الثلاثاء 21 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • في قطار الشمال الفرنسي.. بوصلةٌ تشير إلى نجد

في قطار الشمال الفرنسي.. بوصلةٌ تشير إلى نجد

في قطار الشمال الفرنسي.. بوصلةٌ تشير إلى نجد

لم يكن الوصول إلى رواية البحريات لأميمة الخميس أمرًا يسيرًا وأنا في فرنسا. بدت لي أبواب دور النشر يومها أشد انغلاقًا من الأبواب والنوافذ في شقتي الصغيرة خلال ديسمبر؛ وإن كان انغلاق الأخيرة يحفظ شيئًا من الدفء، فإن انغلاق الأولى كان يملأني ببرودة كثيفة، إذ إن ثلاثة أشهر فقط تفصلني عن إنجاز بحثي الجامعي والمثول أمام لجنة المناقشة.

بعد شهر من الانتظار وصلت الرواية أخيرًا من دار مدارك للنشر، محملة -في خيالي على الأقل- برائحة الرياض وتربة الرياض ورقّة الرياض. وقد أدركت وقتها أن اختياري العمل على الرواية السعودية كان انحيازًا أكاديميًا لأدب لم ينل حقه من الاهتمام العالمي، وكان ثمة انحياز آخر للذاكرة، وعودة غير مشروطة إلى فضاءٍ عشتُ فيه تفاصيل حياتي الأولى، وكأن الكتابة البحثية في الأدب السعودي هو بحث في الوقت نفسه عن بوصلة تشير إلى تلك الأرض التي ينتمي إليها قلبي، والتي مهما توزعتني بعدها المطارات واتسعت بي الطرق، تظل هي أرض الحنين والحب واللبنة الأولى للوعي.

ظننت أنني سأقرأها مرتين كما يفعل أي باحث، قراءة أولى للتعرف إلى العالم الروائي، وأخرى لجمع المادة العلمية، لكن بعض الروايات لا تقبل أن تُقرأ بهذه البرودة الأكاديمية؛ فهي ستمنحك شواهد لتطابقها مع نظرياتك.. ولكنها في الوقت نفسه ستدفعك إلى مراجعة أسئلتك نفسها، وتضعك وجهًا لوجه أمام إشكاليتك البحثية التي سيتفرع عنها عددًا لا نهائيًا من الاستفهامات.

وقد كان من أكثر الأسئلة إلحاحًا: كيف يعبر الإنسان المسافة بين الغربة والانتماء؟ ثم كيف يتحول المكان الغريب -مع الزمن والذاكرة والممارسة اليومية- من فضاء خارجي إلى جزء من الذات؟ وهل يستطيع الإنسان أن يتبنى حياة جديدة دون أن يتخلى عن الحكايات التي جاء بها من مكانه الأول؟

لقد تجاوزت الرواية حدود الحكاية التاريخية لتصير تأملًا في العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان؛ فالمكان عند أميمة الخميس لم يكن مسرحًا محايدًا أو خلفية صامتة للأحداث. لقد كان حاضرًا كقوة فاعلة منذ الصفحات الأولى، كاشفًا عن ثنائية البحر والصحراء.. وما يترتب على هذه الثنائية من صدام ودهشة ومقاومة، ومن خلاله تشكلت اللغة والعادات والعلاقات والذاكرة، حتى صار الانتماء عملية طويلة من التفاوض بين ما يحمله الإنسان معه من ماضيه وما يفرضه عليه حاضره.

ولعل هذا ما جعل شخصيات الرواية بعيدة عن صورة الضحية التقليدية، فهي لم تنتصر بخطابات كبيرة ولا بمواجهات صاخبة، وإنما بأفعال تبدو هامشية لأول وهلة؛ فإغلاق ممر بين غرفتين، أو زراعة البصل في أرض طينية لا تعرف البحر، أو الإصرار على الحداد على الأب عامًا كاملًا.. هي أفعال تمس الوجود اليومي، وتعلن بصمت عن رفض الذوبان كما تعلن عن محاولة عنيدة لصناعة أوطان صغيرة داخل وطن كبير.

ولعل أول ما يكشف هذه الفكرة هو عنوان الرواية نفسه؛ فكلمة "البحريات" تقاوم الترجمة الحرفية؛ إذ لا تنقلها كلمة فرنسية واحدة بما تحمله من عمق اجتماعي وثقافي، فليس المقصود نساء البحر ولا النساء المرتبطات بالملاحة، لذلك كانت الترجمة لكلمة واحدة هي جملة طويلة: "النساء القادمات من البحر؛ Les femmes venues de la mer"، وكأن العنوان نفسه يمارس مقاومة خفية لفقدان معناه وسياقه.

كنت أقرأ الرواية في القطار، خلال رحلتي اليومية إلى الجامعة، وحين كانت العجلات تلتهم المسافة بين شقتي ومدينة دراستي، كنت أعيش في نجد.. في منتصف القرن الماضي، وكانت الأسئلة تضرب رأسي بإيقاع يتناسب مع هدير عجلات القطار:

هل نصنع أوطاننا لأننا ننتمي إليها، أم أننا ننتمي إليها لأننا نواصل كل يوم صنعها بأفعال صغيرة؟ وأحيانًا.. كنت أتساءل عن الظمأ في الصحراء، عن البدوي والحب، المرأة والصمت، وألوان التراب التي تطفئ الوجوه، وتمنحها حياد الصحراء وهدوءها، لكنها لا تمحو ما يختبئ خلفها من أحلام وأسئلة ورغبات.

‏‎وسأعترف، لقد تسلحت بالصرامة الأكاديمية طيلة رحلة البحث، وحاولت الاستقواء بالحياد العلمي البارد، لكن كل ذلك انهار عند عتبة الخاتمة. هناك تراجعت الباحثة فيّ، وحضرت الكاتبة والقارئة والإنسانة، ووجدتني أكتب الكلمات الأخيرة وغشاوة من الدمع الدافئ تغرق عينيّ وأنا في خاتمة الأطروحة، بعد أن راقبت حياة بهيجة وكيف واجهت صلفًا مركبًا: في المكان، والجسد، والزمن، والمرض. ومع ذلك.. قاومت؛ زرعت البصل في أرضٍ لا تعرف البحر، واحتفظت بحدادها عامًا في وجه عُرفِ الثلاثة أيام. إنها أفعالٌ شحيحة ضد اغترابٍ هائل، لكنها تلمس جوهر الوجود لا سطحه.

‏‎لم تعد "بهيجة" مجرد شخصية داخل رواية، لقد أصبحت مرآة لاغترابي الشخصي، ورمزًا لكل امرأة تحاول تجذير هويتها وصناعة وطنها الخاص بأفعالها البسيطة والصامتة. بهيجة الشقراء بألوانها الفاقعة، مقابل سحنتي السمراء وألواني الترابية؛ إننا نتقاطع.. إن لم يكن في تفاصيل القصة ففي عمق الشعور.

إن فعل الكتابة الروائية الذي اجترحته أميمة الخميس، هو الممارسة الأصدق للفاعلية الإنسانية؛ فبينما نجحت امرأة الماضي في صياغة انتمائها بصمت وفعل يومي مقاوم، يعيد النص الروائي اليوم إنتاج قصتها ويفكك اغترابها، ويعلن عن أن الهوية عابرة للمرافئ والحدود. إنها رواية عن الإنسان.. كل إنسان، حين يحاول أن يعيد صياغة هويته في مكان لم يختره، ثم يكتشف بعد زمن، أن المكان هو الآخر كان يُشكل هذه الهوية بطريقته الخاصة.