الأربعاء 12 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الثقافة السياسية العربية.. من أبوية السلطة إلى مأزق الوعي الجماهيري

الثقافة السياسية العربية.. من أبوية السلطة إلى مأزق الوعي الجماهيري

يمارس الفعل السياسي في الواقع العربي، في كثير من تجلياته، بوصفه فعلا نخبويا مغلقا، لا يتجاوز في الغالب دائرة النخب الحاكمة، والنخب المعارضة الطامحة إلى السلطة، في صراع ديالكتيكي لا ينتهي إلا بانزياح مركز القوة من طرف إلى آخر. وهو صراع لا تحكمه، في كثير من الأحيان، قواعد المؤسسات والتداول السلمي للسلطة، بقدر ما تحكمه آليات التغلب والاستحواذ، التي راكمها التاريخ السياسي العربي، حتى تحولت إلى جزء من البنية العميقة للوعي الجمعي.

وفي ظل هذه الثقافة، تختزل الدولة أحيانا إلى غنيمة سياسية، وتتحول السلطة من وظيفة عامة إلى امتياز خاص، أو إلى ميراث عائلي أو عصبي أو طائفي، وقد تكتسب في بعض السياقات شرعية دينية تجعل مساءلتها أقرب إلى المحظور منها إلى الحق الطبيعي للمواطن.
ومن هنا تتحول السياسة إلى لعبة صفرية؛ انتصار طرف فيها يعني بالضرورة إقصاء الطرف الآخر، فيما تتراجع فكرة الدولة باعتبارها مؤسسة محايدة، لصالح منطق الغلبة باعتباره الوسيلة الأكثر حضورا في إدارة الصراع. ولذلك تتجدد الأزمات، وتتكرر الانقلابات والثورات والانتفاضات، من دون أن تنجح المجتمعات في بناء قواعد مستقرة لتحويل التنافس السياسي من صراع على الدولة إلى تنافس داخل الدولة.
إن غياب التراكم الديمقراطي، واستمرار هيمنة الثقافة الأبوية، يجعلان محاولات الإصلاح تصطدم بجدار عميق من الموروث السياسي والاجتماعي؛ ذلك أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم بمجرد تغيير الأشخاص، إذا بقيت الثقافة التي تنتج الاستبداد وتعيد إنتاجه على حالها.
ولا تقوم هيمنة النخب السياسية العربية على القوة الخشنة وحدها، وإنما تستند كذلك إلى إنتاج خطاب قادر على تشكيل الوعي الجماهيري وتوجيهه. ويتخذ هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، صورتين متداخلتين:
الأولى: خطاب تبريري يقدم السلطة باعتبارها ضرورة وجودية، دينية أو طائفية أو أمنية أو وطنية، ويمنح الحاكم صورة الأب الراعي الذي لا ينبغي مساءلته، فتتحول الطاعة من موقف سياسي قابل للنقاش إلى قيمة أخلاقية أو دينية.
والثانية: خطاب تعبوي وتحريضي يستنفر العصبيات المذهبية والعشائرية والجهوية والإثنية، ويحول الجماهير إلى وقود للصراعات السياسية، بدلا من أن يجعل منها قوة واعية بمصالحها الوطنية والاجتماعية، وقادرة على مساءلة النخب ومحاسبتها.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في الثقافة السياسية العربية: فالجماهير قد تكون حاضرة بقوة في المشهد السياسي، لكنها ليست بالضرورة حاضرة بوعي سياسي يوازي حجم حضورها. وقد تتحول المشاركة الشعبية، بدلا من أن تكون أداة للتغيير، إلى مجرد استجابة انفعالية للشعارات، أو اصطفاف وراء الزعيم، أو الجماعة، أو الطائفة، أو القبيلة، دون إدراك كاف لطبيعة المصالح التي تقف خلف تلك الشعارات.
ولا يقتصر هذا الاستلاب على العامة وحدهم؛ إذ يمتد، بدرجات متفاوتة، إلى بعض النخب الثقافية والفكرية التي تعيد إنتاج الخطاب السلطوي، إما بالتبرير المباشر، أو بالصمت، أو بتحويل النقد إلى ممارسة نظرية منفصلة عن أي مشروع للتغيير. وهكذا يصبح المثقف، في بعض الحالات، جزءا من المشكلة بدلا من أن يكون أحد أدوات تفكيكها.
أما المأزق الأعمق، فيتمثل في صعوبة بناء دولة مدنية حديثة في ظل استمرار ولاءات ما قبل الدولة، حين تتقدم الطائفة والعشيرة والجهة والمنطقة والعائلة على مفهوم المواطنة المتساوية. فالدولة الحديثة لا تستقيم حين يكون المواطن مواطنا بدرجات مختلفة، بحسب انتمائه الاجتماعي أو الجهوي أو المذهبي، ولا حين تتحول مؤسساتها إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمصالح.
ويزداد الأمر تعقيدا في الاقتصادات الريعية، حيث يصبح الوصول إلى السلطة طريقا للوصول إلى الموارد، وتتحول السياسة من صراع حول البرامج والسياسات العامة إلى صراع على توزيع الريع. وفي مثل هذه البيئات تضعف الطبقة الوسطى، التي يفترض أن تكون إحدى أهم الحوامل الاجتماعية للاستقرار والإصلاح والدولة المدنية، كلما اتسعت دائرة الفقر والفساد والزبائنية السياسية.
ولعل المؤسسة العسكرية تقدم مثالا صارخا على خطورة اختلال مفهوم الدولة؛ فالجيش، حين يفقد مهنيته ووظيفته الوطنية الجامعة، قد يتحول من مؤسسة لحماية الدولة إلى أداة لحماية النظام أو الجماعة أو العائلة أو الطائفة. وعندها تصبح العسكرة، بدلا من أن تكون عامل توحيد، إحدى أدوات تفكيك المجتمع وإعادة إنتاج الانقسام.
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب، في تقديرنا، تفكيكا متزامنا لثلاثة مستويات مترابطة:
أولا: تفكيك البنية الثقافية والسياسية، من خلال نقد سرديات الحكم بالغلبة، ومراجعة مفهوم الشرعية السياسية، وإعادة الاعتبار لفكرة أن السلطة وظيفة عامة وليست ملكية خاصة.
ثانيا: تفكيك البنية الاقتصادية الريعية، عبر الانتقال التدريجي إلى اقتصاد إنتاجي أكثر عدالة وتنوعا، بما يحد من قدرة السلطة على التحكم في المجتمع من خلال توزيع الموارد والمنافع.
ثالثا: تفكيك البنية السياسية التقليدية، وإعادة بناء المؤسسات على أساس المواطنة والعقد الاجتماعي وسيادة القانون، لا على أساس المحاصصة الطائفية أو الولاءات العائلية أو موازين القوة العسكرية.
غير أن هذه التحولات لا يمكن أن تكون مجرد قرارات فوقية تصدرها النخب؛ لأن الإصلاح الذي تمنحه السلطة طوعا يمكن أن تسترده متى تغيرت موازين القوة. أما التحول الحقيقي، فيبدأ حين تتغير الثقافة التي تمنح الاستبداد شرعيته، وحين يتحول المواطن من تابع ينتظر المنحة إلى صاحب حق يعرف واجباته ويطالب بحقوقه.
ولهذا فإن المعركة الأساسية ليست سياسية فحسب، وإنما هي معركة وعي. فالتحول الديمقراطي لا يبدأ بصندوق الاقتراع فقط، بل يبدأ من قدرة الإنسان على النظر إلى السلطة باعتبارها شأنا عاما، وإلى الحاكم باعتباره موظفا في الدولة، وإلى المواطن باعتباره شريكا في صناعة القرار، لا مجرد تابع ينتظر ما تجود به السلطة.
إن الجماهير الواعية بمصالحها لا يمكن أن تكون وقودا دائما للحروب، ولا مجرد أداة في صراعات النخب؛ بل تصبح، حين تمتلك وعيها النقدي، قوة اجتماعية قادرة على فرض قواعد جديدة للعبة السياسية.
ومن هنا، فإن المأساة العربية لا تكمن في استبداد النخب وحده، وإنما في تلك الحلقة المفرغة التي تجعل الاستبداد قادرا على إعادة إنتاج نفسه؛ سلطة تستبد، ومجتمع يتكيف، ونخب تبرر أو تصمت، ثم أجيال جديدة ترث الثقافة ذاتها.
ولذلك فإن تحرير السياسة من نخبوية السلطة يبدأ بتحرير الوعي من ثقافة التبعية، وبناء الإنسان الذي لا يرى في الحاكم أبا، ولا في الدولة غنيمة، ولا في المعارضة طريقا آخر للاستحواذ، وإنما يرى السياسة مجالا عاما للتنافس، والمساءلة، وتداول السلطة، وتحقيق المصالح المشتركة.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: هل يستطيع العقل العربي أن ينتج وعيا سياسيا جديدا يتجاوز ثنائية الخضوع والفوضى، ويؤسس لثقافة المواطنة والمؤسسة والدولة؟ أم أن ثقل الموروث السياسي سيظل أقوى من قدرة المجتمعات على إنتاج مستقبل مختلف؟