الأحد 16 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • ألا يكفي تدمير ميناء المخا لفهم الحقيقة؟

ألا يكفي تدمير ميناء المخا لفهم الحقيقة؟

ما الذي يمكن أن يقوله الحوثي لليمني عندما يقصف ميناء المخا؟
هل يستطيع أن يقنعه بأن الصواريخ التي تسقط على رصيف الميناء لا تسقط على اليمن؟ وأن المنشآت التي تحترق ليست من مقدرات الشعب اليمني؟ وأن تعطيل ميناء يمني وإخراجه عن الخدمة لا يضر إلا خصوم الجماعة؟

خلال الأيام الماضية تعرض ميناء المخا لسلسلة من الهجمات الحوثية، وتكرر استهدافه بالصواريخ، حتى أعلن مدير الميناء توقف النشاط التجاري والملاحي نتيجة الهجمات.

وهنا لا بد أن نتوقف قليلاً، بعيداً عن المزايدات السياسية والشعارات التي طالما حاول الحوثيون تسويقها.

ميناء المخا يمني.

والساحل يمني.

والمنشآت التي تُقصف يمنية.

والخسائر التي يدفع ثمنها اليمنيون.

فكيف لجماعة تزعم أنها تقاتل من أجل اليمن أن تتعامل مع مقدرات اليمن بهذه الطريقة؟

المشكلة ليست في صاروخ سقط هنا أو مسيّرة ضربت هناك. المشكلة في السؤال الأكبر: ما الذي يفعله الحوثي باليمن منذ أن أصبح مشروعه قائماً على القوة والسلاح؟

لقد رأينا النمط نفسه في أكثر من مدينة ومنطقة دخلتها الجماعة أو خاضت فيها معاركها. البنية التحتية تدفع الثمن، والمؤسسات تُنهك، والموانئ والمطارات والطرق والمنشآت المدنية تصبح أهدافاً، ثم يأتي الخطاب السياسي ليبحث عن مبررات لهذا الخراب.

وهذا تحديداً ما يجعل استهداف المخا أكثر من مجرد عملية عسكرية.

إنه اعتداء على مورد اقتصادي يمني، وعلى منفذ بحري يمكن أن يكون جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وعلى مدينة يمنية، وعلى مستقبل اليمنيين.

والأخطر أن بعض من لا يزالون مخدوعين بشعارات الحوثي لا يريدون رؤية هذه الحقيقة.

نسألهم ببساطة:

إذا كان الحوثي يمنياً ويقاتل من أجل اليمن، فلماذا يقصف اليمن؟

إذا كان يريد بناء دولة، فلماذا يدمر مؤسساتها؟

إذا كان يريد حماية الشعب، فلماذا يجعل المنشآت التي يعتمد عليها هذا الشعب أهدافاً لصواريخه؟

وإذا كان مشروعه وطنياً، فلماذا تتطابق مصالحه في كثير من الأحيان مع أجندة القوة الإقليمية التي تدعمه؟

لا يمكن تجاهل حقيقة الدعم الإيراني للحوثيين، لكن الأهم من مجرد الحديث عن الدعم هو فهم طبيعة الوظيفة التي يؤديها الحوثي داخل الصراع اليمني والإقليمي.

إيران لا تحتاج بالضرورة إلى أن تحكم اليمن بصورة مباشرة. يكفيها وجود قوة مسلحة قادرة على إبقاء اليمن في حالة نزاع دائم، وتعطيل مؤسساته، وإضعاف اقتصاده، وتهديد ممراته البحرية، واستخدام موقعه الجغرافي كورقة في صراعات المنطقة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم السؤال الأكثر خطورة:

ماذا تريد إيران من اليمن؟

إذا كان الجواب أن يبقى اليمن دولة مستقرة وقوية ومزدهرة، فإن ما نراه على الأرض لا ينسجم مع هذا الهدف.

أما إذا كان المطلوب أن يبقى اليمن ساحة نفوذ وصراع، وأن تبقى جماعة مسلحة فوق الدولة، وأن تظل مقدرات البلاد رهينة الحرب، فإن ما يجري يصبح أكثر قابلية للفهم.

المسألة هنا ليست كراهية للحوثيين لأنهم خصوم سياسيون، ولا رفضاً لمذهب أو منطقة أو جماعة اجتماعية يمنية.

على العكس تماماً.

الحوثيون جزء من النسيج الاجتماعي اليمني، لكن المشروع الحوثي المسلح شيء آخر.

الحوثيون ليسوا أعداء اليمن لأنهم حوثيون. المشكلة في المشروع الذي صادر قرارهم، وحوّل جماعة يمنية إلى قوة عسكرية تتجاوز الدولة، وربط قرار الحرب والسلم بمشروع يتجاوز حدود اليمن.

ولهذا فإن مواجهة الحوثي لا ينبغي أن تكون مواجهة مع مواطنين يمنيين، وإنما مواجهة مع مشروع مسلح يريد احتكار الدولة وقرارها.

ولذلك فإن كل صاروخ حوثي يسقط على ميناء المخا يقدم، من حيث يدري الحوثي أو لا يدري، دليلاً جديداً على خطأ الذين ما زالوا يعتقدون أن الجماعة تخوض حرباً من أجل مصلحة اليمن.

فالذي يريد مصلحة اليمن لا يحرق موانئه.

والذي يريد بناء الدولة لا يدمر بنيتها التحتية.

والذي يريد إنقاذ الاقتصاد لا يعطل منافذه التجارية.

والذي يريد السلام لا يجعل السلاح هو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها.

لقد كان ميناء المخا واحداً من شواهد اليمن التاريخية على ارتباط البلاد بالتجارة والملاحة والعالم. واليوم يتحول إلى شاهد آخر على حجم الكارثة التي أوصلتنا إليها الحرب.

فهل يكفي هذا كي يفهم المخدوعون؟

هل تكفي صور الدمار؟

هل تكفي الصواريخ التي تسقط على منشأة يمنية؟

هل يكفي تعطيل الميناء؟

هل تكفي دماء المدنيين؟

أم أننا سنظل نبحث عن مبررات لمن يقتل اليمن ويدمر مقدراته، فقط لأنه يرفع شعارات زائفة.

إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات.

يحتاج إلى دولة.

ويحتاج إلى جيش وطني.

ويحتاج إلى مؤسسات تعمل لمصلحة اليمنيين.

ويحتاج إلى إنهاء وظيفة الجماعات المسلحة التي تجعل اليمن ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.

ومن هنا فإن تدمير ميناء المخا يجب ألا يُنظر إليه باعتباره حادثاً عسكرياً عابراً.

إنه رسالة سياسية واقتصادية واستراتيجية.

والرسالة التي وصلت إلى كل يمني ينبغي أن تكون واضحة:

من يقصف مقدرات اليمن لا يمكن أن يكون مشروعه هو إنقاذ اليمن، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.

لقد آن الأوان لأن نسأل الحوثي، ومن يدافع عنه، سؤالاً لا يحتاج إلى كثير من الفلسفة:

أي يمن تريدون؟ يمن يبني موانئه ومدنه ومؤسساته، أم يمن تحكمه البندقية وتُدار مقدراته من خارج حدوده؟

أما اليمنيون الذين يريدون دولة حقيقية، فعليهم أن يدركوا أن المعركة ليست فقط لاستعادة مدينة أو ميناء.