعودة للوطن لم تتوقف.
كان دائمًا يعلن مطالبته مع كل من يلتقون به رغبته للعودة للوطن ضمن شروط محاكمة عادلة، وهي غير متوفرة مع جماعة من القتلة.
وحول المطالبة بالعودة للوطن، أرسل لي الصديق السفير فيصل أمين أبو رأس على الواتس الخاص، أن عبدالله عبدالعالم: "وصل من دمشق لزيارتي في السفارة في بيروت، وقال: لم أطمأن لزيارة أي سفير في سفارته إلا أنت، لأنك ابن صديقي أمين، وطلب مني أن أخاطب السفارة البريطانية للتأشيرة، وبالفعل ولصداقتي بالسفيرة التي كانت أيضًا في صنعاء، أمّنا وصوله وعياله إلى لندن، وقال: أنا مستعد أعود إلى صنعاء في وجه أبو رأس، وسألت أخي، وقال له كل التقدير، ولكن قال لقد وصل قبل فترة صديق له وقتل في تاج سبأ.. رحمه الله".
هذا ما جاء بالنص في رسالة السفير والكاتب فيصل أمين أبو رأس.
مع أن ذلك المنفى الاختياري الذي أشار إليه علي صلاح، كان بمثابة جهنم الذي وجد عبدالله عبدالعالم نفسه في قلبه وداخل جحيمه الذي استمر فيه منفيًا لأكثر من أربعة عقود متواصلة في غياب عن أرضه وأهله ووطنه لم يكن "منفى اختياريًا"، هو منفى قهري إجباري بعد أن تعرضت حياته لخطر القتل والموت أكثر من مرة.
هو منفى قسري إجباري صودرت خلاله أملاكه حتى مسكنه الخاص وإلى اليوم، وكذا حقوقه الوظيفية القانونية، وحُرم من أي عفو عام، شأنه شأن العديد ممن تحصلوا على عفو خاص أو عام.
لم يشفع له تاريخه السياسي والوطني الناصع والمشرف في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر 1962م وفي فك حصار صنعاء، لم تشفع له أن يده لم تتلوث بالمال الفاسد والنهب.
ليجد نفسه منفيًا عن أرضه ووطنه وأهله بدون أي حق قانوني، سوى رغبة الحاكم في الانتقام ومصادرة حقه في الحياة في وطنه، ليجد نفسه منفيًا وبعيدًا عن وطنه وليدفن خارج تربة وطنه؛ لأن عداء وكراهية القتلة له تجاوزت كل الحدود الأخلاقية والوطنية والقانونية والإنسانية.
نفي قسري طال حتى أولاده وأحفاده عن الإقامة في وطنهم حتى اليوم!

ختامًا:

لهذه الملاحظات على الجزء الخاص من المذكرات المتصلة باغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي والشهداء مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية، أقول إن على أولاد الضحايا وأسرهم (أولياء الدم) بدءًا بالرئيس المغدور الشهيد إبراهيم الحمدي، إلى مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية، حتى المخفيين قسرًا، الاستمرار في جمع كل ما يرونه أدلة ووثائق وشهادات حول جريمة قتل رئيس دولة ومشايخ وأعيان تعز/ الحجرية.
جمع الأدلة في كل الاتجاهات وضد كائنٍ من كان؛ هذا حقهم الشرعي والقانوني والوطني.
فالقضية لم تسجل ضد مجهول، ولم ولن يغلق هذا الملف كما حاول الإشارة إلى ذلك اللواء علي محمد صلاح.
على طريق "عدالة انتقالية ومكاشفة ومصارحة علنية"، و"جبر للضرر"، ومن خلال مصالحة وطنية وعدالة اجتماعية وانتقالية شاملة، من خلال مؤسسات الدولة المعنية بذلك، ومن خلال المحاكم والقضاء، اليوم وغدًا وفي ما سيأتي من الأيام.
وهو ما كنا -وما نزال- نطالب به ونحن في "مؤتمر الحوار الوطني الشامل"، بضرورة إصدار "قانون العدالة الانتقالية" و"قانون مصادرة الأموال المنهوبة"، ووقف دون ذلك علي عبدالله صالح في صورة من كانوا يمثلونه في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
على الأقل لترتاح دماء وأرواح الضحايا/ الشهداء، ويرى أهلهم وذووهم وأصدقاؤهم ومحبوهم شيئًا من العدالة ومن الإنصاف المعنوي والسياسي والقانوني.
رحم الله الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي، ورحم الله شهداء تعز/ الحجرية من المشايخ والأعيان.
رحم الله القائد السياسي والعسكري والوطني عبدالله عبدالعالم الذي بقي منفيًا حيًا وميتًا في منفاه الإجباري بين البلدان المختلفة، وكأنه لا وطن له.
ولا عزاء للقتلة الذين رحلوا عن دنيانا تشيعهم اللعنات، ولم نعرف حتى اليوم قبرًا معلومًا "للقاتل العظيم"، الذي تصور وتوهم في لحظة من لحظات هيلمان عنف وجنون السلطة أنه ملك اليمن، ليحولها من جمهورية إلى "جملكية"، ولم يجد قبرًا معلومًا يتوارى فيه!
وكل ما يجري اليوم هو نتيجة عقلية الثأر والانتقام على من أخرجوه جزئيًا -في حينه- من السلطة، في ٢٠١١م، ليشتغل من موقع "الجملكية"، الذي أراده لنفسه وأولاده للعودة بالبلاد إلى الملكية والإمامية.
قد يطرح البعض سؤالًا مستحقًا: علامَ كل هذا التركيز والاهتمام الملحوظ بالوقوف عند علي عبدالله صالح؟ والجمود على سيرته بالحفر والملاحظة؟
والإجابة تتجلى ببساطة في كون صالح الشاهد والشريك الأبرز في سلسلة من أبشع الاغتيالات والتصفيات الدموية، إن لم يكن صانعها الأول؛ بدايةً من مأساة اغتيال الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي -التي كانت الحجر الأساس وصدمة العبور نحو صعوده لإدارة دفة السلطة- مرورًا بمجزرة مشايخ «الحجرية» بتعز بالتحالف مع أحمد الغشمي، وليس انتهاءً بجرائم أخرى امتدت عبر أذرعه وأدواته النافذة في المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية.

* ملاحظة: قتل الشيخ الشهيد، أحمد سيف الشرجبي في الطريق في العام ١٩٨٠م بوابل من الرصاص يقال في منطقة السواء، والله أعلم.