الخميس 13 أغسطس 2026

طه الذي غاب!

لا يزال شارع علي عبدالمغني يضيء في الروح ذكريات وذكريات حميمة، كيف لا وهو قلب الثورة وصنعاء النابض.

عندما تدلف بقدميك تلك المثلثات والمربعات التي كانت كائنة في نفس الساحة التي هي الآن للبنك المركزي، وذلك بعد أن يدنو الليل من المدينة، عندما كانت صنعاء ملء الأعماق وحنونة، لم تتوحش بعد، تحس هنا أنك ستدخل إلى عالم آخر يكسر حدة الظلام.
الجانب الأيمن يعج بالحياة طوال الليل. أول ما تقترب من فندق الزهرة أو الزهراء، لذلك الرجل الذي لا تزال آثاره باقية إلى اليوم، عبدالقوي عثمان، وهي آثار رجل خير وكرم وصاحب المبادرات. منحه الحمدي مفاتيح نادي ضباط القوات المسلحة ليشغله، فلم يقصر عبدالقوي، وحول النادي إلى أول مكان جاذب في العاصمة. ورحم الله الذي طور وحسن، ولا رحم من حاول أن يستولي على الواجهة المطلة على شارع الشرطة يحولها إلى دكاكين، فلما لم يستطع بسبب رفض الثلايا الذي تم تغييره ليصاب كمداً فيما بعد بالعمى.
كان الجانب الأيسر من علي عبدالمغني قليل الحركة، إلا نقطة ضوء: "مطعم فندق الأنوار" لمرشد الأغبري، عم أحمد ناشر عبده، ذلك العبقري الذي تخرج مهندساً في الخطوط اليمنية ومات مبكراً.
لا يمكن لي أن أمر عليه مرور الكرام، فقد كان في مدرسة سيف "آية" في المواد العلمية، إلى جانب زميله زميلنا حبيب بجاش حيدر الأصبحي، الذي لو كان انطلق إلى الكون لأصبح عالماً يشار إليه بالبنان. ماذا تفعل للحزبية في هذه البلاد التي أطرت البشر وصيرتهم آلات لا تنطق؟
كان خريج الجامعة عندما يأتي إلى صنعاء فكأنه يهبط من السماء. تجد الجميع في الشارع ينظر إليه على أنه حالة استثنائية. لم تقصر ثورة سبتمبر في أنها ابتعثت أولاد اليمنيين جميعاً إلى الجامعات.
شفت الحيدري يأتي من وزارة الاقتصاد التي كانت كائنة بجانب عمارة البنك اليمني، يقوم من على المائدة ليبادره المبتسم دائماً طه عبيد:
طه عبيد في مرحلتين عمرية
طه عبيد في مرحلتين عمرية
"افتح لك صفحة في الدفتر"، ويعني هذا أنك ستحاسب آخر الشهر عندما تستلم الراتب.
صلاح عزيز، الشيباني، فيصل، سعيد، الشامي، المساح، الطشان، زايد، كلهم كانوا، وآخرين كثر، في دفتر طه. وآخر كل شهر تراهم يتقاطرون شاكرين له حيويته وحسن تعامله ويدفعون. كانت المرتبات لا تزال بضعة ريالات، لكن الحلم الذي كان ساكناً علي عبد المغني كان هو الأهم.
ظل طه نقطة ضوء إلى جانب العم عوض ورولكس وفندق المخا بمطعمه الذي طردنا منه أنا والرداعي عندما طلبنا "كابيتشينو". صنعاء يومها لم تكن تعرف تلك القهوة. كنت قد عدت من سفرة إلى القاهرة بأمر جديد، لقد عرفت القهوة المشهورة. في المرة التالية ذهبت بالرداعي إلى نفس المكان لندفع المرتب كله قيمة الكابتشينو. رعاها الله، أيام أجمل.
سنوات ونحن نعايش ابتسامة طه عبيد، حتى انتهى فندق الأنوار بوفاة العم مرشد، ليختفي طه ويظهر بعد سنوات عند العم حمود في شارع القصر، ليختفيا الاثنين من جديد.
بحثت عن طه كثيراً حتى علمت أنه توفي.
كان طه عبيد أحد علامات عبدلمغني، الشارع النابض بالثورة.