الثلاثاء 25 أغسطس 2026

الكهرباء.. دولة على قيد الانطفاء

• الكهرباء في اليمن لم تعد مجرد خدمة عامة.. بل أصبحت شخصية اجتماعية نافذة، أشبه بمسؤول حكومي في الشرعية يسكن خارج اليمن، لا يزور شعبه إلا في المناسبات النادرة.. يظهر فجأة محمّلًا بالوعود والتطمينات وأحجار الأساس، ويختفي بسرعة بعد التقاط الصور والابتسامات.. ساعة أو ساعتين.. تومض فيه اللمبات كإعلان رسمي يشعرك للحظة أن الدولة ما زالت على قيد الحياة.. ثم تنطفئ، فتدرك أن الدولة كانت مجرد شبح ليس أكثر.

• لو كانت هناك جائزة عالمية لمعاناة الشعوب مع الكهرباء لحصل اليمنيون عليها بجدارة.. هذا إذا لم تنقطع الكهرباء أثناء حفل التكريم أيضًا.. فلا أعتقد أن هناك شعبًا ينافسنا في بطولة أسرع انطفاء كهربائي في العالم.. فكهرباؤنا تأتي لحظة كطبيب العناية المركزة يطمئن المريض، ومن ثم يعيده لموته السريري باهظ التكاليف.
• في المدن الساحلية خصوصًا.. تشعر أن الكهرباء والحكومة تتواطآن مع الشمس في مؤامرة ضد الناس.. فبينما تشوي الشمس الأجساد، تُغمض مولدات الكهرباء والحكومة عينيهما.. وتجد الناس في عقوبة جماعية طويلة الأمد.. الشمس فوق الرؤوس.. والرطوبة في الأنفاس، والكهرباء في إجازة مفتوحة، بينما المواطن يذوب تدريجيًا.. حتى الليل يأبى أن يرحم الناس بنسمة "برد" ولو ناموا في العراء وعلى أسقف المنازل.
• أعظم اختراع سياسي عرفته اليمن كل صيف هو "الحلول الإسعافية للكهرباء".. يخرج مسؤول ليبشر الأجساد المشوية بحل إسعافي عاجل.. وحل طارئ استثنائي، ومعالجة مؤقتة، وخطة عاجلة ووعود بوصول بواخر الوقود.. وتُشكّل لجان المتابعة.. وتُعقد الاجتماعات وتمطر التصريحات.. وتُلتقط الصور التذكارية.. ثم يحدث الإنجاز المعتاد.. تزيد حالات إطفاء الكهرباء. .. وخلف كل هذا الضجيج الإسعافي، بالتأميد تتستئلون مثلي .. أين تذهب كل هذه الأموال التي تُصرف باسم الحل؟
• الكهرباء في اليمن تعاني من حساسية مزمنة تجاه البقاء مع الناس.. تأتي لتطمئن عليهم قليلًا ثم تغادر مسرعة، تاركة خلفها الحر والعرق والإجهاد والمرضى والوعود أيضًا.. ولا أحد يعرف كيف تُصرف وتُهدر المليارات في هذا القطاع السحري منذ سنوات دون أن ينعكس ذلك على حياة الناس.. فكلما ازداد الإنفاق تراجعت الخدمة أكثر.. حتى الحلول المؤقتة تبتلع المليارات كثقب أسود.. فقطاع الكهرباء ربما يكون الوحيد في العالم الذي يبتلع الأموال ويصدر الظلام والحر.
• الحديث عن الفساد الذي يحصل في قطاع الكهرباء ليس سرًا على الجميع، فالفساد نفسه يشعر بالراحة التامة في هذا القطاع.. لا أحد يزعجه.. ولا يقطع عنه التيار.. بينما المواطن وحده يدفع الفاتورة مرتين.. مرة من جيبه ومرة من صحته وأعصابه.. الناس لا يطلبون معجزة نووية ولا محطة فضائية.. بل يريدون فقط أن يناموا ليلة كاملة دون أن يستيقظوا وهم يسبحون في عرقهم وتعبهم.
• لكن الفشل، كما تعلّمنا في هذا البلد، لا يبقى فشلًا لوقت طويل.. فسرعان ما يجد من يحوّله إلى تجارة رابحة.. فكلما فشلت الدولة في إضاءة بيت، أضاء تاجر مولده.. وكلما انطفأت محطة حكومية، اشتعلت مولدات الكهرباء التجارية.. وكأن فشل الدولة لم يكن أزمة عند بعض التجار، بل كان فرصة ذهبية لا تتكرر.. فالكهرباء الحكومية تنطفئ، والكهرباء التجارية تزدهر.. الأولى تتراجع خدمةً، والثانية تتقدم سعرًا.. حتى أصبح انقطاع الكهرباء من أهم مصادر الدخل في زمن الحرب والفوضى.. وكل ساعة ظلام في عداد الدولة تتحول إلى ساعة ربح في عداد التاجر.
• أما الكهرباء التجارية فقد نجحت في شيء واحد فقط.. الدخول مباشرة إلى جيوب الناس دون مقدمات.. يأتي تاجر بمولد كبير ويمد أسلاكًا فوق أسلاك الدولة الصامتة.. ويبيع لك الكيلوواط بسعر ينافس سعر غرام الذهب.. تحولت الكهرباء التجارية من حل مؤقت إلى سلطة موازية.. من خدمة إسعافية إلى نمط حياة دائم.. حتى بات المواطن يشتري حقه في الضوء كما يشتري الماء والخبز.. بينما الدولة تراقب المشهد كتاجر لئيم يخفي علاقته الغرامية السرية مع هوامير الكهرباء التجارية والمحطات الإسعافية.. ليصبح الضوء سلعة حصرية للأغنياء فقط.. أما الفقراء فالظلام رفيقهم الدائم.
• وحين تجلس مساءً في بيت بلا ضوء، تكتشف أن الأشياء التي تنطفئ فينا أكثر بكثير مما ننتبه له.. أمرٌ مؤسف أنّ الضوء وحده لا ينطفئ فهناك أشياء كثيرة بين جوانحنا تنطفئ.. صبرٌ يتآكل، وقلوبٌ أنهكها الانتظار، سنوات طويلة مرت والكهرباء تأتي كضيفٍ عابر، بينما يبقى الحر والفقر والتعب مقيمين معنا..

والخلاصة أنّ اليمنيين يريدون فقط ضوءًا صغيرًا في بيوتهم، وليلًا هادئًا، وحياة تشبه حياة البشر.