هل الانتهاكات الجسيمة في اليمن أخطاء الأجهزة العسكرية أم ثقافة الأحزاب؟
شهد اليمن خلال السنوات الماضية سلسلة طويلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني، تنوعت بين الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، وقمع الحريات، ومصادرة الممتلكات، وصولًا إلى استهداف المدنيين.
وغالباً ما ينظر إلى هذه الجرائم باعتبارها تصرفات فردية للتشكيلات العسكرية أو اعتداءات صادرة عن قيادات ميدانية وميليشياوية. لكن القراءة الدقيقة لتاريخ وتكوين الأحزاب والسلطات في اليمن تؤكد أن كل انتهاك يمارسه الجيش أو الأمن أو الميليشيا إنما هو انعكاس مباشر لثقافة الحزب والمكون السياسي المسيطر على الحكم. وكما يقول عالم الاجتماع السياسي الفرنسي موريس دوفرجه: "إن الدول لا تحكمها الجيوش وحدها ولا الاقتصاد وحده، بل يقف خلف كل بندقية أو تشكيل عسكري حزب سياسي أو مجموعة من الأحزاب".
على أي حال، فإن العنف لا يبدأ لحظة إطلاق النار، بل يبدأ عندما يقرر الحزب السياسي شرعنة هذا السلوك، وتبريره عبر وسائله الإعلامية، وتوفير الحماية القانونية والسياسية لمرتكبيه. إن الأحزاب الحاكمة أو النافذة هي التي تدير أجهزة الدولة وأذرعها المسلحة، وتتحمل بالتالي المسؤولية الأخلاقية والسياسية والمباشرة عن كل انتهاك يرتكب تحت مظلتها. وليس بوسع أحد أن ينكر أن جميع التشكيلات العسكرية والميليشياوية التي تتوزع على طول البلاد وعرضها خرجت من رحِم الأحزاب، وحملت معها الخلفية والثقافة الإقصائية لهذه الأحزاب.
بناءً على ذلك، فإن قصر المساءلة القانونية والحقوقية في اليمن على القادة الميدانيين أو أمراء الحرب العسكريين يعد تفكيكاً مجزوءاً للظاهرة وإفلاتاً متعمداً للجناة الحقيقيين. إن العدالة الناجزة والانتقال الحقيقي نحو السلام واحترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان يستوجبان عدم الوقوف عند البندقية أو واقعة الانتهاك، بل الوصول إلى اليد التي تحركها، حيث ينبغي أن تطال يد القانون قيادات الأحزاب والمكونات السياسية التي تمتلك سلطة التوجيه والقرار السياسي والعسكري. فالقوى السياسية التي تتصدر المشهد وتستأثر بالسلاح والثروة والمال والإعلام والمناصب تتحمل المسؤولية المباشرة عن الجرائم التي ترتكبها التشكيلات المسلحة التابعة لها أو الخاضعة لنفوذها.
لذا، لا يمكن قبول منطق الأحزاب التي تتغطى بالعمل السياسي والديمقراطي بينما تحرك أذرعها العسكرية والأمنية في الداخل للفتك بالمدنيين والتنكيل بمخالفيها.
لقد سبق وأن حذر موريس دوفرجه في كتابه "الأحزاب السياسية" من تحول الأحزاب إلى أدوات للهيمنة بدلاً من التمثيل الشعبي. واليوم، يقدم الواقع اليمني الدرس الأكثر قسوة لهذا التحول، حين تتحول الأحزاب من واجهات للمشاركة الشعبية إلى غرف عمليات لإدارة الميليشيات والجيوش، والسيطرة على مقدرات الناس ومصادرة حرياتهم.
إن كسر حلقة العنف والانتهاكات في اليمن لن يتحقق بمجرد نزع السلاح من أيدي الميليشيات، بل بمساءلة ومحاكمة النخب والأحزاب السياسية التي زرعت ثقافة الإلغاء، واستخدمت السلاح لحماية مصالحها الضيقة على حساب حقوق الإنسان وكرامة المواطن اليمني.



