الخميس 13 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الكلفة الاقتصادية للحرب في اليمن: اقتصاد الحرب والدولة المستقيلة!

الكلفة الاقتصادية للحرب في اليمن: اقتصاد الحرب والدولة المستقيلة!

"ليس في الحرب ــ كما وضع كانط ــ مغانِم تُعادِل ما أُنفِقَ فيها من سفك دماء وضياع أموال وخراب ديار [...] الحرب باهظة التكاليف، إنّها مدمّرة ومُكلفة."[1] وتزداد الكُلفة ويتعاظم التدمير والخراب في حالة الحرب الأهلية، فإذا كانت "الحرب بين الدول" تستند إلى توسيع نفوذ الدولة على الاقتصاد والمجتمع؛ فإنَّ الحرب الأهلية تستند إلى "تضييق هذا النفوذ على المستويين المكاني والمؤسساتي" من خلال استنزاف الموارد الاقتصادية[2]، ويمكن إيضاح ذلك من خلال التوقف أمام ظاهرة "اقتصاد الحرب".
اقتصاد الحرب في اليمن

يمكن مقاربة مفهوم "اقتصاد الحرب" (War economy) في السياق اليمني للإشارة إلى مجموعة من التدابير والإجراءات التي تتخذُّها الأطراف المُتنازِعة بهدف السيطرة على الموارد الاقتصادية والمالية المحلية، بالإضافة إلى تلقّي السلاح والدعم اللوجستي و"المال السياسي" القادم من دول وجهات خارجية؛ ثم توجيه كل هذه الإمكانات لخدمة المجهود الحربي وتمويل استمراره. وفي خضم ذلك تتخلّق فرص مثالية لنخب الصراع أو "أمراء الحرب"؛ لتحقيق تراكم سريع في الثروات والمصالح المادية والنفوذ السياسي والاجتماعي، بما يحول الحرب من مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى مصدر مباشر لإنتاج الثروة والقوة والنفوذ. ومن ثمّ يصبح من استمرار الحرب وإطالة أمدها هدف في حد ذاته، يسعى إليه أمراء الحرب؛ لضمان استمرار مصالحهم ومراكمتها، واستمرار تحكُّمهم بمصائر العباد والبلاد.
وكأنَّنا أمام حلقة دائرية مغلقة؛ تبدأ بالحرب التي تُفضي إلى نشوء "اقتصاد الحرب" المُتكِّون – أساسًا – من عملية نهب الموارد المحلية، والحصول على السلاح و"المال السياسي" العابر للحدود، ثم تتشكُّل مصالح مادية غير مشروعة لنخب الصراع وأمراء الحرب، وتتحول هذه المصالح، بدورها، إلى عامل محفز لإطالة أمد الحرب، وإفشال فرص التسوية السياسية، بما يعيد إنتاج الحرب واقتصادها من جديد ،... وهكذا تستمر الحلقة في الدوران، بحيث تؤدي الحرب إلى نشوء اقتصاد الحرب، ويصبح اقتصاد الحرب عاملاً في استمرار الحرب وإطالة أمدها.

ويمكن توضيح هذه العملية بالشكل الآتي:

تجلّيات اقتصاد الحرب وتداعياته
يتجلّى اقتصاد الحرب، ويتمظهر في عدد من الممارسات والإجراءات والتصرفات التي تقوم بها أطراف الصراع التي تؤدي إلى آثار كارثية على الاقتصاد الوطني ومعيشة المواطنين، غير أنَّ أبرز ملمح لاقتصاد الحرب؛ يكمن في "نشوء مجموعة جديدة من المُتربِّحين من الحرب"، أو "طبقة طفيلية جديدة"، تضمّ قيادات ميليشياوية، وقيادات حكومية وعسكرية وأمنية، ورجال أعمال طارئين، وشخصيات اجتماعية وسياسية نافذة... إلخ. وقد سعت هذه المجموعة/ الطبقة إلى استغلال وضع الحرب، وحالة الفوضى في البلاد، وغياب القانون، وانهيار منظومة الرقابة والمحاسبة في مراكمة ثروات طائلة، من خلال ممارسات وإجراءات، أبرزها:
الاستحواذ على الموارد السيادية للدولة
تتنافس – وبشكل محموم – أطراف الصراع و"المُتربّحين الجدد" على "حَلْب الموارد" وفق تعبير أحد الباحثين[3]؛ أيّ الاستحواذ على الموارد السيادية للدولة: الضرائب، والرسوم الجمركية، والواجبات الزكوية، وعوائد النفط والغاز، وغيرها من الموارد المالية؛ فعلى سبيل المثال:
تستحوذ جماعة الحوثيين على نسبة تصل إلى (50%) من الموارد الإجمالية للدولة.
تستحوذ "سلطة عدن" على المنح الخارجية، وعلى بعض موارد الجمارك، علاوةً على بعض عوائد النفط والغاز.
أما "سلطة مأرب" فهي المسيطر الرئيس على عوائد النفط والغاز التابع للمحافظة وتتصرف به باستقلالية تامة، عدا ما تسمح به من تحويلات رئيس الجمهورية.
في حين تأخذ سلطتي محافظتي حضرموت وشبوة ما يعادل (20%) من قيمة النفط والمنتج في المحافظتين، وتتصرفان به باستقلالية تامة.[4]
لقد مثلَّت هذه الموارد من أبرز مصادر التمويل التي تستند إليها أطراف الصراع لتجنيد المقاتلين، وشراء الأسلحة، وكسب الولاءات، وتمويل الوسائل الإعلامية والنشطاء الإعلاميين الذين يتولّون مهام التعبئة الحربية، وتزييف وعي أفراد المجتمع، والترويج لأطراف الصراع ولأجندة خارجية.
فرض الجبايات غير القانونية
عمدت أطراف الصراع إلى فرض الجبايات المختلفة على الشركات والمحلات التجارية وشحنات البضائع المستوردة. وقد كان لجماعة الحوثي نصيب الأسد من هذه الممارسات، إذ تقوم منذ بداية سيطرتها على العاصمة صنعاء نهاية 2014 بتحصيل جبايات وإتاوات تحت مسمى "المجهود الحربي"، ثم ابتدعت وسائل أخرى لأخذ الجبايات إلى جانب "المجهود الحربي"، كجمع الأموال لإقامة جملة من الاحتفالات الشعبية، مثل: "المولد النبوي"، و"عاشوراء"، و"يوم القدس العالمي"، فضلًا عن جمع التبرعات بطرق مرتجلة لدعم قضايا سياسية. بصفة عامة، يعمل نظام الجباية هذا كآلة جمع أموال على مدار العام دون استثناء فئة معينة، سواءٌ الأغنياء ذوو السطوة أم الباعة المتجوّلين وصغار المزارعين. وتشير التقديرات إلى أنّ جماعة الحوثي تجبي موارد ضريبية مهولة تصل إلى (1.8) مليار دولار سنويًا في المناطق التي تسيطر عليها.[5]
كما قامت جماعة الحوثي باستحداث ما يزيد عن سبعة مراكز جمركية في المناطق الحدودية بينها وبين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وذلك للقيام بفرض رسوم جمركية لكافة البضائع والشحنات القادمة من ميناء عدن إلى مناطق سيطرتها، رغم استيفاء تحصيل كافة الإجراءات الجمركية في المنافذ البحرية والحدودية التي تقع ضمن نطاق سيطرة الحكومة الشرعية. وقد وصلت الرسوم الجمركية التي فرضتها جماعة الحوثي إلى (30%)، وزادت في شهر مارس من العام 2021 إلى (50%).[6]
لم يتوقف نَهم جماعة الحوثي في تحصيل الجبايات عند هذا الحد، بل ذهبت بعيدًا في هذا المسلك، ففي يونيو 2020 أصدر ما يسمى "رئيس المجلس السياسي الأعلى" لائحة تشريعية، تتضمن "دفع الخُمس (20%) في الرِّكاز والمعادن المستخرجة من باطن الأرض أو البحر"، وحددت مصارفه، وقسّمته على (6) أسهم، من بنيها: "سهم الرسول، وهو لوليّ الأمر وله حرية التصرّف في هذا المال، وولي الأمر بالضرورة من بني هاشم". وسهم "لذوي القُربى من بني هاشم"... إلخ. وقد اعتبر بعض الخبراء القانونيين بأنّ هذه الخطوة تمثّل تقنين، وإعلان رسمي بالتمييز العنصري في اليمن، واعتبار المنتسبين إلى سلالة الهاشميين جماعة مميزة عن سائر اليمنيين، وسلخهم من المواطنة اليمنية ومن انتمائهم الوطني كمواطنين يمنيين، ومن كونهم جزءًا من النسيج الاجتماعي اليمني.[7]
وفي السياق ذاته، تقوم قيادات عسكرية وحكومية بفرض جبايات على المحلات التجارية والأسواق، والاستحواذ على جزء من الموارد المالية، في مدن يمنية عديدة تقع في نطاق سلطة الحكومة الشرعية، أهمها: عدن، وتعز، ومأرب، وحضرموت.
المال السياسي العابر للحدود
يتجلّى من خلال وجود دعم مالي خارجي لأطراف الصراع لا يمر عبر القنوات الرسمية والقانونية، ولا يخضع للإجراءات المالية اللازم اتّباعها في توريد وإنفاق لمثل هذا الدعم؛ مما يشكّل مخالفة جسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الخيانة العظمى.[8] لقد وصل الأمر إلى درجة قيام دول كالسعودية والإمارات بدفع رواتب شهرية لجنود وضباط يتبعون تشكيلات عسكرية، مثل: "قوات المقاومة الوطنية"، و"قوات العمالقة"، وبعض مناطق القوات العسكرية في مأرب والجوف وحضرموت، وكذلك "النّخبة الشبوانية"، "والنّخبة الحضرمية"، "وقوات الحزام الأمني". وهذه الرواتب عالية وتُدفع بالريال السعودي؛ فيما هناك جنود آخرون ينتسبون إلى القوات التابعة للحكومة المُعترف بها دوليًا يتسلّمون رواتب هزيلة وبالريال اليمني، وهو ما يشكّل عائقًا كبيرًا أمام دمج القوات الأمنية والعسكرية في إطار جيش وطني موحّد، ويعزّز من سطوة الولاء لجهات خارجية، على حساب الولاء للوطن وللدولة اليمنية.
التلاعُب بالعُملة المحلية
إنّ التهاوي المُتسارع والحاد لقيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية يعود إلى جملة من الإجراءات الارتجالية، وفي مقدمتها: قيام "سلطة عدن" بطباعة الأوراق النقدية بمواصفات جديدة وبكميات مهولة. وفي المقابل قامت "سلطة صنعاء" بإجراءات مضادَّة؛ ففي أواخر ديسمبر 2019 اتخذت قرارًا بمنع تداوُّل الطبعة الجديدة من الريال اليمني في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وقد ترتّب على ذلك وجود واقع نقدي فريد من نوعه؛ يتمثل بتداول طبعتين نقديتين مختلفتين في بلد يفترض أنه موحّد وذو سيادة نقدية واحدة.[9] وقد كان لهذا الواقع آثارًا تدميرية على القوة الشرائية للريال وسعر صرفه، إذ شهد سوق العملات النقدية في اليمن اختلافًا في سعر صرف العملات الأجنبية، وهو الاختلاف الذي تنامى وتصاعد بمرور السنوات؛ فبعد أن كان متوسط سعر الدولار خلال عام 2019 في كامل البلاد يساوي (558) ريال/ للدولار، ابتدأ هذا السعر يأخذ منحى مختلفًا منذ ديسمبر 2019 عند صدور القرار الذي قضى بمنع تداول الطبعة الجديدة من الريال. فمن حينها انفلتت الأمور من عِقالها في مناطق "سلطة عدن". حيث كانت وتائر صعود سعر الصرف أعلى وأسرع. وقد استغلّ "تجّار الحرب" هذا الوضع المُختلّ ليكون بمثابة مصدر جديد للمُتاجرة وتحقيق الأرباح، فسارعوا إلى إنشاء شبكة عابرة للمتارس وللحدود القتالية داخل البلاد، تتولّى إدارة وتنظيم عمليات المُتاجرة بالعُملة اليمنية، والتحكّم بأسعارها صعودًا وهبوطًا، وبما يحقق الأرباح، وأيّ نتائج جانبية أخرى مرغوب فيها.[10]
خصخصة الخدمات و"الدولة المستقيلة"
شهدت البلاد خلال سنوات الحرب حالة من التوسُّع غير المنضبط في خصخصة الخدمات العامة؛ إذ تحولتْ خدمات الكهرباء والمياه والتعليم والصحة إلى سلع خاضعة لقانون السوق (قانون العرض والطلب)، وأعفتْ مؤسسات الدولة نفسها عن تحمُّل مسؤولياتها في توفير هذه الخدمات بأسعار تتناسب مع مداخيل المواطنين وظروفهم المعيشية؛ بذريعة استمرار الحرب وعدم توفر النفقات التشغيلية الكافية، دون أن تكّلف قيادات هذه المؤسسات نفسها البحث الجاد عن حلول وبدائل أخرى، في مشهد يعكس ما يمكن أن نطلق عليها حالة "الدولة المُستقيلة"، فلقد "استقالت" مؤسسات الدولة فعليًا عن مسؤولياتها في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين؛ فلا ماء ولا كهرباء ولا تعليم نوعي ولا صحة جيدة، ولا أمن مستدام. وتركت المواطنين في حالة انكشاف كلي أمام "الهوامير" الجُدد الذين أفرزتهم الحرب الذين استغلّوا أوضاع الحرب لمراكمة ثروات طائلة، على حساب الغالبية الكاسحة من الشعب اليمني المطحونين تحت رحى الحرب والفقر والعوز والبطالة.

الهوامش:
(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.
[1] عبدالرحمن التليلي، الحرب معضلة، في: سيّار الجميل [وآخرون]، ما الحرب؟، مجلة عالم الفكر: مج (36)، ع (2)، (أكتوبر ــ ديسمبر 2007)، ص86.
[2] شربل نحاس، اقتصاديات الحروب الأهلية تحولاتها في سورية ولبنان، مجلة بدايات، ع(10)، (شتاء 2015)، متاح على شبكة الانترنت.
[3] فالح عبدالجبار، دولة الخلافة.. التقدم إلى الماضي ("داعش" والمجتمع المحلي في العراق)، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص29.
[4] أمين إسماعيل الشيباني، الاقتصاد اليمني والحرب، (صنعاء: "د.ن"، 2022)، ص230.
[5] ميساء شجاع الدين، سلطة متجذّرة: نظام الحُكم الحوثي، مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، يونيو 2022، ص.ص6-7.
[6] مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، الجبايات الجمركية والضريبية.. وجه آخر للحرب في اليمن تعز، تقرير، (يونيو )2021، ص.ص5-6.
[7] محمد أحمد علي المخلافي، مشروع بناء الدولة والحرب في اليمن، ج3: الرؤى الوطنية لمشروع بناء الدولة، ط2، (القاهرة: عناوين بوكس، 2022)، ص183-184.
[8] أمين إسماعيل الشيباني، الاقتصاد اليمني والحرب، مرجع سابق، ص.ص249-250
[9] نفسه، ص288.
[10] نفسه، ص.ص290-294.