الأربعاء 12 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • مؤتمرات البحر الأحمر بين الماضي والحاضر والمستقبل (1)

مؤتمرات البحر الأحمر بين الماضي والحاضر والمستقبل (1)

على مر التاريخ، ظل بحر القلزم (البحر الأحمر حاليًا) بحرًا قامت على شواطئه حضارات كثيرة، وأبرزها حضارات اليمن القديم التي نشأت في مناطق متفرقة من جنوب شبه الجزيرة العربية، وامتد نفوذها إلى شواطئ البحر المتوسط. ومن تلك الحضارات حضارة مملكة سبأ، وممالك قتبان وأوسان وحضرموت ومعين، ومملكة ذو ريدان. وكتب التاريخ والمصادر التايخية الأجنبية لفترة ما قبل الميلاد وما بعد الميلاد، تؤكد أن البحر الأحمر كان شريانًا مائيًا مهمًا بالنسبة لتلك الحضارات والحضارات القديمة الأخرى التي ارتبطت بحضارات جنوب الجزيرة العربية تجاريًا وسياسيًا واقتصاديًا.

وقد قامت حضارات جنوب الجزيرة العربية في الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، وسيطرت على شواطئ البحر العربي والمحيط الهندي. وفي الجانب الغربي للبحر الأحمر، قامت حضارات بلاد وادي النيل القديمة الممتدة مساحتها من شواطئ البحر المتوسط وصولًا إلى شواطئ البحر العربي من جهة الصومال وجيبوتي، وهو ما يعني أن الضفتين المطلتين على البحر الأحمر من الجهتين كانتا في واجهة الصراع الدولي على مر التاريخ.
وعبر مياه هذا البحر، عبر المهاجرون الهاربون من اضطهاد قريش لهم في الأيام الأولى للدعوة الإسلامية، ووصلوا إلى عاصمة مملكة أكسوم في عهد نجاشي الحبشة، الذي قام بحماية المهاجرين المسلمين الأوائل من الاضطهاد الذي مارسه كفار قريش في مكة، وحال دون وقوعهم في قبضة من يريد القضاء عليهم وعلى دينهم الذي اعتنقوه.
وعبر موانئ البحر الأحمر، كانت رحلة العودة لأولئك المهاجرين الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وهم في حالة ضعف، وعادوا إلى مكة وهم في حالة القوة، وتوسعت دائرة الضوء التي كانت هجرتهم إلى الحبشة بسببها، ممن حاول إطفاء النور الذي ظهرت خيوط إشعاعه في مكة المكرمة.
وقد ظل البحر الأحمر لآلاف السنين بحيرة عربية إسلامية، إلى أن سيطر الإنجليز على وادي النيل الممتد من قناة السويس وصولًا إلى المحيط الهندي، وخضعت جزر البحر الأحمر للسيطرة الاستعمارية البريطانية حتى عام 1967م، وهو العام الذي استقل فيه جنوب اليمن عن بريطانيا.
ولم يكن البحر الأحمر قد تعرض لأطماع الإنجليز وحدهم، بل تعرض للأطماع الفرنسية التي احتلت جزءًا من الصومال الكبير، وهذا الجزء هو ما يعرف اليوم بجيبوتي، الذي ظل لفترة طويلة تحت الحماية الفرنسية، ومازالت القواعد الفرنسية رابضة في أراضيه إلى اليوم.
وكان في فترة واحدة ثلاثة مستعمرين مسيطرين على موانئ البحر الأحمر؛ فالاستعمار البريطاني يسيطر على موانئ البحر الأحمر التابعة للمملكة المصرية، التي كانت تحكم إلى جانب مصر السودان، وتأتمر بأمر المستعمر البريطاني، وكانت قناة السويس وبورسودان وموانئ الصومال البريطاني وكل جزر البحر الأحمر في قبضة الاستعمار البريطاني.
وفي العصر الحديث، وأثناء اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت جزر وموانئ البحر الأحمر عرضة لضربات المتحاربين.
وفي عهد الثورة المصرية، تحول البحر الأحمر وكثير من جزره ومدنه الساحلية إلى جزر ومدن محررة، وأصبحت جزر البحر الأحمر المقابلة لسواحل اليمن الشمالي تابعة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ومن تلك الجزر كمران وحنيش الصغرى وحنيش الكبرى والزبير وميون، وفي الطرف الآخر كانت قناة السويس على موعد مع إرجاعها للسيادة المصرية.
وفي عهد الثورة المصرية، سيطرت مصر على جزيرتي تيران وصنافير بعد أن كانت بيد المملكة العربية السعودية حينها، خشية أن تسيطر عليها إسرائيل المهددة للمصالح العربية.
وفي عهد الثورة في جنوب اليمن، تحول مضيق باب المندب إلى أداة لخنق إسرائيل في حرب أكتوبر 1973م، ومنعت السفن الإسرائيلية والأمريكية والدول المتحالفة معها من العبور من هذا المضيق. وكان ذلك القرار من العوامل التي أدت إلى تحقيق النصر في تلك الحرب.
وفي فترة رئاسة الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي، جرى تبني فكرة عقد قمة دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي، والتي شارك فيها اليمن الشمالي واليمن الجنوبية والصومال وإثيوبيا، وكانت تعز المدينة التي استضافت قمم ذلك المؤتمر. وكان الهدف من اجتماع رؤساء تلك الدول تأسيس قوة بحرية لحماية البحر الأحمر والقرن الإفريقي من السيطرة الإسرائيلية والتهديدات الصهيونية، إلا أن قمم البحر الأحمر والقرن الإفريقي تلك اختفت برحيل الرئيس اليمني الشمالي إبراهيم محمد الحمدي واغتياله. وكانت مؤتمرات البحر الأحمر من أسباب اغتيال الحمدي، وكذلك اغتيال الرئيس اليمني الجنوبي سالم ربيع علي، الذي اغتيل في فترات متقاربة مع اغتيال الرئيس الحمدي.
وكان العدو الصهيوني خلال تلك الفترة يبحث عن موطئ قدم في الأطراف الجنوبية للبحر الأحمر وفي القرن الإفريقي أيضًا، وهو ما جعل الرئيس الحمدي ومن معه من الرؤساء يتبنون فكرة قمة البحر الأحمر، خشية أن تتحول منطقة جنوب البحر الأحمر إلى منطقة صراع ومواجهات قد تؤدي إلى سيطرة إسرائيل ومن يدور في فلكها على جزر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وخوفًا من أن يتحول مضيق باب المندب إلى أداة ضاغطة على الدول المتحالفة مع إسرائيل، وأولها الولايات المتحدة الأمريكية، وخشية أن تقوم تلك الدول بإغلاق مضيق باب المندب في وجه السفن التجارية العملاقة الناقلة لنفط الخليج العربي عبر البحر الأحمر وقناة السويس إلى دول الغرب وأوروبا الغربية.
وكانت الدول الإمبريالية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ترى أن وجود قوة بحرية تابعة للدول المطلة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالح الدول الغربية التي تمر غالبية تجارتها النفطية عبر هذا البحر.
وكانت الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تخشى من اقتراب الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي الشرقي من خطوط التماس بين المعسكرين المتصارعين خلال تلك الفترة، وهي الفترة التي تسمى حينها فترة الحرب الباردة.
وقد كانت الدول الغربية تخشى وصول المعسكر الاشتراكي إلى المياه الدافئة جنوب البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي، لأن جميع الدول الحاضرة مؤتمر البحر الأحمر والقرن الإفريقي كانت على علاقة جيدة بالاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، وكثير من المحللين السياسيين في تلك الفترة اعتبروا أن مقتل الرئيس الحمدي نتيجة مؤتمرات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، على الرغم من أهداف تلك القمم المعلنة حينها، والتي من ضمنها عدم الانحياز لأي طرف دولي أو أية قوة من القوى الدولية المتصارعة في ذلك الوقت.
وقد بدأ التفكير لدى المملكة العربية السعودية مؤخرًا بتأسيس مؤتمر دولي لحماية السفن التجارية وحاملات النفط العملاقة في البحر الأحمر، وحماية مضيق باب المندب من أي جهة تحاول إغلاقه. وقبل حوالي أسبوع، عقد مؤتمر مكة المكرمة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان والجمهورية التركية. وقد جاء في حيثيات أوراق هذا المؤتمر أن الهدف من انعقاد هذا المؤتمر هو حماية هذه الدول من أي اعتداء يتهدد مصالحها، ودعا المؤتمر إلى تشكيل قوة مشتركة لحماية مصالح البلدان الثلاث، والقيام بتحالفات استراتيجية في مجال التصنيع العسكري وفي المجال الدفاعي، وغيرها من الأمور التي تهدف إلى حماية أمن هذه البلدان، وأولها المملكة العربية السعودية التي تتعرض لتهديدات إيرانية مستمرة خلال الفترة الماضية، ومازالت الهجمات مستمرة إلى اليوم، مستهدفة بنيتها التحتية، وفي مقدمتها المطارات وحقول النفط والمصافي.
وأظهرت هذه الهجمات مدى ضعف الأنظمة الدفاعية لدول الخليج العربية وهشاشة سياساتها في المجال العسكري، رغم أن دول الخليج من أكثر دول العالم شراءً للأسلحة الغربية المتطورة، وأكثرها شراءً للطائرات الحربية الأمريكية والفرنسية والبريطانية. ومع هذا، لم تقدم هذه الأسلحة ولم تؤخر، ولم تضع حدًا للهجمات الإيرانية المتكررة على مدار شهرين متتاليين من الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي جعلت من المصالح الخليجية المدنية هدفًا لها؛ لأن دول الخليج تستضيف أراضيها قواعد أمريكية.
وفي الفترة الأخيرة، كثفت المليشيات الحوثية في اليمن هجماتها بالمسيرات والصواريخ البالستية على مدن المملكة العربية السعودية، وتناغمت هذه الهجمات مع هجمات الطيران الأمريكي على الأراضي الإيرانية. وفي الوقت ذاته، إشارة واضحة من إيران لدول الخليج أن أذرعها، أن أذرعها القوية في المنطقة العربية لا زالت قوية وموجودة، وبإمكانها عبر أذرعها أن تصل هجماتها إلى أبعد مسافة تريد الوصول إليها.
وقد أظهرت الحرب الإيرانية الأمريكية الأخيرة أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الولايات المتحدة الأمريكية من تلك الحرب ابتزاز دول الخليج العربي وتحويل إيران إلى بعبع مخيف، وبالمقابل تقدم الولايات المتحدة الأمريكية لهذه الدول على أنها المخلص لها من إيران، وأنها من سيقوم بحماية هذه الدول.
وأظهرت الوقائع والأحداث أن المملكة العربية السعودية في طريقها إلى التخلي عن حكومة الشرعية في اليمن تدريجيًا، وقد بدى ذلك جليًا من خلال عدم الرد بقوة على المناطق التي يطلق منها الحوثي مسيراته وصواريخه التي استهدفت معسكرات الجيش اليمني في أكثر من محافظة. وجاءت خطوة السعودية باتجاه تأسيس حلف دفاعي إسلامي لتؤكد أن المملكة مواقفها متذبذبة مع حلفائها في اليمن، وهي التي تدخلت لحمايتهم قبل عشر سنوات، وإلى الآن لم تقم بإخراجهم وإخراج هذا البلد إلى مسار آمن.
وليت هذا الأمر وقف عند هذا الحد، بل وصل الأمر أن تعرضت مصالحها داخل المملكة لخطر مليشيات الحوثي. فهل السعودية، بتحالفها مع تركيا وباكستان، ستضع حدًا للهجمات الإيرانية وهجمات ذراعها في اليمن على مصالحها، أم أن هذا التحالف سيكون تحالفًا هشًا لا يسمن ولا يغني من جوع؟