الخميس 13 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • قراءة وتعقيب في مقال عن إستعادة وحدة اليمن وإستقراره!

قراءة وتعقيب في مقال عن إستعادة وحدة اليمن وإستقراره!

كنت قد علّقت على مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي الموسوم بـ: "في المدخل لاستعادة وحدة اليمن واستقراره" في صفحته على فيسبوك يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026م، فطلب مني أحد المعلقين أن أحوّل التعليق إلى قراءة حتى يتسنى قراءته بصورة أوسع. وقد وجدت أن الرد الذي تفضل به القاضي عبدالعزيز على تعليقي يستحق أن يُستحضر ضمن هذه القراءة، لأنه أضاف إلى النقاش نقطة جوهرية تتصل بتوصيف ما جرى في اليمن منذ 11 فبراير 2011م، وبالتمييز بين الثورة الشعبية السلمية ومآلاتها اللاحقة.

لقد أحسنتم، قاضيَنا الجليل، الاستهلال بتناول مفهوم الديمقراطية والشرعية. فالديمقراطية، في معناها الدقيق، ليست مجرد إجراء انتخابي أو عملية اقتراع، وإنما هي منظومة متكاملة يكون فيها الشعب مصدر السلطة، وتمارس هذه السلطة في إطار الدستور والقانون، مع ضمان الحريات والحقوق والتعددية السياسية والمساواة والمساءلة والتداول السلمي للسلطة. ومن ثم فإن الانتخابات ليست سوى إحدى أدوات الديمقراطية، ولا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا إذا كانت حرة ونزيهة ومعبرة عن الإرادة الشعبية، بعيدًا عن التزوير أو التأثير في إرادة الناخبين أو استخدامها غطاءً لإدامة حكم الفرد أو الجماعة.
ومن هنا أتفق معكم في أن مشروعية السلطة لا تتحدد فقط بكيفية وصولها إلى الحكم، وإنما أيضًا بطريقة ممارستها للسلطة والغايات التي تسعى إلى تحقيقها، ومدى التزامها بالدستور والقانون وتحقيقها للمصلحة العامة. فالسلطة التي تنحرف عن غاياتها الدستورية وتعمل على مصادرة إرادة الشعب أو تعطيل التداول السلمي للسلطة تفقد جوهر مشروعيتها، مهما حاولت الاحتماء بإجراءات شكلية أو انتخابية.
كما أتفق معكم في أن الأصل هو الشرعية الدستورية، والاستثناء هو ما يسمى بالشرعية الثورية، على أن تكون مؤقتة ومحددة الأهداف، وألا تتحول إلى وسيلة دائمة للاستيلاء على السلطة. غير أنني أرى أن هذه المسألة تحتاج إلى قدر أكبر من التمييز، ولا سيما في الحالة اليمنية، بين الثورة الشعبية السلمية وبين الاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة.
وهنا تحديدًا كان موضع الخلاف الذي دار بيني وبينكم. فقد بدا لي أن توصيف 11 فبراير 2011م ينبغي أن ينطلق من طبيعته الأولى كفعل شعبي سلمي واسع، لا من المآلات التي آلت إليها البلاد بعد ذلك. فثورة فبراير كانت، في أصلها، حركة شعبية سلمية شارك فيها شباب اليمن ومختلف فئاته، وخرج الناس إلى الميادين في المدن مطالبين بالتغيير وإسقاط النظام وبناء دولة مدنية ديمقراطية. ومن الصعب، في تقديري، أن نحاكم ذلك الفعل الشعبي بما وقع بعده من صراعات وانقسامات وحروب وتدخلات، وكأن جميع تلك الأحداث كانت جزءًا من فعل واحد أو نتيجة حتمية له.
والتمييز هنا ليس ترفًا سياسيًا أو لغويًا، بل ضرورة لفهم الأزمة اليمنية بصورة أكثر إنصافًا. فالثورة الشعبية شيء، والصراع على الثورة شيء آخر، والثورة المضادة شيء ثالث، والانقلاب أو الاستيلاء على السلطة بالقوة شيء آخر، ثم تأتي التدخلات الإقليمية والدولية لتضيف طبقات جديدة إلى المشهد. وهذه الأحداث قد تكون مترابطة، لكنها ليست بالضرورة حدثًا واحدًا حتى نحكم عليها بحكم واحد.
لقد واجهت ثورة فبراير، منذ بدايتها، قوى متعددة سعت إلى التأثير في مسارها أو احتوائها أو إجهاض أهدافها. ويمكن النظر إلى ما جرى لاحقًا باعتباره صراعًا على الثورة ومسارها، دخلت فيه أطراف من المنظومة العسكرية والسياسية القديمة وقوى حزبية وعسكرية مختلفة، ثم جاءت تحولات أخرى أكثر تعقيدًا مع تحالفات رأس النظام السابق علي عبدالله صالح مع أنصار الله الحوثيين، وما أعقب ذلك من انهيار سياسي وعسكري وحرب وتدخلات إقليمية ودولية.
ومن هنا أرى أن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا آلت إليه ثورة فبراير؟ بل ينبغي أن نضيف إليه أسئلة أخرى أكثر عمقًا: من الذي أجهض أهدافها؟ ومن الذي صادر قرارها؟ ومن الذي حوّل مسار التغيير من فرصة لبناء الدولة إلى صراع على السلطة والنفوذ؟ ومن الذي دفع اليمن، في مراحل لاحقة، إلى الارتهان لتدخلات القوى الإقليمية والدولية؟
وهذا لا يعني تبرئة ثورة فبراير من أخطاء القوى التي تصدرت مشهدها، ولا يعني الدفاع عن كل ما جرى بعدها، كما لا يعني تجاهل مسؤولية بعض القوى السياسية والعسكرية التي شاركت في إدارة المرحلة الانتقالية وأخطأت في تقدير موازين القوى أو ساهمت في إنتاج أزمات لاحقة. وإنما يعني، ببساطة، ضرورة الفصل بين الفعل الشعبي الذي أطلق مطلب التغيير وبين القوى التي تدخلت لاحقًا في مساره ومآلاته.
ففشل الثورة في تحقيق أهدافها، أو اختطاف مسارها، أو انحراف الأحداث بعدها، لا يعني بالضرورة أن المطالب التي خرج من أجلها الناس كانت خاطئة، ولا أن الثورة لم تكن ثورة. والثورات الشعبية بطبيعتها ليست كتلًا متجانسة؛ فهي تضم تيارات ومصالح وفئات متعددة، وقد تدخلها قوى سياسية وتنظيمية تحاول توجيهها أو احتواءها. والمشكلة لا تكمن في وجود هذه القوى بحد ذاته، وإنما في قدرتها على مصادرة القرار الشعبي وتحويل مسار الثورة إلى مشروع مختلف.
وفي الوقت نفسه، فإن هذا التمييز لا ينبغي أن يقودنا إلى منح القوة المسلحة أي شرعية ثورية لمجرد رفعها شعارات الثورة. فخروج الشعب بصورة سلمية للمطالبة بالتغيير يختلف جذريًا عن الاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة. ومن هنا فإن الخلط بين الثورة والانقلاب يمكن أن يفضي إلى منح القوة شرعية لا تستحقها، بينما الأصل أن السلطة تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية والدستور والوسائل السلمية.
ولعل التجربة اليمنية نفسها تقدم الدليل الأوضح على خطورة هذا الخلط. فقد انتقلت البلاد من فعل شعبي سلمي واسع إلى صراع على السلطة، ثم إلى انقسام مؤسسات الدولة، وحروب داخلية، وتحالفات وانقلابات، وتدخلات إقليمية ودولية. ولذلك فإن تحميل 11 فبراير وحده مسؤولية كل ما جرى بعده يمثل، في تقديري، اختزالًا مخلًا للتاريخ السياسي اليمني.
أما التدخلات السعودية والإماراتية والإيرانية وغيرها، وما ترتب عليها من تآكل القرار الوطني وارتهانه لأطراف خارجية، فهي مسألة خطيرة تستحق النقد والمساءلة. لكن تحميل ثورة فبراير ذاتها مسؤولية هذا الارتهان يخلط بين الحدث الذي أشعل مطلب التغيير وبين المسارات التي فُرضت على اليمن لاحقًا نتيجة الصراع المحلي على السلطة وتدخل القوى الإقليمية والدولية.
والأخطر من ذلك أن اعتبار الثورات الشعبية أصل الكارثة قد يقود، من حيث لا نقصد، إلى تبني الرواية التي تسعى الأنظمة الاستبدادية دائمًا إلى ترسيخها: أن الشعوب كان ينبغي أن تبقى صامتة، وأن أي محاولة لتغيير الواقع لا تنتج إلا الفوضى. وهذه نتيجة لا أعتقد أنها تخدم مشروع الدولة الديمقراطية الذي نتفق جميعًا على ضرورة استعادته.
وقد أحسنتم كذلك في تشخيص جوهر الأزمة اليمنية، المتمثل في الانقسام الداخلي والتدخل الخارجي وتعطيل المسار السياسي، وما ترتب على ذلك من استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، وهي حالة قد تكون في بعض جوانبها أكثر استنزافًا للمجتمع والدولة من الحرب نفسها. ومن ثم فإن المخرج لا يكمن في التسابق على إصدار المبادرات ومقابلة كل مبادرة بأخرى، وإنما في البحث عن مسار سياسي جاد يعيد اليمنيين إلى طاولة الحوار.
وأؤكد هنا أنه لا حل مستدامًا للقضية اليمنية خارج المرجعيات الثلاث، أو على أقل تقدير تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل وباكورة إنتاجها «مسودة الدستور»، مع ضرورة إنزال مسودة الدستور إلى الاستفتاء الشعبي؛ فالشعب هو صاحب الحق الأصيل في تقرير شكل دولته ونظام حكمه، ولا ينبغي أن تبقى القضايا الدستورية الجوهرية رهينة التوافقات السياسية أو إرادة القوى المتصارعة.
وفي هذا السياق، فإن العودة إلى مخرجات الحوار الوطني الشامل واستئناف الحوار من النقطة التي توقف عندها المتحاورون تبدو مدخلًا مهمًا لمعالجة الخلافات، شريطة أن يتم ذلك بعقل دستوري وقانوني وسياسي، وبعيدًا عن النزعات الطائفية والمناطقية والحسابات الفئوية. فاليمن في حاجة إلى مشروع دولة يستوعب الجميع، لا إلى مشاريع متنافسة تسعى كل منها إلى فرض رؤيتها بالقوة.
أما قضية الأقاليم، فأرى أنها ينبغي ألا تكون مدخلًا جديدًا للصراع، وإنما وسيلة لترسيخ الوحدة الوطنية وتوسيع المشاركة الشعبية وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة. فالدولة المركبة، إذا أحسن تصميمها وتطبيقها، يمكن أن تكون من أكثر الصيغ قدرة على تحقيق التعايش السلمي بين مكونات المجتمع، وتقريب السلطة من المواطن، والحيلولة دون عودة الحكم الفردي أو هيمنة الحزب الواحد أو الطائفة الواحدة أو المذهب الواحد.
غير أن نجاح نظام الأقاليم يتوقف على أن يكون التقسيم علميًا وموضوعيًا وعادلًا، لا تقسيمًا مرسومًا على مسطرة سياسية أو مناطقية. ولذلك ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عدد السكان، والموارد ومصادر الدخل، والجغرافيا، والقدرة الاقتصادية، والتكامل الاجتماعي، بما يضمن قدرًا من التوازن بين الأقاليم ويحول دون نشوء أقاليم غنية وأخرى فقيرة. فالهدف من الأقاليم ينبغي أن يكون تقوية الوحدة الوطنية لا تفكيكها، وتحقيق العدالة لا إنتاج مظالم جديدة.
أما فيما يتعلق بالشرعية الوطنية والدولية، فإن وحدة الدولة اليمنية ونظامها الدستوري الديمقراطي يمثلان أساس الشرعية الوطنية، وينبغي أن يتركز الدعم الإقليمي والدولي الصادق على استعادة الدولة وإنهاء الانقسام، لا على تكريس واقع التجزئة أو دعم مشاريع تتعارض مع إرادة اليمنيين. فالشرعية الدولية ينبغي أن تكون سندًا للشرعية الوطنية وإرادة الشعب، لا بديلًا عنها.
وفي المحصلة، فإن أهمية مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي تكمن في أنه لا يتعامل مع الأزمة اليمنية بوصفها مجرد صراع على السلطة، وإنما يربطها بمسألة أعمق تتصل بمصدر السلطة ومشروعيتها وغاياتها ووسائل ممارستها. وهذا هو جوهر المسألة؛ إذ لا يمكن استعادة اليمن بمجرد إنهاء جولة من جولات الصراع، وإنما باستعادة الدولة ومؤسساتها، وإعادة الاعتبار للدستور والإرادة الشعبية، وإقامة نظام سياسي يقوم على المواطنة المتساوية والتعددية والتداول السلمي للسلطة.
وفي تقديري، فإن استعادة وحدة اليمن أرضًا وإنسانًا لا ينبغي أن تكون مجرد شعار سياسي، وإنما مشروعًا وطنيًا يقوم على بناء دولة يتساوى فيها اليمنيون جميعًا في الحقوق والواجبات، وتكون فيها السلطة خادمة للمجتمع لا متسلطة عليه، ويكون الدستور حاكمًا للحاكم والمحكوم.
ولذلك فإن الخلاف حول توصيف 11 فبراير ينبغي ألا يحجب عنا القضية الأهم: كيف نستعيد الدولة اليمنية، وننهي الانقسام، ونبني نظامًا سياسيًا يستمد شرعيته من الشعب ويحتكم إلى الدستور والقانون؟ فالاختلاف في قراءة الماضي ينبغي أن يكون مدخلًا لفهم الحاضر، لا سببًا لاستمرار الانقسام.
إن ثورة فبراير، بما كانت عليه من فعل شعبي سلمي، لا ينبغي أن تُختزل في مآلاتها اللاحقة، كما لا ينبغي في المقابل أن تتحول إلى رواية تمنعنا من نقد أخطاء القوى التي شاركت فيها أو استثمرتها. وبين التبرئة المطلقة والإدانة المطلقة مساحة واسعة من القراءة الموضوعية التي تميز بين الحدث ومآلاته، وبين أصحاب المطالب الشعبية والقوى التي تصارعت على توجيه مسارها.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للنقاش الذي أثاره مقال القاضي عبدالعزيز لا تكمن فقط في الاتفاق أو الاختلاف حول توصيف «الشرعية الثورية»، وإنما في إعادة السؤال اليمني إلى أساسه: من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟ ومن يملك حق تقرير شكل الدولة؟ وكيف يمكن أن تتحول الإرادة الشعبية من شعار إلى قواعد دستورية ومؤسسات ديمقراطية مستقرة؟
وهنا تكمن، في تقديري، نقطة الالتقاء التي يمكن أن تجمع مختلف القراءات؛ فاستعادة اليمن لا تبدأ بإعادة إنتاج صراعات الماضي، وإنما باستعادة مفهوم الدولة والشرعية والديمقراطية، والاحتكام إلى الحوار والدستور والإرادة الشعبية والقانون، والتخلي عن منطق الغلبة والقوة.
فاليمن لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف بقدر ما يحتاج إلى انتصار الدولة على الفوضى، والدستور على القوة، والمواطنة على العصبية، والإرادة الشعبية على الوصاية الداخلية والخارجية.
وتلك، في النهاية، هي الطريق إلى استعادة وحدة اليمن واستقراره.