اللواء إسماعيل الموشكي... وصية الوداع

بقلوبٍ أنهكها الحزن، وتخنقها مرارة الفقد، تلقينا نبأ رحيل المناضل اللواء إسماعيل الموشكي... خبرًا لم نكن ننتظره، ولا نريد أن نصدقه.
ترجّل الفارس عن جواده... ورحل.
رحل إسماعيل، لكن صوته لم يرحل، وقضيته لم تمت، وحبه لليمن سيبقى شاهدًا على رجلٍ عاش يحمل وطنه في قلبه حتى آخر لحظة.
في القاهرة، كان يجوبها عرضا وطولا عبر تلفونه جاب العالم ، يبحث عن شرفاء اليمن، وينادي من أجل وطنٍ يستعيد دولته، وشعبٍ يستعيد حقه في الحياة والكرامة والسلام.
لم تفتح له كل الأبواب، ولم تسمع له كل الآذان، وعانى من الجفاء والتجاهل، لكنه لم ينكسر.
كان كلما أُغلق باب... فتح في قلبه طريقًا جديدًا نحو اليمن.
التقيته في القاهرة، ورأيت في عينيه دموع القهر، وعلى وجهه حزن وطنٍ أنهكته الحرب.
تحدثنا طويلًا، وكان خوفه على اليمن أكبر من خوفه على نفسه.
بالأمس القريب كان آخر تواصل بيننا.
كتب لي مشيدًا بما نشرته: «لماذا يخافون من الوطن... بينما الخوف عليه؟»
وقال:
«لا أخفيك أستاذ خالد... إنني خائف على اليمن، وما كتبته يجب أن نواصل السير فيه، لنوجد أقرب طريق للحل والسلام.»
لم أكن أعلم أنني أسمع وصية الوداع.
لم أكن أعلم أن صوته الذي جاءني عبر الهاتف سيكون آخر صوت أسمعه منه، وأن الرجل الذي كان يخاف على اليمن سيرحل فجأة، ويتركنا نحن نحمل الخوف نفسه.
يا إسماعيل... أي وجعٍ هذا الذي تركته وراءك؟
رحلت قبل أن ترى اليمن التي حلمت بها، لكنك تركت لنا حلمًا لا يحق لنا أن نخذله.
لا أدري اليوم: أأنعيك أنت، أم أنعي اليمن التي خسرت برحيلك صوتًا صادقًا، ومناضلًا جسورًا، ورجلًا لم يساوم على وطنه؟
رحلت يا إسماعيل...
غاب جسدك، وبقي صوتك.
توقّف قلبك، وبقيت قضيتك.
انتهى حضورك، ولم تنتهِ رسالتك.
سنواصل الطريق الذي آمنت به، وسنظل نبحث عن الطريق الأقرب إلى السلام الذي كنت تتمناه.
نم قرير العين يا صديقي...
لقد رحلت عن الدنيا، لكنك لن ترحل من قلوبنا، ولن ترحل من ذاكرة اليمن.
رحم الله روحك الطاهرة، وغفر لك، وأسكنك فسيح جناته، وألهم أهلك ومحبيك ورفاق دربك الصبر والسلوان.
ولليمن التي أحببتها حتى الرحيل:
المجد والسلام والخلود.
وإنا لله وإنا إليه راجعون
...



