الأربعاء 12 أغسطس 2026

هل يظلم الوطن أبناءه؟

كلما تعلقنا بوطننا أكثر، وجدناه يقذف بنا إلى خارجه. وكلما أخلصنا له أكثر، وجدنا أنفسنا في السجون أو في المنافي أو في ساحات القتال، نقتل بعضنا بعضاً باسم الوطن، وندافع عنه من بعضنا، ثم نكتشف بعد سنوات أن الوطن الذي قاتلنا من أجله لم يكن بحاجة إلى كل هذا الدم.

ماذا فعلنا بوطننا، وماذا فعل بنا؟
منذ أن عرفنا السياسة، ونحن نبحث عن وطن آمن نستطيع أن نعيش فيه بسلام. كلما ظننا أننا اقتربنا من ذلك الحلم، جاءت حرب لتعيدنا إلى نقطة الصفر. سنوات قليلة من الاستقرار تكفي لكي نصدق أن الكابوس انتهى، ثم فجأة تشتعل الحرب، وتنهار البيوت، وتتفرق العائلات، ويخرج من كان بالأمس مواطناً آمناً ليصبح لاجئاً أو مشرداً أو سجيناً.
والمفارقة الأكثر ألماً أن كثيراً منا لم يخسر وطنه لأنه خانه، وإنما لأنه أحبه بطريقته.
هناك من حمل السلاح دفاعاً عن وطنه، وهناك من حمله دفاعاً عن فكرته في الوطن، وهناك من ذهب إلى السجن لأنه قال إن الوطن يجب أن يكون أعدل، وهناك من خرج إلى المنفى لأنه رفض أن يرى وطنه يتحول إلى غنيمة تتقاسمها الجماعات.
فمن الظالم هنا؟
هل نحن الذين أخطأنا في فهم الوطن، فتحول اختلافنا حوله إلى عداوة، وتحولت السياسة عندنا إلى ثأر، وتحولت الخلافات إلى حروب؟
أم أن الوطن هو الذي ظلم أبناءه، لأنه لم يستطع أن يمنحهم دولة تحميهم من بعضهم بعضاً؟
أم أن هناك دائماً من يقف بين الإنسان ووطنه، ويزرع الفتنة حين يقترب الناس من بعضهم، ويستثمر خلافاتهم، ويحوّل الوطن إلى ساحة لصراع الآخرين؟
ربما يكون الظلم في الحقيقة أكبر من أن نحمله لطرف واحد.
لقد ظلمنا الوطن حين اختزلناه في حزب أو منطقة أو قبيلة أو جماعة أو زعيم. وظلمناه حين أصبح كل طرف يرى نفسه وحده صاحب الحق في تمثيله، ويرى المختلف معه عدواً للوطن.
وظلمنا أنفسنا حين صدقنا أن قتل بعضنا يمكن أن يبني وطناً.
لكن الوطن نفسه لم يكن بريئاً من كل ما حدث. فالوطن الذي لا تتحول فيه المواطنة إلى حماية وحقوق وعدالة، يصبح اسماً جميلاً تتنازعه القوى، بينما يظل أبناؤه يدفعون الثمن.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أكره وطني.
ربما هذه هي المأساة الكبرى.
بعد كل ما حدث، وبعد المنافي والسجون والحروب والخذلان، ما زلنا نحبه.
نغادره ونحمله معنا.
نبعد عنه ونبحث عنه في الذاكرة.
نعيش سنوات في الغربة، ثم تكفي رائحة شارع قديم أو صورة لمدينة عشنا فيها حتى يعود الوطن كله دفعة واحدة إلى القلب.
كأن الوطن ليس الأرض وحدها، وإنما العمر الذي عشنا عليه، والوجوه التي أحببناها، والأحلام التي لم تكتمل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يظلم الوطن أبناءه؟
السؤال الأصعب هو: لماذا عجزنا حتى الآن عن بناء وطن لا يضطر أبناءه إلى الاختيار بين حب الوطن وحماية أنفسهم منه؟
وطن لا يسجن أبناءه لأنهم اختلفوا.
ولا ينفيهم لأنهم أحبوه بطريقة أخرى.
ولا يجعلهم يقتلون بعضهم كي يثبت كل طرف أنه الأكثر وطنية.
لقد تعبنا من الأوطان التي لا نلتقي بها إلا في الحروب.
نريد وطناً نلتقي فيه في الحياة.
نريد وطناً لا يحتاج الإنسان إلى الموت من أجله كي يثبت أنه يحبه.
وربما يكون هذا هو الحب الأخير الذي نستطيع أن نقدمه لوطننا: أن نتوقف عن قتل بعضنا باسمه، وأن نختلف دون أن نتعادى، وأن نبحث عن وطن يتسع لنا جميعاً.
فالوطن الذي لا يتسع لأبنائه جميعاً، يتحول من بيت إلى متراس.
وأنا لا أريد أن أموت في متراس اسمه الوطن.
أريد أن أعيش في وطن.