الدكتور إبراهيم إسحاق ورائعته «صنعاء الوجه الآخر» (1-2)

كَتبَ الدُّكتور إبراهيم إسحاق رِوَايتَهُ الأولى «صنعاء الوجه الآخر»، وَصَدرَت عن «دار الهلال المصرية»، عام 2004. تقع الرِّوَاية ذات القَطْع الصغير في 179 صفحة.
تَسْرُد الرِّوَاية اللحظات والأيام والشهور والسَّنَوات الأولى لثورة السَّادِس والعشرين من سبتمبر 1962، ومشاعره كطفل في السَّادسة والنِّصف من عمره، وأثرها المُزَلزِل على أسرته التي كانت حاكمة وقريبة من الحُكم يَومًا ما.
يسرد الدكتور المشاهد والوقائع والاعتقالات التي طالت أبوه، وعمه، وإعدام جده لأمِّه، وفرار بعض أسرته إلى نجران، والقتال مع الملكيين.
كَمَا يصف ما تعرَّضَت له أسرَتُهُ: أمه، وعمَّاتُهُ، وزوجات أعمامه، وإخراجهم من منزلٍ لآخر؛ واستيلاء حكومة الثورة عليها كممتلكات دولة.
يبدأ سرديته: «ماذا يعمل طفل مثلي في عمر الزهور؟ وكيف يفكر؟ أنا الآن في حوالي السَّادسة والنِّصف من عمري». ويصف بتجرد حالة المدينة صنعاء حينها.
«مدينتنا خالية تَمامًا من أيِّ شَارع مُسفلت. لا أستوعب كَثيرًا ما يجري حتى لو كان يمسني من قريب».

في المدينة مدرستان ابتدائيتان، ومدرسة للأيتام؛ من أعمال الإمام يحيى، وأطلال مدرسة علمية للعلوم الشَّرعية. أمَّا بالنسبة لوسائط الإعلام، فليس في المدينة سوى الإذاعة.
يضيف؛ والتوصبف له: «ولا أدري فيما إذا كان هناك صحف ومجلات أم لا؟!».
يسمع عن مستشفى تُعَالج فيه الأمراض، وفيه مساحة مدورة للمجانين، وَأنَّ المجانين لا يمكنهم الهروب منه؛ لأنهم سيموتون جُوعًا. ويتندر بالمستشفى الذي لا توجد فيه سيارة إسعاف واحدة، ولا قسم طوارئ، ولا مسعفون، ولا مواد إسعافية. وإذا وُجِدَت، فلا توجد إمكانية لاستخدامها.
يأتي على ذكر وزير الأشغال والبلديات؛ الشَّاب الوسيم صديق والده المترشِّح سَفِيرًا في مصر، ويريد أن يكون والد إبراهيم معه.
تطلب منه جدته أن يطلب من أخيها فتح الراديو. ويصف الفوانيس في المساء؛ رغم وجود أسلاك الكهرباء المكشوفة والتي صعقت أحدَهُم.
مكانه المفضل غرفة جواهر الشَّغَالة الآتية من الرِّيف؛ ويسميها أمه. ولا يوجد جرس في مدرستهم.
تنتقل الأسرة إلى «دار البرهان»؛ الاسم الرمزي لمنزلهم بجوار الإذاعة. فقد أصبحَ بعد الثَّورة أكبر سِنًّا بين التَّاسِعَة وَالعَاشِرَة.. يتلقى كُلَّ شيء بالقبول، ولا يبحث عن تفكير أعمق بعد مصادرة بيتهم الجديد جوار الإذاعة، ونهب بعض أمتعتهم.
يحمل الطَّعَام يَوميًّا لأبيه في «سِجْن الرَّادِع»، ويقول: «وَمَعَ ذلك أخالف كُلَّ ما هو مُتوقَّع مني من الإحساس بالمسئولية بعد مصادرة بيتنا لصالح الخبراء الرُّوس، والانتقال لدار البُرهَان؛ وهي دار صَادَرَتهَا حكومة الثورة؛ كانت مملوكة لأحد أولاد الإمام».
ينتقل قبل الغداء إلى «دار الشَّمس»؛ لأخذ غداء أبيه وعمه عبد السَّتَّار المعتقلين في الرَّادع. والنسوة: جدته بتول، وعمته أسماء، وعمة أم أبيه أم أبو القاسم، وزهرة الشغالة.
ويصف الغداء المُعَدّ. ويذكر أولاد عَمِّه حسن المتوفي الذين يتناوبون معه في الذَّهَاب إلى الرَّادِع. ويعيب على ابن عمه علي الطَّائش الذي يعمل مُتعاونًا لأحد سَائقي الشَّاحنات في عدن.
يُوصِّف المنظر المتكرر يَوميًّا مَعَ الحارس، ونداء السُّجناء: محمد بن علي- والد إبراهيم، وعمِّه عبد السَّتَّار.
تتلهف أمه على استلام صُرَّة ملابس السِّجن، وتقوم بتفتيشها؛ لاستخراج الرِّسَالة السِّريَّة، وتسأله من سَلَّمَهُ الملابس.
ويلاحظ الدُّموع في عينيها.. وَاكتشفَ بعد فترة أنَّ أمَّه تكتب بإيجاز في ورقة، وَتَدُّسهَا في علبة السَّجائِر.
تطلب منه جدته أميمة التي تجيد تطريز الملابس فتح برنامج «ما يطلبه المستمعون»، ويختلف معها: هل وردة الجزائرية مصرية، أم جزائرية؟ وتفوز جدته بِالرِّهَان؛ لاعتقاده أنها مصرية.
خالته ضُحَى التي هربت إلى نجران تثنيه عن ولعه بسماع المذيع أحمد سعيد، وتسأله عن الجمهورية والسَّلال، ومن قتل جَدَّك، وخالي، وصاحبك -تقصد الحسن بن علي؟
فيرد: السَّلال. وتقول: هادي عيسى. وسلاح هادي عيسى من مصر؛ فيغط في طفولته، وفي نوم عميق.
ويُرَدِّد النَّشِيد الوطني للبردوني في المدرسة مع زملائه:
«زَمجِرِي بِالنَّار يَا أرضَ الجَنُوب»..
يُقَدِّم مَا يشبه المقارنة بين المدرسة القديمة والحديثة، والتَّعليم القديم والحديث، وتخصص الأساتذة المصريين في المواد، وانفراد كُلّ أستاذ بمادة.
كَمَا يَسرد قيام أحد الضُّبَّاط من أصدقاء والده بابتزازهم، وأخذ شنطة والده. وتتصدى له الشَّغَّالة زهرة، وتقول له: «ابنك عِزَّ الدين هَدَّد إبراهيم. اسمع يا زوج فتنة.. والله لو لم تترك التهجم على الشرايف بيت السِّيد محمد؛ لذهبت بنفسي إلى بيت الشَّيخ، وأحرقت ستارتي أمام خلق الله. وأنت تعرف من هي زهرة ومن هم أهل زهرة. أمَّا أنت يا مسعد حارس الضباط، والله لو رأيتك مرة أخرى تدخل هذا البيت؛ لفضحتك»؛ فيهرب الضابط مُردِّدًا هذه المرأة مجنونة. ويعرف الجميع بالقِصَّة.
كَثيرًا ما كان يُردِّد الدُّكتور عبد السَّلام نور الدين: «المرأة الصَّنعانية محافظة من الخارج منفتحة من الداخل. بينما المرأة العدنية منفتحة من الخارج محافظة من الدَّاخل». يقصد المظاهر.
وأثناء اعتقالات الشَّباب المؤمن؛ وهم بالعشرات من أبناء صنعاء القديمة، كانت أمهاتهم وأخواتهم يأتون إلى النِّيابَة العامة، ويقفون أمام النَّائب العام، وضُبَّاط الأمن، وهم يقرؤون بصوت مرتفع «سُورة ياسين»، وَكُنَّا نندهش لِشَجاعتهنّ.
ويفرد عُنوانًا للبحث عن الكنز في الدَّار المملوكة لأحد الأمراء، وعن إطلاق أبيه من السِّجن، ثُمَّ إعادته حتى بعد محاكمته، وإعلان براءته؛ وقد أعيد بَعدَ يومين من إطلاقه.
يقع في حيرة من أمر إطلاق أبيه بعد البراءة ثُمَّ إعادته، وَيُفَاجَأ عند عودته بوجود عَمِّهِ الضَّابط عبد الحميد في المنزل؛ ولم يكن يعرفه من قبل.
يتخاطب عمه معه بلغة تَهُزُّهُ كَثيرًا.. «أينك يا رجل!».
كلام لم يسمعه طيلة حياته. يقارن بين عالمين، وحالين.. «قبضته الدافئة لم يزل أثرها على كتفي، وشعور بانتماء لعالم كنت حتى تلك اللحظة أشعر أنَّ بيني وبينه حِوارًا مَفقودًا وصلة مقطوعة، وأن أقحم نفسي في عالمي منذ فجر الثَّورة؛ حِينَ سُجِنَ أبي، وَقُتِلَ صَاحِبِي، وَشُرِّدَ عَمِّي وابن خالي، وَأُرمِلَت جَدَّتي، وَأيتِمَ خَالِي، وَفُرِّقَ أهلي، وَشُتِّتَ شَمْلِي.. هذا هو عمي عبد الحميد الذي تحدثت عنه عمتي أسماء ليلة هروب عمي عبد الوهاب الضَّابط في الجيش الذي كان خارج المدينة ليلة الانفجار؛ قالوا: إنه جاء في مهمة، وقالوا: إنه سيقضي إجازة العيد في «بيت الشَّمس»، مع جدتي؛ زوجة الأب، وعمتي التي كفلته بعد يُتْمِهمَا وموت أمه؛ فجاء إلى صنعاء وعمره لم يتجاوز التَّاسعة والعاشرة. لقد كان سِنّهُ أكبر قَليلًا حين جاء صنعاء، من عمري ليلة انفجار الثَّورة.. فماذا كان دوره فيها؟ قيل: إنه سَاقَ رَجُلاً مُهِمًّا من رجال العهد السَّابق إلى صنعاء. ويقال: إنَّهُ الآن رَجُلٌ مُهِمّ في جيش الجمهورية المرابط في المناطق الشَّمالية الشَّرقِيَّة».
بَكَى في قدوم العيد في غياب أبيه وعَمِّهِ في القلعة التي نُقِلا إليها. ويدور حوار بين منصور ومحمود حول من يقوم بإيصال غداء العيد إلى عميهما.
لا تستطيع الأسرة شراء أضحية لضعف الحال؛ شَأنَ الأسر الأخرى، ولكنه يلاحظ الملابس الجديدة كمظهر من مظاهر مقاومة المظلمة الواقعة عليهم، وَأنَّهم يمتلكون القدرة على البقاء والتحدي.
ويدور حديث حول إغلاق «مقهى سمير» في الحارة، وعن «عَسْب العيد». يستغرق في وصف مظاهر العيد على الأطفال، وما يدور بينهم، ويحصلون عليه من النُّقود والكعك، واحتفاء الكبار بهم، وعلاقاتهم ببعضهم.
يزور مع جواهر أباه الذي يستنكر إعطاءها نصف ريال، ويطلب منه أن يُحَذِّر أمَّهُ من جواهر العقرب؛ كما يصفها؛ لأنها أخذت منه نصف ريال، وَأَخذَت من أمِّهِ أيضًا، ويعرف أبوه أنَّ قاسم صلالة ابن خال جواهر عين عليه، وكان وراء إعادته للمعتقل، ويشكك في جواهر.
في زيارته مع نديم لوالده يعطي لنديم كِيسًا من الكدم. يقوم نديم ببيع الكدم، ويطلب منه عدم إخبار الأسرة، وَيُهَدِّده.
يجري ترتيب هروب جدته أميمة، وخالته ضُحَى، وعمة أمه نجيبة؛ دون أن تعرف جواهر. يهربون إلى «نَجرَان»؛ ليكونوا مع ابن خالته المقاتل مع الملكيين.
لا تُصَدِّق جواهر أنهم ذهبوا إلى «قرية القَابِل»، ولكنها تصمت، ويتزايد شَكُّها برجوع بعضهم دون البقية، ووصول حامل رسائل وأمانات من ابن الخالة في نجران إلى أمِّهِ وجَدَّتِه.
وبوصول حامل الرسائل والأمانات المتنقل بين الجمهوريين والملكيين؛ تتأكد جواهر بأنَّ الأمانة هي حَبَّات ذهب، مُرسَلة من حفيد جدته في السُّعودية بعد وصول جدته أميمة إلى الطَّائف.
تسترق جواهر السَّمع، وتتأكد من تسليمها الرَّاتِب. تقوم جواهر بزيارة ابن خالها قاسم صلالة السَّواق مع جَد إبراهيم، حِينَ كَان مُديرًا للطيران؛ فتحكي له القِصَّة كاملة؛ بعد أن تَأكَّدَ هرب أميمة وَضُحَى إلى السُّعوديَّة، واستقرارهم في الطَّائِف.
تُطرَد الأسرة مُجدَّدًا من البيت؛ لأنه بيت الدولة، وأنهم لا يحترمون الدَّولة، وَيَهربون وَاحدًا تِلوَ الآخر إلى السُّعوديَّة.
ويحكي قِصَّة نَومهِ، ومنصور، ومحمود، على الأرض الباردة دُونَ فِراش وبغطاء واحد، وتبول منصور في منامه، وتخوفه من الفضيحة.
يأتي لزيارة أخته من عدن حبيب، ولأمِّهِ بتول- خالة الإمام، ويقال: إنَّ لديها مُرَتَّب من الملكيين.
يشجعهم حبيب على لعب الكرة، ويعد الفائز بحبة «كوكو كولا»، ويحارون في توفير الثَّلاث البقش؛ لاستئجار الكُرَة من سمير- صاحب القهوة الذي يرفض الدَّين.
تقنع جواهر سمير ابن خالتها بإعطائهم الكرة بضمانتها إذا حَصَلَ لها شيء. يفوز فريق محمود في الشَّوطين، ولكن حبيب يعطي «الكوكو كولا» للفريقين.
ويمنعون الزِّيَارة للتحقيقات مع المعتقلين. ويزورهم عمه عبد الحميد، وتطلب منه أم محمود السَّعي لإخراج إخوانه: محمد، وعبد السَّتَّار من القلعة؛ فيقول لها: القلعة أرحم من سجن القيادة العامة؛ حيث المصريين، والتَّعذيب بالكهرباء التي لم تصل المنازل.
للرِّوَائي الدكتور إبراهيم إسحاق إصدارات أدبية نَقديَّة وشعرية، منها: ديوانه «دُكَاك الشِّعر»، وتحقيق ديوان «سَلوة المشتاق»، للإمام محمد بن إسحاق، و«الثائرون العشَّاق».
وقد كرَّمَهُ الشَّيخ محمد صالح بَاشَرَاحِيل، للإبداع الثَّقَافي عن روايته «صنعاء الوجه الآخر».
