إسر--ائيل: حاملة الطائرات التي لا تغرق.. لماذا 38 مليار دولار ثمن رخيص لأمريكا؟
تعد إسر--ائيل منذ تأسيسها في 15 مايو 1948م قاعدة عسكرية متقدمة للقوى الغربية مجتمعة في الخاصرة العربية، وهذه القاعدة لم يكن إنشاؤها وليد الصدفة بل جاء بعناية فائقة الدقة والاختيار.
وبعيداً عن الأمنيات اليهودية في أرض الميعاد المزعومة، فإن الأطماع الغربية بدأت منذ نجاح الوالي محمد علي باشا في السيطرة على مصر والجزيرة العربية وبلاد الشام، حينها اقترح وزير الخارجية البريطاني "بالمرستون" عام 1835م على الحكومة البريطانية ضرورة وضع خطط مناسبة لزرع كيان سياسي مختلف في منطقة فلسطين ليكون حاجزاً بين عرب آسيا وعرب إفريقيا لمنع أي وحدة وتكامل مستقبلي، كما هو حال القوة المصرية بقيادة محمد علي باشا الذي بنى إمبراطورية واسعة بفضل الوحدة بين مصر وبلاد الشام التي كادت أن تسقط الدولة العثمانية التي خاض معها معارك حاسمة كانت نتائجها محسومة سلفاً لمصر، لولا تدخل بريطانيا وفرنسا حليفة محمد علي باشا لصالح تحجيم قوة مصر لمصلحة الدولة العثمانية المهترئة بواسطة مؤتمر لندن عام 1840م الذي قضى بإجبار مصر على الانسحاب من الجزيرة العربية وبلاد الشام وإعادة تحجيم قوة محمد علي باشا ليكون محصور في مصر فقط وربط حكم مصر اسرته وأبنائه بالوراثة.
وبالنظر لقيام إسرائيل نجد أنها منذ البداية محاطة بالرعاية والعناية والاهتمام الغربي والدعم الكبير والواسع الذي منحها القدرة على مواجهة مقاومة العرب التي اندلعت عند إعلان قيامها، ولم يكتفِ الغرب بمنح إسرائيل القوة لقمع المقاومة العربية فقط، بل منحها الإمكانيات اللازمة للتفوق على ما سواها في المنطقة ورسم خريطتها حسب مصالح الغرب. وفي خضم الأحداث الجارية نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية تصدرت القوى الغربية في دعم ورعاية إسرائيل، وتبلغ حجم أموال المساعدات اليوم نحو 3.8 مليار دولار بشكل سنوي بموجب الاتفاق الذي جرى توقيعه بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عام 2016م والذي يشمل التزاماً أمريكياً لتمويل إسرائيل لمدة عقد من الزمن يبدأ من 2019م حتى 2028م يبلغ حجمه نحو 38 مليار دولار. يقول الكاتب الإسرائيلي "دافيد بن بسط" الكاتب في صحيفة "معاريف الإسرائيلية" إن القادة الأمريكيين قالوا: "على مرّ السنين، وصف مسؤولون أمريكيون كبار إسرائيل بأنها حاملة الطائرات الأمريكية التي لا يمكن أن تغرق. ولم يولد هذا الوصف بالصدفة، فإسرائيل هي الحليف الأكثر استقراراً والأقوى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي منطقة تستثمر فيها واشنطن موارد هائلة للحفاظ على نفوذها" انتهى حديث الكاتب الإسرائيلي. وهذا الوصف يوضح ماذا تعني إسرائيل عملياً للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط التي تعج بها مصالحها الاقتصادية الضخمة في بيئة مليئة بالتناقضات والمشاريع المتداخلة مع بعضها، ووجود إسرائيل يوفر عليها العديد من الإمكانيات العسكرية التي تحتاجها في المنطقة لحماية مصالحها إلى جانب الادعاء بتوفير غطاء من الحماية والأمن للحلفاء المعتدلين في المنطقة.
لم يخفِ الغرب موقفه الفظ واللا إنساني من وراء استمراره الدائم في الاستثمار في آلة القتل الإسرائيلية، وهو ما أشار إليه صراحة المستشار الألماني خلال أحداث الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة "بأن إسرائيل تنفذ الأعمال القذرة التي يعجز الغرب عن تنفيذها" وهذا تأكيد للمؤكد بأن إسرائيل مجرد قاعدة عسكرية متقدمة للغرب، وذلك يتوافق مع ما أشار إليه "عبد الوهاب المسيري" أنه لولا وجود إسرائيل لأوجدت أمريكا إسرائيل، لأن وجودها يغني الجانب الأمريكي عن إنفاق نحو خمسين مليار دولار على قواتها لحماية مصالحها في المنطقة. وعوضاً عن ذلك فإن الدعم لإسرائيل يشكل حسب "المسيري" جزءاً ضئيلاً من الكلفة العالية التي كان بالإمكان أن تتحملها الولايات المتحدة الأمريكية في حالة غياب دولة إسرائيل في المنطقة.
والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة: هل تستمر الولايات المتحدة الأمريكية في إرسال المساعدات إلى إسرائيل رغم تعالي الأصوات الشعبية في أمريكا المعارضة لإرسال الأموال الأمريكية إليها؟
بالرغم من وجود تباينات داخل الشارع الأمريكي لرفض إرسال الأموال إلى إسرائيل، وتأتي هذه التباينات في إطار حقوق الإنسان واستمرار إسرائيل في أعمال العنف والقتل والخراب والدمار بحق الشعب الفلسطيني، ويعد ذلك موقفاً إنسانياً متقدماً، إلا أن صانع القرار والسياسة الأمريكية لا يضع في الاعتبار أي معيار إنساني عند النظر إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي تنظر لإسرائيل كحامٍ لطرق التجارة الدولية والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة وكبح الجهات المتطرفة التي تهدد النظام الإقليمي، وهذه الاعتبارات تساهم فيها إسرائيل عوضاً عن التكاليف الباهظة التي تفرض على الولايات المتحدة الأمريكية إرسال قوات باستمرار إلى الشرق الأوسط، وعوضاً عن ذلك إرسال المساعدات المالية والاستمرار في دعم "كلب الحراسة" في منطقة الشرق الأوسط. وتمنح تلك الأموال إسرائيل، كما يقول الكاتب الإسرائيلي "دافيد بن بسط": "إنفاقها على شراء معدات دفاعية أمريكية، تشتري بها طائرات F-35 وطائرات F-15 ومروحيات أباتشي وأنظمة رادار وذخائر متقدمة وقنابل ذكية ومعدات اتصالات من صنع أمريكي" ويأتي حديث الكاتب الإسرائيلي رداً على الناشطين الأمريكيين الرافضين لإرسال أموال دافعي الضرائب لإسرائيل، والحديث هنا كتعبير أن أموالكم السنوية المقدمة لإسرائيل لا تخرج من بلدكم، بل إن الأخيرة تستثمرها في تنشيط السوق الأمريكية وزيادة فرص التوظيف في الأسواق والمنشآت داخل أمريكا.
وبالنظر إلى ما سبق فإن لسان حال الكاتب الإسرائيلي يقول: إن المساعدات المالية الأمريكية السنوية لإسرائيل هي في المجمل خدمة للمصالح الأمريكية قبل أي شيء آخر، كون إسرائيل تعد مصدراً ذا قيمة كبيرة للمعرفة العملياتية ليس لأمريكا فقط بل لجيوش الغرب قاطبة. وبالنظر إلى كلفة أموال المساعدات الأمريكية إلى إسرائيل يضع الكاتب الإسرائيلي "دافيد بن بسط" مقارنة أمام منتقدي إرسال الأموال إلى إسرائيل بقوله: "من المهم أن يفهم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن المساعدة الأمنية لإسرائيل ليست عبئاً أحادي الجانب على دافع الضرائب الأمريكي، ومن المناسب أن ينظر أيضاً إلى تكاليف الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، فالقاعدة الأمريكية الكبرى في قطر العديد تضم آلاف الجنود والطائرات والقيادات العملياتية، وتقدر تكاليف تشغيلها وصيانتها بنحو مليار دولار سنوياً إلى جانب استثمارات ضخمة في القواعد والخدمات اللوجستية في المنطقة، في المقابل فإن إسرائيل على النقيض لا تطلب نشر قوات أمريكية على أراضيها بل توفر للولايات المتحدة الأمريكية معلومات استخبارية وتكنولوجية وخبرة عملياتية وقدرة على الردع الإقليمي من أعلى المستويات" وهذه المقارنة تبين مدى الخدمات الجليلة التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.



