التلفزيون العربي... إعلامٌ في قبضة السلطة
لم تعد القنوات التلفزيونية في العالم العربي مجرد وسائل لنقل الأخبار والمعلومات، بل أصبحت، في كثير من الحالات، جزءًا من المشهد السياسي ذاته، تتأثر بطبيعة الأنظمة السياسية، ومصادر الملكية والتمويل، والقوانين المنظمة للعمل الإعلامي، وموازين القوى التي تحدد هامش الحركة المتاح أمامها. ولذلك فإن الحديث عن مهنية الإعلام التلفزيوني واستقلاله لا يمكن فصله عن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعمل في إطارها.
يفترض الإعلام، في وظيفته العامة، أن يكون فضاءً مفتوحًا للمعلومات والآراء، وأن يساعد المواطن على فهم ما يجري حوله، ويراقب أداء مراكز القرار، ويتيح المجال للنقاش العام وتعدد وجهات النظر. غير أن هذه الوظيفة تتعرض للاختلال عندما تصبح الوسيلة الإعلامية مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمراكز النفوذ، فتنتقل من مهمة نقل الوقائع ومساءلة أصحاب القرار إلى التأثير في الجمهور وإعادة تشكيل وعيه وفق أولويات الجهات الأكثر نفوذًا.
ولا يمكن وضع جميع القنوات العربية في سلة واحدة؛ فهناك تفاوت واضح في مستوى المهنية والاستقلالية، كما توجد تجارب إعلامية استطاعت أن توسع هامش النقاش وتقدم نماذج أكثر احترافًا. غير أن المشكلة الأوسع تكمن في استمرار ارتباط جزء من الإعلام التلفزيوني بشبكات السلطة والمال والمصالح، الأمر الذي يجعل استقلال الخطاب الإعلامي متفاوتًا من بيئة إلى أخرى، ومشروطًا، في أحيان كثيرة، بحدود سياسية واقتصادية غير معلنة.
وتزداد أزمة الإعلام تعقيدًا في ظل أنظمة سياسية تضيق فيها مساحات الديمقراطية، وتُقيَّد فيها الحريات العامة، ويضعف فيها التداول السلمي للسلطة، وتُفرض فيها قيود مباشرة أو غير مباشرة على التعبير والتنظيم والنشر. فالإعلام المستقل لا ينمو في بيئة تغيب عنها المشاركة السياسية والمساءلة وتكافؤ الفرص؛ لأن حرية الصحافة جزء من منظومة أوسع من الحريات والحقوق التي تقوم عليها الحياة الديمقراطية.
وكلما اتسعت مساحة الديمقراطية، ازدادت قدرة الإعلام على ممارسة دوره في الرقابة وكشف الاختلالات وطرح البدائل وتعدد الأصوات؛ وكلما ضاقت هذه المساحة، اتسعت احتمالات التدخل والرقابة والقمع والرقابة الذاتية. وفي البيئات التي تتراجع فيها الحريات، قد لا يحتاج الصحفي إلى تعليمات مباشرة في كل مرة، إذ تكفي معرفة الحدود السياسية والأمنية للمسموح به لكي تبدأ الرقابة الذاتية في العمل، فيستبعد الصحفي أو المؤسسة الإعلامية بعض القضايا قبل أن تصل إلى مرحلة النشر خشية العواقب.
وهنا لا تعود المشكلة مجرد ضعف في الأداء المهني، وإنما تصبح جزءًا من اختلال أوسع في العلاقة بين السلطة والمجتمع وحق المواطن في المعرفة والتعبير. فالإعلام الذي يعمل تحت الخوف لا يستطيع أن يؤدي وظيفته الرقابية كاملة، والصحافة التي تخشى السؤال لا تستطيع أن تكشف مكامن الخلل، والمجتمع الذي لا يسمع إلا صوتًا واحدًا يفقد جزءًا من قدرته على تكوين رأي عام واعٍ ومستقل.
وتبدأ المشكلة أيضًا من الملكية والتمويل. فالجهة التي تملك الوسيلة الإعلامية أو تتحكم في مواردها المالية تمتلك، بدرجات مختلفة، قدرة على التأثير في سياستها التحريرية، وفي اختيار موضوعاتها وضيوفها، وفي تحديد القضايا التي تتصدر الشاشة وتلك التي يجري تجاهلها أو التعامل معها بحذر. وهنا لا تعود القضية مجرد تدخل مباشر في المحتوى، بل تصبح أكثر تعقيدًا عندما تتحول المصالح إلى قواعد غير مكتوبة تحدد ما يمكن قوله وما يصعب قوله.
والخبر نفسه ليس عملية محايدة تمامًا؛ إذ إن اختيار الخبر وترتيبه وتوقيت بثه وطريقة تقديمه والمساحة الممنوحة له، كلها عناصر تؤثر في إدراك الجمهور للحدث. فقد تكون الوقائع واحدة، لكن طريقة ترتيبها وتأطيرها قادرة على إنتاج صور مختلفة للواقع. ومن هنا تبدأ السلطة الإعلامية الحقيقية: ليس فقط فيما تقوله الشاشة، وإنما أيضًا فيما تختار ألا تقوله، وفي الطريقة التي تقدم بها ما تقوله.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في البرامج السياسية والحوارية. ففي بعض الحالات يتحول الحوار من مساحة لعرض الأفكار ومناقشة السياسات إلى ساحة للاستقطاب والمواجهة؛ فيصبح الضجيج أكثر حضورًا من الحجة، والانفعال أقوى من المعلومة، والشخصية المثيرة أكثر جاذبية من الخبير المتخصص. وعندما يحدث ذلك، يفقد الحوار جزءًا من وظيفته المعرفية، ويتحول إلى عرض سياسي يهدف إلى تثبيت المواقف أكثر مما يهدف إلى فهم القضايا.
وتزداد خطورة الأمر عندما يصبح الإعلام أداة لإدارة الإجماع. فبدل أن يعكس التعدد الموجود داخل المجتمع، قد يسعى إلى تقديم صورة موحدة للواقع، وإظهار موقف معين باعتباره الموقف الطبيعي أو الوحيد الممكن، بينما تُقدَّم المواقف الأخرى بوصفها هامشية أو مشكوكًا فيها. وبذلك لا يعود الإعلام ناقلًا للتنوع السياسي والاجتماعي، بل يصبح طرفًا في عملية تضييق مساحته.
وهنا تتراجع الوظيفة الرقابية للإعلام. فالصحافة التي يفترض أن تسأل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وما البدائل الممكنة؟ قد تجد نفسها مكتفية بنقل التصريحات الرسمية أو إعادة تدوير المواقف المتداولة. وعندما يصبح السؤال المهني نفسه مصدرًا للإزعاج، تتحول الصحافة تدريجيًا من أداة للمساءلة إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب السائد.
ولا يعني استقلال الإعلام أن تكون الوسيلة بلا موقف أو بلا خط تحريري. لكل مؤسسة إعلامية حقها في تحديد رؤيتها وأولوياتها، لكن الفارق جوهري بين امتلاك موقف تحريري معلن وبين تحويل المنصة الإعلامية إلى أداة للدعاية السياسية. فالمهنية لا تعني إلغاء الرأي، وإنما تعني الفصل الواضح بين الخبر والرأي، والتحقق من المعلومات، وإتاحة المجال للمواقف المختلفة، وعدم تقديم الدعاية في صورة حقيقة مكتملة.
وفي المجتمعات التي تعيش أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، تصبح مسؤولية الإعلام أكبر. فالمواطن في أوقات الأزمات لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ والاستقطاب، وإنما يحتاج إلى معلومة دقيقة تساعده على فهم ما يحدث، وإلى تحليل يضع الأحداث في سياقها، وإلى تعدد في وجهات النظر يحول دون احتكار تفسير الواقع. أما الإعلام الذي يزيد الخوف ويعمق الانقسام ويقدم الخصومة السياسية باعتبارها صراعًا اجتماعيًا دائمًا، فإنه لا يكتفي بنقل الأزمة، بل قد يصبح جزءًا من إنتاجها واستمرارها.
ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن استقلال الإعلام لا يكتمل من دون الحديث عن البيئة التي يعمل فيها الصحفي. فلا يمكن مطالبة الصحفي بالتحقيق والمساءلة إذا كانت المعلومات مغلقة، أو إذا كان الوصول إلى المصادر مقيدًا، أو إذا كانت الضغوط السياسية والمالية والمهنية تحد من قدرته على أداء مهمته. فاستقلال الصحفي لا يبدأ من غرفة الأخبار وحدها، بل يحتاج إلى بيئة تحمي حقه في الوصول إلى المعلومات والتعبير عنها وفق قواعد مهنية واضحة.
وقد وسعت المنصات الرقمية مجال تداول المعلومات، وكسرت جزئيًا احتكار القنوات التقليدية لصناعة الصورة العامة، لكنها لم تُنهِ مشكلة التأثير السياسي والإعلامي. فقد انتقلت المنافسة على تشكيل وعي الجمهور إلى فضاءات جديدة، وأصبحت الأخبار المضللة والمحتويات المنحازة والحملات المنظمة جزءًا من معركة أوسع على العقول والمواقف. ولذلك فإن تعدد المنصات لا يعني تلقائيًا تعددًا حقيقيًا في المعلومات أو ارتفاعًا في مستوى الوعي.
وإصلاح الإعلام التلفزيوني العربي لا يبدأ من تحديث الاستوديوهات أو زيادة ساعات البث، وإنما من إصلاح البيئة التي تُنتج فيها الرسالة الإعلامية. ويحتاج ذلك إلى توسيع مساحة الحريات العامة، وتعزيز المشاركة والمساءلة، وحماية حرية الصحافة والتعبير، وتنويع الملكية، وشفافية التمويل، وتشريعات تضمن استقلال العمل الصحفي، وحق أوسع في الوصول إلى المعلومات، ومعايير مهنية واضحة، ومؤسسات إعلامية قادرة على مقاومة الضغوط السياسية والمالية.
الإعلام الذي يحترم الجمهور لا يخشى الأسئلة الصعبة، ولا يرى الاختلاف تهديدًا، ولا يحتاج إلى إخفاء الوقائع حتى يحافظ على صورة معينة للواقع. قوته تأتي من قدرته على التحقق والمقارنة والتحليل والاستماع إلى أكثر من صوت، ومنح المواطن فرصة تكوين موقفه على أساس المعرفة لا على أساس التعبئة.
ولهذا فإن القضية ليست في وجود قنوات كثيرة، ولا في ارتفاع نسب المشاهدة، ولا في اتساع مساحة البث، وإنما في طبيعة الدور الذي تؤديه هذه القنوات. فالشاشة التي تكتفي بترديد خطاب أصحاب النفوذ قد تكون واسعة الانتشار، لكنها تظل محدودة القيمة في بناء وعي حر. أما الشاشة التي تحترم عقل المواطن وتضع الحقيقة والمصلحة العامة فوق حسابات السلطة والمال، فإنها تستطيع أن تتحول من مجرد وسيلة للبث إلى مؤسسة حقيقية في بناء المجال العام.
الإعلام العربي يحتاج إلى استعادة وظيفته الأساسية: أن يُخبر لا أن يُعبّئ، وأن يسأل لا أن يبرر، وأن يراقب لا أن يتبع، وأن يفتح المجال للاختلاف بدل أن يصنع إجماعًا مصطنعًا. فاستقلال المهنة لا يتحقق بالشعارات، وإنما بوجود بيئة سياسية وقانونية تحمي الحريات، ومؤسسات إعلامية تمتلك القدرة على اتخاذ قرارها التحريري بعيدًا عن الإملاءات السياسية والضغوط المالية.
إن حرية الإعلام ليست امتيازًا تمنحه السلطة متى شاءت وتسحبه متى شاءت، وإنما هي جزء من حق المجتمع في المعرفة، وشرط أساسي لقيام حياة عامة تقوم على المشاركة والمساءلة وتعدد الآراء. وكلما ارتفعت كلفة الكلمة الحرة، واتسعت مساحة القمع والخوف، ضاقت قدرة الإعلام على أداء دوره، واتسعت المسافة بين الواقع الذي يعيشه الناس والصورة التي تقدمها الشاشات.
التلفزيون العربي يحتاج إلى استعادة استقلاله المهني والإنساني، لا ليكون خصمًا للسلطة، بل ليكون رقيبًا عليها؛ ولا ليصنع الفوضى، بل ليحمي حق المجتمع في المعرفة؛ ولا ليحكم بدل الناس، بل ليمنحهم المعلومات التي تمكنهم من تكوين مواقفهم واختيار مستقبلهم. فالإعلام الحر لا يهدد المجتمع، وإنما يحميه من احتكار الحقيقة، ويمنح الديمقراطية معناها العملي، ويجعل السلطة أكثر قابلية للمساءلة، والمواطن أكثر قدرة على المشاركة وصناعة القرار.



