الاخ الرئيس.. المعركة الإعلامية لا تبدأ من الميكروفون
تابعت حديث الاخ الرئيس رشاد العليمي مع وزير الإعلام وعدد من الإعلاميين، وهو يحثهم على أهمية المعركة الإعلامية في مواجهة الحوثي، ويدعو إلى حشد الناس والشباب وكل طاقات الوعي لخدمة هذه المعركة المصيرية.
وأنا هنا أقول له بكل وضوح وصراحة: المعركة الإعلامية مهمة، نعم، لكنها ليست نقطة البداية.
المعركة الحقيقية التي يفترض أن تكون لها الأولوية هي معركة استعادة الدولة اليمنية، دولة الجمهورية، ومؤسساتها وقرارها الوطني. وهذه المعركة تحتاج قبل الإعلام إلى وضوح في الهدف، وتوحيد في الصف، وانسجام بين القوى التي تقول إنها تقف في معسكر الشرعية.
لكن المشكلة أن التشظي داخل هذا المعسكر ما زال قائما، بل إن بعض الشركاء الذين يفترض أنهم جزء من هذه المعركة يعلنون بوضوح أن هذه الحرب لا تعنيهم إلا في حدود جغرافية ومصالح سياسية معينة.
فكيف تريدون من الإعلام أن يحشد الناس لمعركة، بينما أطراف المعسكر نفسه لم تحسم بعد: ما هي المعركة؟ ولأجل أي دولة؟ وتحت أي مشروع؟
هذه هي المشكلة الأولى.
أما المشكلة الثانية فهي الأدوات الإعلامية التي تراهنون عليها.
فبعض هذه الأدوات لا يحمل مشروعا وطنيا بقدر ما يحمل حقيبة سفر، ينتقل بها من مشروع سياسي إلى آخر، ومن عاصمة إلى أخرى، بحسب اتجاه الريح ومصدر التمويل.
اليوم في عدن، وغدا في الرياض، وبعده في أبوظبي أو القاهرة أو إسطنبول، والمهم أن يبقى الميكروفون مفتوحا والراتب مستمرا!
وهناك إعلاميون أصبح الإعلام بالنسبة لهم وظيفة لا رسالة، ومصدر دخل لا قضية. فإذا تغيرت الجهة تغير الخطاب، وإذا تغير التمويل تغيرت البوصلة، وكأن الوطن مجرد استوديو كبير تتغير ديكوراته بحسب المنتج.
فكيف تريدون من إعلام كهذا أن يصنع وعيا وطنيا، وهو نفسه لم يحسم انتماءه لمشروع وطني؟
الاخ الرئيس،
المعركة الوطنية لا تبدأ من الخارج، ولا تصنعها الشاشات وحدها، ولا تنتصر بكثرة البيانات والتغريدات.
المعركة تبدأ من الداخل.
تبدأ باستعادة ثقة الناس، وبناء مؤسسات الدولة، وتوحيد القوى التي تقاتل تحت عنوان واحد، وتحديد عدو واحد، ومشروع وطني واضح لا تتنازعه المشاريع المتناقضة.
أما أن تتركوا أصحاب المشروع الوطني الحقيقي جانبا، وتستخدموا أدوات الصراع لتفكيك القوى الموجودة في صفكم، ثم تطلبوا من الإعلام أن يحشد الناس، فهذه معادلة لا تقود إلى الانتصار.
لا يمكن أن تخوض معركة استعادة الدولة بأدوات تعمل على تفكيك الدولة، ولا أن تبني وعيا وطنيا بأدوات تتحرك وفق مصالحها، ولا أن تحشد الناس خلف مشروع لا يراه شركاؤكم جميعا مشروعا واحدا.
لقد جرب اليمنيون كثيرا سياسة إدارة الصراع بدلا من إدارة المعركة الوطنية، وكانت النتيجة أن خسرنا الأرض والمؤسسات والثقة معا.
والأخطر أن أدوات الصراع التي تستخدم اليوم ضد بعضكم البعض قد تتحول غدا إلى أدوات صراع ضد الجميع.
لذلك، اخي الرئيس، قبل أن تطلبوا من الإعلاميين أن يحشدوا الناس، احشدوا أولا مشروعكم الوطني.
وقبل أن تطلبوا من الشباب أن يدافعوا عن الدولة، أقنعوهم أن هناك دولة تستحق أن يدافعوا عنها.
وقبل أن تطلبوا من الإعلام أن يكون في مقدمة المعركة، اجعلوا الشرعية نفسها في مقدمة مشروع استعادة الدولة، لا في مقدمة صراعات مكوناتها.
الإعلام لا يستطيع أن يخترع نصرا لا تصنعه السياسة، ولا يستطيع أن يغطي على تشظي الصف، ولا يستطيع أن يقنع الناس بأن المعركة وطنية إذا كانت أدواتها ومشاريع أطرافها متناقضة.
المعركة تبدأ من الداخل، من توحيد القرار، وتحديد الهدف، واستعادة الثقة.
وبغير ذلك، سنظل ننتج إعلاما كثيرا، وخطابات أكثر، وبيانات لا تنتهي... بينما تظل الدولة التي نتحدث عن استعادتها هي الغائب الأكبر.



