صورتي على المرآة... حين تبدأ نهضة المجتمع من مراجعة الذات
وقفتُ ذات يوم أمام المرآة أتأمل تلك الظاهرة البسيطة والعجيبة في آنٍ واحد: صورتي أمامي، لكنها معكوسة بين اليمين واليسار. قادتني الفكرة في البداية إلى ما تعلمناه عن الضوء والانعكاس وقوانين الفيزياء، لكن شيئًا آخر استوقفني. فالمرآة لا تخبرني فقط كيف يبدو وجهي، بل تكشف لي أيضًا ما فعلته السنوات به: خصلات تغير لونها، خطوط صغيرة لم تكن موجودة، وتعب ربما تراكم بصمت في الملامح.
عندها فكرت: ما أروع أن تكون للإنسان مرآة أخرى، لا تعكس وجهه، بل تعكس سلوكه.
مرآة يرى فيها الكلمات التي قالها، والمواقف التي اتخذها، والفرص التي أحسن استغلالها، وتلك التي أضاعها. يرى فيها أثره في زوجته وأبنائه ووالديه وإخوته وجيرانه وزملائه. مرآة لا هدف لها جلد الذات أو البحث عن الأخطاء، وإنما مساعدتنا على أن نصبح غدًا أفضل مما كنا عليه اليوم.
وربما نحن في اليمن أحوج ما نكون إلى مثل هذه المرآة.
لقد مرّ مجتمعنا خلال السنوات الماضية بظروف قاسية تركت آثارها في البيوت كما تركتها في الشوارع والمؤسسات. ضغوط اقتصادية، ونزاعات، ونزوح، وانقسامات اجتماعية وسياسية، وقلق مستمر بشأن المستقبل. وفي مثل هذه الظروف يصبح من السهل أن نحمّل الآخرين مسؤولية كل شيء؛ الأطراف تلوم بعضها، والمجتمع يلوم الظروف، ورب الأسرة يلوم ضيق المعيشة، والأبناء يلومون الآباء.
لكن السؤال الأصعب دائمًا هو: ماذا عني أنا؟
ماذا أستطيع أن أغير في الدائرة التي تقع تحت مسؤوليتي؟
قد لا يستطيع الإنسان أن يوقف حربًا أو يصلح اقتصادًا بمفرده، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يتحدث داخل بيته. يستطيع أن يختار بين كلمة تجرح وكلمة تجمع، وبين غضب ينفجر في وجه أبنائه وحوار يساعدهم على الفهم. يستطيع أن يسأل نفسه قبل النوم: هل كنت اليوم مصدر طمأنينة لعائلتي أم مصدرًا إضافيًا للتوتر؟
وهنا تصبح الأسرة أول مرآة حقيقية للإنسان.
فالأسرة ليست مجرد أشخاص تجمعهم صلة الدم أو سقف واحد، وإنما المدرسة الأولى التي نتعلم فيها معنى الاحترام والمسؤولية والتعاون. وإذا اعتاد الطفل أن يرى والديه يتحاوران باحترام، ويتشاوران في القرارات، ويعترف أحدهما بخطئه عندما يخطئ، فإنه يتعلم أن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن القوة لا تعني فرض الرأي.
أما حين يصبح الصراخ والإهانة والسخرية أدوات يومية للتعامل، فإننا لا نصنع مشكلة أسرية فقط، بل نزرع بذور مشكلة مجتمعية مستقبلية.
فالمجتمع، في نهاية الأمر، ليس كيانًا منفصلًا عن بيوتنا. فهو مجموعة من الأسر، وما نتعلمه داخل البيت نحمله معنا إلى المدرسة والسوق والمجتمع الأوسع. الإنسان الذي يتعلم احترام الآخر في أسرته سيكون أقدر على احترام المختلف عنه في المجتمع، سواء اختلف معه في المنطقة أو القبيلة أو المذهب أو الدين أو الرأي السياسي.
ومن هنا يمكن أن تتحول مراجعة الذات إلى ممارسة اجتماعية مهمة.
خمس أو عشر دقائق كل مساء قد تبدو مدة قصيرة، لكنها قد تصنع فارقًا كبيرًا إذا أصبحت عادة. يمكن للإنسان أن يسأل نفسه ثلاثة أسئلة: ما الخير الذي فعلته اليوم؟ أين أخطأت؟ وما الأمر الصغير الذي أستطيع تحسينه غدًا؟
وليس مطلوبًا أن تكون الإجابات عظيمة. ربما كان الإنجاز أنني استمعت إلى ابني بدل أن أوبخه. وربما كان الخطأ أنني تحدثت بقسوة مع زوجتي بسبب ضغط لا علاقة لها به. وربما يكون قرار الغد أن أزور قريبًا انقطعت عنه، أو أساعد جارًا، أو أتوقف عن نشر خبر يثير الكراهية قبل التأكد منه.
هذه الأعمال الصغيرة هي التي تبني، مع الزمن، ثقافة مختلفة.
كما تحتاج الأسرة نفسها إلى لحظات تقف فيها أمام مرآتها. يمكن أن يجتمع أفرادها من حين إلى آخر، بعيدًا عن أسلوب المحاكمة وتبادل الاتهامات، ويسألوا: ماذا يسير بصورة جيدة في بيتنا؟ ما الذي يزعجنا؟ وكيف نتعاون على تحسين حياتنا؟
ثقافة التشاور داخل الأسرة ليست ترفًا. إنها تدريب يومي على المواطنة والتعايش. عندما يشعر كل فرد بأن صوته مسموع، يتعلم احترام أصوات الآخرين أيضًا.
ونحن في اليمن نحتاج إلى استعادة فكرة بسيطة ربما أرهقتنا الصراعات حتى نسيناها: أن قوة المجتمع لا تأتي من انتصار فئة على أخرى، وإنما من قدرة الناس على العمل معًا رغم اختلافاتهم.
لا أحد يستطيع أن يعيش وحده، ولا قرية تستطيع الاستغناء عن جيرانها، ولا مجتمع يستطيع أن يبني مستقبله إذا ظل أفراده ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم خصومًا دائمين. إن كرامة الإنسان لا تنقص عندما يحترم غيره، بل تزداد. وخدمة الآخرين لا تجعل الإنسان أضعف، بل تمنحه معنى أعمق لوجوده.
المرآة التي نحتاج إليها إذن ليست معلقة على جدار.
إنها لحظة صدق نمارسها مع أنفسنا باستمرار، فنرى عيوبنا من غير يأس، ونرى فضائلنا من غير غرور، ثم نحاول أن نتحسن قليلًا كل يوم.
وربما تبدأ نهضة اليمن من مكان لا يخطر لنا كثيرًا على البال: من إنسان يراجع نفسه، ومن أسرة تتعلم الحوار، ومن جار يمد يده لجاره، ومن مجتمع يدرك أخيرًا أن إصلاح الوطن ليس مسؤولية الآخرين وحدهم.
فالوطن الكبير، مثل المرآة، ليس إلا انعكاسًا لصورنا الصغيرة.



