عندما تعاقب السلطة الطالبَ على جريمة لم يرتكبها
إذا كان التعميم المتداول بشأن الطلاب صحيحًا، فنحن أمام قرار لا يعاقب الحوثيين، ولا يغيّر موازين القوة، ولا يستعيد دولة، بل يفعل شيئًا واحدًا واضحًا: يضع الطالب اليمني في قفص العقوبة لأنه وُلد أو يعيش في منطقة تسيطر عليها سلطة أمر واقع.

وهنا يصبح السؤال البسيط أكثر إيلامًا من كل البيانات الرسمية: ما ذنب الطالب؟
هل اختار الطالب أن يعيش في صنعاء؟ هل اختار أن يولد في مناطق خارج سيطرة الحكومة؟ وهل يستطيع طالب في المرحلة الثانوية أو الجامعية أن يحمل بندقية ويغيّر خارطة السيطرة حتى يستحق التعليم؟
المشكلة أن بعض صانعي القرار يتعاملون مع اليمن وكأن المواطن يحمل جهاز تحكم عن بُعد: إذا لم تعجبه السلطة القائمة، يضغط زرًا فتتغير الحكومة، ثم يذهب إلى المدرسة صباحًا.
يا جماعة، هذا طالب وليس عضوًا في مجلس القيادة!
حين يتحول التعليم إلى ساحة عقاب
التعليم في البلدان التي تحترم مستقبلها يُعامل باعتباره مساحة محايدة، حتى في أشد النزاعات قسوة. أما عندما يصبح التعليم أداة لمعاقبة السكان، فإن السلطة لا تعاقب خصومها السياسيين بقدر ما تعاقب المجتمع نفسه.
الطالب الذي ينتظر شهادة أو فرصة جامعية لا علاقة له بمفاوضات الرياض، ولا باجتماعات الفنادق، ولا بالبيانات التي تُصدر من عواصم مختلفة.
هو يريد فقط أن يدرس.
والأسرة التي أنفقت سنوات من عمرها ومالها على تعليم أبنائها لا تحتاج إلى قرار جديد يضيف عبئًا إلى أعبائها.
اليمني اليوم يعيش بين ارتفاع الأسعار وانهيار العملة وتراجع الخدمات وانقسام المؤسسات، ثم تأتيه السلطة لتقول له، بطريقة بيروقراطية شديدة الأناقة: لدينا مشكلة سياسية، ولذلك سندع ابنك يدفع الفاتورة.
يا لها من معادلة عبقرية!
شرعية تبحث عن الدولة في الورق
المفارقة الكبرى أن السلطة التي تتحدث باستمرار عن استعادة الدولة يفترض أن تكون الأكثر حرصًا على الحفاظ على مؤسساتها، وفي مقدمتها التعليم.
فالدولة لا تُستعاد بحرمان جيل من مستقبله، ولا بإغلاق الأبواب أمام الطلاب، ولا بتحويل الشهادة الدراسية إلى سلاح سياسي.
استعادة الدولة تبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة موجودة لخدمته، لا لمعاقبته.
أما أن تكون الدولة حاضرة في البيانات وغائبة عن المدرسة والمستشفى والراتب والكهرباء والخدمات، فهذه ليست استعادة دولة؛ هذه استعادة للبيانات.
وإذا كانت سلطة الفنادق عاجزة عن الوصول إلى المواطن، فعلى الأقل لا تجعل المواطن يدفع ثمن عجزها.
من يدفع الثمن؟
في النهاية لن يدفع الحوثي ثمن هذا القرار كما يتخيل البعض.
الذي سيدفع الثمن هو الطالب.
ووالده الذي يكافح لتوفير رسوم الدراسة.
والأم التي تخشى أن يضيع مستقبل ابنها.
والأسرة التي ترى في التعليم آخر نافذة يمكن أن يخرج منها أبناؤها من اقتصاد الحرب.
أما القوى السياسية المتصارعة، فستبقى قادرة على إصدار البيانات وعقد الاجتماعات وتبادل الاتهامات.
وهكذا يصبح اليمن البلد الوحيد الذي يستطيع فيه السياسي أن يتشاجر على الدولة، بينما يدفع الطالب ثمن الشجار.
من فشل إلى فشل
لقد عانى اليمنيون سنوات طويلة من الانقسام والحرب والانهيار الاقتصادي. والجنوب نفسه دفع أثمانًا ثقيلة من سوء الإدارة والصراعات السياسية والاقتصادية.
واليوم، بدل أن تكون الأولوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد النظام التعليمي، وحماية الطلاب من آثار الصراع، نجد أنفسنا أمام قرارات قد توسع دائرة العقاب لتشمل جيلًا كاملًا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
الدولة التي تفشل في حماية حاضر مواطنيها لا ينبغي أن تفشل أيضًا في حماية مستقبل أطفالهم.
فالسياسي يستطيع أن يخسر منصبه ثم يعود إلى السياسة.
أما الطالب الذي يخسر سنوات من تعليمه، فقد يخسر فرصة عمر كاملة.
لا تجعلوا الطالب رهينة السياسة
إذا كان هناك خلاف سياسي مع سلطة الأمر الواقع، فليكن الصراع سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وفق القانون، لكن لا تجعلوا التعليم رهينة.
افصلوا الطالب عن الصراع.
افصلوا الشهادة عن السياسة.
افصلوا مستقبل الجيل الجديد عن الحسابات التي لم يصنعها هذا الجيل أصلًا.
فاليمن لا يحتاج إلى جيل آخر من المحرومين والغاضبين واليائسين.
اليمن يحتاج إلى أطباء ومهندسين ومدرسين وباحثين واقتصاديين وقضاة وصحفيين.
يحتاج إلى جيل يستطيع إعادة بناء ما هدمته الحرب.
أما إذا استمر التعامل مع الطلاب باعتبارهم امتدادًا للسلطات المتصارعة، فسنكتشف بعد سنوات أن المعركة لم تعد على صنعاء أو عدن، بل على مستقبل اليمن نفسه.
وهنا ستكون الكارثة أكبر من كل البيانات.
لا تعاقبوا الطالب لأنكم عجزتم عن استعادة الدولة.
لا تجعلوا فشل السياسة امتحانًا لمستقبل الطلاب.
فالطالب ليس طرفًا في الحرب… لكنه قد يكون الضحية الأكبر لها.



